Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
القلم
Al-Qalam
The Pen · Meccan · 52 ayahs
68:1–4Page 564
نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١
Nūn.1 By the pen and what they inscribe,
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣
And indeed, for you is a reward uninterrupted.
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤
And indeed, you are of a great moral character.
﴿ن﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأحَدِ حُرُوفِ الهِجاءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها مِن فَواتِحِ السُّوَرِ ذَواتِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُبَيَّنَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ.
ورَسَمُوا حَرْفَ (ن) بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِها في الخَطِّ وهي مُسَمّى اسْمِهِ الَّذِي هو (نُونٌ) (بِنُونٍ بَعْدَها واوٍ ثُمَّ نُونٍ) وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ والمَنطُوقِ بِهِ وهو اسْمُ الحَرْفِ لا ذاتُهُ؛ لِأنَّكَ إذا أرَدْتَ كِتابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإنَّما تَرْسُمُ سِينًا، وياءً، وفاءً، ولا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ.
وإنَّما يُقْرَأُ بِاسْمِ الحِرَفِ لا بِهِجائِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ الكَلِماتِ قَبْلَ دُخُولِ العَوامِلِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قُرِئَ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ.
* * *
صفحة ٦٠
﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يَجْرِي القَسَمُ هُنا عَلى سُنَنِ الأقْسامِ الصّادِرَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَكُونَ بِأشْياءٍ مُعَظَّمَةٍ دالَّةٍ عَلى آثارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
والقَلَمُ المُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هو ما يُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَوْجُوداتِ الكائِنَةِ والَّتِي سَتَكُونُ، أوْ هو كائِنٌ غَيْبِيٌّ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةٍ: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . قُلْتُ: وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ في الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُوا إلّا القَلَمَ الَّذِي هو آلَةُ الكِتابَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ مِنَ العَرَبِ.
ومِن فَوائِدَ هَذا القَسَمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ كِتابُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِكِتابَةِ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ. وتَعْرِيفُ (القَلَمِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
فالقَسَمُ بِالقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ القُرْآنُ وكُتِبَتْ بِهِ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ وتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ والعُلُومِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وهَذا يُرَجِّحُهُ أنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالقَلَمِ في أوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] .
و(﴿ما يَسْطُرُونَ﴾) هي السُّطُورُ المَكْتُوبَةُ بِالقَلَمِ و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ وما يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. والمَعْنى: وسَطْرِهِمُ الكِتابَةَ سُطُورًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِها كُتّابُ الوَحْيِ القُرْآنَ، (﴿وما يَسْطُرُونَ﴾) قَسَمًا بِكِتابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالقُرْآنِ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما هو بِكَلامِ مَجْنُونٍ
صفحة ٦١
كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ. . . البَيْتَ. ويَسْطُرُونَ: مُضارِعُ سَطَرَ، يُقالُ: سَطَرَ مِن بابِ نَصَرَ، إذا كَتَبَ كَلِماتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنها صُفُوفٌ مِنَ الكِتابَةِ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّ صُفُوفَ الكِتابَةِ تَبْدُو كَأنَّها قِطَعٌ.
وضَمِيرُ (يَسْطُرُونَ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ وهو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ القَلَمِ يُنْبِئُ بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكانَ لَفْظُ القَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الكِتابَةِ والكِتابَةِ، والمَقْصُودُ: المَكْتُوبُ في إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ السّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] .
ومَن فَسَّرَ (القَلَمِ) بِمَعْنى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ (يَسْطُرُونَ) راجِعًا إلى المَلائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ المَلائِكَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أوْ لِإبْلاغِهِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النُّقْصانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الكاتِبِ ما يُرِيدُ إبْلاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ.
وأُوثِرَ القَسَمُ بِالقَلَمِ والكِتابَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ باعِثَ الطّاعِنِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ واللّامِزِينَ لَهُ بِالجُنُونِ، إنَّما هو ما أتاهم بِهِ مِنَ الكِتابِ.
والمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا والخِطابُ لَهُ بِهَذا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ: هو مَجْنُونٌ، وذَلِكَ ما شافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] . وهَكَذا كُلُّ ما ورَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الجُنُونِ عَنْهُ فَإنَّما هو رَدٌّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وقَدْ زَلَّ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ زَلَّةً لا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ.
والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ إثْباتُ ما قَصَدَ المُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وهو أنْ يَكُونَ
صفحة ٦٢
رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسالَةِ وضَعُوا مَوْضِعَها صِفَةَ الجُنُونِ، فَإذا نُفِيَ ما زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ ما ادَّعاهُ.
وقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهم وتَأْكِيدُهم ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) ولامِ الابْتِداءِ إذْ قالُوا ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] بِمُؤَكِّداتٍ أقْوى مِمّا في كَلامِهِمْ إذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالباءِ الَّتِي تُزادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وبِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مَنفِيَّةً لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ، أيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ.
وقَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جَعَلَهُ في الكَشّافِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في (مَجْنُونٍ) المَنفِيِّ. والتَّقْدِيرُ: انْتَفى وصْفُ المَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ اللَّهِ إذْ بَرَّأكَ مِنَ النَّقائِصِ. والَّذِي أرى أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، وأنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في تَعَلُّقِ الباءِ في قَوْلِهِ (بِاسْمِ اللَّهِ) وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُهم كَقَوْلِ الحَماسِيِّ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا
وذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ أنَّ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ (ما) النّافِيَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقَدَّرَهُ: انْتَفى أنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (مَجْنُونٍ) إذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خاصٍّ وهو الجُنُونُ الَّذِي يَكُونُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ. واسْتَحْسَنَ هَذا ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ الثّالِثِ لَوْلا أنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالحَرْفِ ولَمْ يُخالِفْهم في ذَلِكَ إلّا أبُو عَلِيٍّ وأبُو الفَتْحِ في خُصُوصِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ والظَّرْفِ بِمَعْنى الحَرْفِ النّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا لَزَيْدٍ يُرِيدُ في الاسْتِغاثَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
ولَمّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتانَ أعْدائِهِ أعْقَبَهُ بِإكْرامِهِ بِأجْرٍ عَظِيمٍ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِلامِ الابْتِداءِ وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو في قَوْلِهِ لَكَ.
صفحة ٦٣
وهَذا الأجْرُ هو ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ وعِنايَةُ اللَّهِ بِهِ ونَصْرُهُ في الدُّنْيا.
و(مَمْنُونٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَنِّ المُعْطِي عَلى المُعْطى إذا عَدَّ عَلَيْهِ عَطاءَهُ وذَكَرَهُ لَهُ، أوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ المُعْطى، قالَ النّابِغَةُ:
عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبٍ
أيْ لَيْسَ فِيها أذًى، والمَنُّ مِنَ الأذى قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وقَدِ انْتَزَعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ أوْ غَيْرُهُ في قَوْلِهِ:
أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
قَبْلَهُ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي
ومُرادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ المَعْرُوفُ بِالأشْدَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَمْنُونٍ) مُشْتَقًّا مِن قَوْلِهِمْ: مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ، أيْ أجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وهو الثَّوابُ المُتَزايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ أجْرًا أبَدِيًّا في الآخِرَةِ، ولِهَذا كانَ لِإيثارِ كَلِمَةِ (مَمْنُونٍ) هُنا مِنَ الإيجازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] في سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ ما هُنا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وبَعْدَ أنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَعْدِ عادَ إلى تَسْفِيهِ قَوْلِ الأعْداءِ فَحَقَّقَ أنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وذَلِكَ ضِدُّ الجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ مِثْلُ ما في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ.
والخُلُقُ: طِباعُ النَّفْسِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى طِباعِ الخَيْرِ إذا لَمْ تُتْبَعْ بِنَعْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
والعَظِيمُ: الرَّفِيعُ القَدْرِ وهو مُسْتَعارٌ مِن ضَخامَةِ الجِسْمِ، وشاعَتْ هَذِهِ الاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ.
و(عَلى) لِلْاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] .
صفحة ٦٤
وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» أيْ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إيقاعِ الفَضائِلِ والمَكارِمِ والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها.
والخُلُقُ العَظِيمُ: هو الخُلُقُ الأكْرَمُ في نَوْعِ الأخْلاقِ وهو البالِغُ أشَدَّ الكَمالِ المَحْمُودِ في طَبْعِ الإنْسانِ لِاجْتِماعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ في النَّبِيءِ ﷺ فَهو حَسَنٌ مُعامَلَتِهِ النّاسَ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ المُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ، فالخُلُقُ العَظِيمُ أرْفَعُ مِن مُطْلَقِ الخُلُقِ الحَسَنِ.
ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآياتِ العَشْرَ. وعَنْ عَلِيٍّ الخُلُقُ العَظِيمُ: هو أدَبُ القُرْآنِ ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ ما وصَفَ بِهِ القُرْآنُ مَحامِدَ الأخْلاقِ وما وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ. وما أخَذَ بِهِ مِنَ الأدَبِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَجَعَلَ أصْلَ شَرِيعَتِهِ إكْمالَ ما يَحْتاجُهُ البَشَرُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ في نُفُوسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أكْبَرُ مَظْهَرٍ لِما في شَرْعِهِ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
فَكَما جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بِمُنْتَهى الاسْتِطاعَةِ.
وبِهَذا يَزْدادُ وُضُوحًا مَعْنى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ الاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ الخُلُقُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، ومُتَمَكِّنٌ مِنهُ في دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ جُماعَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أعْلى الخُلُقِ الحَسَنِ هو التَّدَيُّنُ، ومَعْرِفَةُ الحَقائِقِ، وحِلْمُ النَّفْسِ، والعَدْلُ، والصَّبْرُ عَلى المَتاعِبِ، والاعْتِرافُ لِلْمُحْسِنِ، والتَّواضُعُ، والزُّهْدُ، والعِفَّةُ، والعَفْوُ، والجُمُودُ، والحَياءُ، والشَّجاعَةُ، وحُسْنُ الصَّمْتِ، والتَّؤُدَةُ، والوَقارُ، والرَّحْمَةُ، وحُسْنُ المُعامَلَةِ والمُعاشَرَةِ.
والأخْلاقُ كامِنَةٌ في النَّفْسِ ومَظاهِرُها تَصَرُّفاتُ صاحِبِها في كَلامِهِ، وطَلاقَةِ
صفحة ٦٥
وجْهِهِ، وثَباتِهِ، وحُكْمِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وطَعامِهِ وشَرابِهِ، وتَأْدِيبِ أهْلِهِ، ومَن لِنَظِرِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ والسُّمْعَةِ.
وأمّا مَظاهِرُها في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي ذَلِكَ كُلِّهِ وفي سِياسِيَّتِهِ أُمَّتِهِ، وفِيما خُصَّ بِهِ مِن فَصاحَةِ كَلامِهِ وجَوامِعِ كَلِمِهِ.
68:5–6Page 564
فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥
So you will see and they will see
بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦
Which of you is the afflicted [by a devil].
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] بِاعْتِبارِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] مِن إبْطالِ مَقالَةٍ قِيلَتْ في شَأْنِهِ قالَها أعْداؤُهُ في الدِّينِ، ابْتَدَأ بِإبْطالِ بُهْتانِهِمْ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّهم إذا نَظَرُوا الدَّلائِلَ وتَوَسَّمُوا الشَّمائِلَ عَلِمُوا أيَّ الفَرِيقَيْنِ المَفْتُونَ. أهم مَفْتُونُونَ بِالانْصِرافِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ، أمْ هو بِاخْتِلالِ العَقْلِ كَما اخْتَلَقُوا ؟
والمَقْصُودُ هو ما في قَوْلِهِ (ويُبْصِرُونَ) ولَكِنْ أُدْمِجَ فِيهِ قَوْلُهُ (فَسَتُبْصِرُ) لِيَتَأتّى بِذِكْرِ الجانِبَيْنِ إيقاعُ كَلامٍ مُنْصِفٍ (أيْ داعٍ إلى الإنْصافِ) عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] لِأنَّ القُرْآنَ يَبْلُغُ مَسامِعَهم ويُتْلى عَلَيْهِمْ.
وفِعْلا (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾)، بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ، فَجَعَلَهُ مِثْلَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في مَعْنى الظَّنِّ، فَلَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى إذْ قَدْ قِيلَ إنَّ الفِعْلَ المُشْتَقَّ مِن (أبْصَرَ) لا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الظَّنِّ والاعْتِقادُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ خِلافًا لِهِشامٍ كَذا في التَّسْهِيلِ، فالمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ رَأْيَ العَيْنِ أيَّكُمُ المَفْتُونُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ رَأى ذَلِكَ. فالسِّينُ في قَوْلِهِ (فَسَتُبْصِرُ) لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَسَيَرَوْنَ ذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُونَ آثارَ فُتُونِهِمْ وذَلِكَ فِيما يَرَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ.
وإنْ كانَ بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ فالسِّينُ والتّاءُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلْاسْتِقْبالِ.
وضَمِيرُ (يُبْصِرُونَ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ السّامِعِ وهُمُ المُشْرِكُونَ القائِلُونَ: هو مَجْنُونٌ.
صفحة ٦٦
و(أيِّ) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَتَعَرَّفُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَدْلُولَ (أيِّ) فَرْدٌ أوْ طائِفَةٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مُشارِكٍ في طائِفَتِهِ مِن جَنْسٍ أوْ وصْفٍ بِمُمَيِّيزٍ واقِعِيٍّ أوْ جَعْلِيٍّ. فَهَذا مَدْلُولُ (أيِّ) في جَمِيعِ مَواقِعِهِ. ولَهُ مَواقِعُ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ، فَقَدْ يُشْرِبُ (أيِّ) مَعْنى المَوْصُولِ، ومَعْنى الشَّرْطِ، ومَعْنى الاسْتِفْهامِ، ومَعْنى التَّنْوِيهِ بِكامِلٍ، ومَعْنى المُعَرَّفِ بِ (ألْ) إذا وصَلَ بِنِدائِهِ. وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا مُتَمَيِّزًا عَمّا يُشارِكُهُ في طائِفَتِهِ المَدْلُولَةِ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْناهُ: أيُّ رَجُلٍ، أوْ أيُّ فَرِيقٍ مِنكُمُ المَفْتُونُ، فَ (أيِّ) في مَوْقِعِهِ هُنا اسْمٌ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لِ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقَ المَجْرُورِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (أيِّ) في الاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
المَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ وهو الَّذِي أصابَتْهُ فِتْنَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجُنُونُ فَإنَّ الجُنُونَ يُعَدُّ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبِيلِ الفِتْنَةِ ”يَقُولُونَ لِلْمَجْنُونِ فَتَنَتْهُ الجِنُّ“ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يَصْدُقُ عَلى المُضْطَرِبِ في أمْرِهِ المَفْتُونِ في عَقْلِهِ حَيْرَةً وتَقَلْقُلًا، بِإيثارِ هَذا اللَّفْظِ، دُونَ لَفْظِ المَجْنُونِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أوِ التَّوْرِيَةِ لِيَصِحَّ فَرْضُهُ لِلْجانِبَيْنِ.
فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ الَّذِينَ يَنْدَفِعُونَ إلى مُقاوَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِدُونِ تَبَصُّرٍ يَكُنْ في فِتْنَةِ اضْطِرابِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما الَّذِينَ أغْرَوُا العامَّةَ بِالطَّعْنِ في النَّبِيءِ ﷺ بِأقْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
والباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، والأصْلُ: أيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: في أيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم يُوجَدُ المَجْنُونُ، أيْ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَيْرِهِما مِن مُدَبِّرِي السُّوءِ عَلى دَهْماءَ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ الأقْوالِ الشَّبِيهَةِ بِأقْوالِ المَجانِينِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَجُلًا مَعْرُوفًا بَيْنَ العُقَلاءِ مَذْكُورًا بِرَجاحَةِ العَقْلِ والأمانَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَوَصَفُوهُ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ فَكانُوا كَمَن زَعَمَ أنَّ النَّهارَ لَيْلٌ ومَن وصَفَ اليَوْمَ الشَّدِيدَ البَرْدِ بِالحَرارَةِ، فَهَذا شُبِّهَ بِالمَجْنُونِ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ (المَفْتُونُ) في الآيَةِ وصْفًا ادِّعائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما
صفحة ٦٧
جَعَلَ المُتَنَبِّي القَوْمَ الَّذِينَ تَرَكُوا نَزِيلَهم يَرْحَلُ عَنْهم مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى إمْساكِهِ راحِلِينَ عَنْ نَزِيلِهِمْ في قَوْلِهِ:
إذا تَرَحَّلَتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا أنْ لا تُفارِقَهم فالرّاحِلُونَ هُمُو
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (المَفْتُونُ) مَصْدَرًا عَلى وزْنِ المَفْعُولِ مِثْلُ المَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلْدِ، والمَيْسُورِ لِلْيُسْرِ، والمَعْسُورِ لِضِدِّهِ، وفي المَثَلِ ”خُذْ مِن مَيْسُورِهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ“ .
والباءُ عَلى هَذا لِلْمُلابَسَةِ في مَحَلِّ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى (المَفْتُونِ) وهو مُبْتَدَأٌ.
يُضَمَّنُ فِعْلُ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) مَعْنى: تُوقِنُ ويُوقِنُونَ، عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِفِعْلِ الإبْصارِ عَنِ التَّحَقُّقِ؛ لِأنَّ أقْوى طُرُقِ الحِسِّ حاسَّةُ البَصَرِ ويَكُونُ الإتْيانُ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّضْمِينِ. والمَعْنى: فَسَتَعْلَمُ يَقِينًا ويَعْلَمُونَ يَقِينًا بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فالباءُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ) .
68:7Page 564
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾
تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ الجانِبَ المَفْتُونَ هو الجانِبُ القائِلُ لَهُ (﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) وأنَّ ضِدَّهُ بِضِدِّهِ هو الرّاجِعُ العَقْلُ أيِ الَّذِي أخْبَرَكَ بِما كَنّى عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] مِن أنَّهُمُ المَجانِينُ هو الأعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، وهو الَّذِي أنْبَأكَ بِأنْ سَيَتَّضِحُ الحَقُّ لِأبْصارِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنَّ المَفْتُونَ هو الفَرِيقُ الَّذِينَ وسَمُوا النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] إذْ هُمُ الضّالُّونَ عَنْ سَبِيلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ لا مَحالَةَ، ويَنْتَظِمُ بِالتَّدَرُّجِ مَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْيِسَةُ مُساواةٍ مُنْدَرِجٌ بَعْضُها في بَعْضٍ تَقْتَضِي مُساواةَ حَقِيقَةِ مَن ضَلَّ عَنْ سُبُلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ بِحَقِيقَةِ المَفْتُونِ. ومُساواةَ حَقِيقَةِ المَفْتُونِ بِحَقِيقَةِ المَجْنُونِ، فَتُنْتِجُ أنَّ فَرِيقَ المُشْرِكِينَ هُمُ المُتَّصِفُونَ بِالجُنُونِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ أنَّ مُساوِيَ المُساوِي لِشَيْءٍ مُساوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ.
صفحة ٦٨
وهَذا الانْتِقالُ تَضَمَّنَ وعْدًا ووَعِيدًا، بِإضافَةِ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ ومُقابَلَةِ مَن ضَلَّ عَنْهُ بِالمُهْتَدِينَ.
وعُمُومُ مَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وعُمُومُ المُهْتَدِينَ يَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ كَوْنِها كالدَّلِيلِ هي أيْضًا مِنَ التَّذْيِيلِ.
وهُوَ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .
68:8–9Page 564
فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨
Then do not obey the deniers.
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] إلى آخِرِها، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّهُ عَلى هُدى، وأنَّ الجانِبَ الآخَرَ في ضَلالِ السَّبِيلِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُشادَّةَ مَعَهم، وأنْ لا يَلِينَ لَهم في شَيْءٍ، فَإنَّ أذاهم إيّاهُ آلَ إلى مُحارَبَةِ الحَقِّ والهُدى، وتَصَلُّبٍ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ لِينًا ولَكِنْ يَسْتَأْهِلُونَ إغْلاظًا.
رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والحَسَنِ بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ تَحُومُ حَوْلَ أنَّ المُشْرِكِينَ ودُّوا أنْ يُمْسِكَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُجاهَرَتِهِمْ بِالتَّضْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فَيُمْسِكُوا عَنْ أذاهُ، ويُصانِعَ بَعْضُهم بَعْضًا فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ إجابَتِهِمْ لِما ودُّوا.
ومَعْنى ودُّوا: أحَبُّوا.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ودُّوا ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) .
ووَرَدَ في كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِمِثْلِ هَذا العَرْضِ ووَسَّطُوا في ذَلِكَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ.
فَيَنْتَظِمُ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) نَهْيٌ عَنْ إجابَتِهِمْ إلى شَيْءٍ عَرَضُوهُ عَلَيْهِ عِنْدَما قَرَّعَهم بِأوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وبِخاصَّةٍ مِن وقْعِ مَعْنى التَّعْرِيضِ البَدِيعِ المَمْزُوجِ بِالوَعِيدِ بِسُوءِ المُسْتَقْبَلِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] إلى قَوْلِهِ المُهْتَدِينَ فَلَعَلَّهم تَحَدَّثُوا أوْ أوْعَزُوا إلى مَن يُخْبِرُ الرَّسُولَ ﷺ أوْ صارَحُوهُ بِأنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ ساءَهُ قَوْلُهم فِيهِ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] فَقَدْ
صفحة ٦٩
ساءَهم مِنهُ تَحْقِيرُهم بِصِفاتِ الذَّمِّ وتَحْقِيرُ أصْنامِهِمْ وآبائِهِمْ مِن جانِبِ الكُفْرِ، فَإنْ أمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ أمْسَكُوا عَنْ أذاهُ وكانَ الحالُ صُلْحًا بَيْنَهم، ويَتْرُكُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا وما عَبَدَهُ.
والطّاعَةُ: قَبُولُ ما يُبْتَغى عَمَلُهُ، ووُقُوعُ فِعْلِ تُطِعْ في حَيِّزِ النَّهْيِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الطّاعَةِ لَهم فَيَعُمُّ كُلَّ إجابَةٍ لِطَلَبٍ مِنهم، فالطّاعَةُ مُرادٌ بِها المُصالَحَةُ والمُلايَنَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أيْ لا تَلِنْ لَهم.
واخْتِيرَ تَعْرِيفُهم بِوَصْفِ المُكَذِّبِينَ دُونَ غَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوْصُولِ في الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ، وهو حُكْمُ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ طاعَتِهِمْ لِأنَّهم كَذَّبُوا رِسالَتَهُ.
ومِن هُنا يَتَّضِحُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ بَيانٌ لِمُتَعَلَّقِ الطّاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِعْلُ (تُدْهِنُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الإدْهانِ وهو المُلايَنَةُ والمُصانَعَةُ، وحَقِيقَةُ هَذا الفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ لِشَيْءٍ دُهْنًا إمّا لِتَلْيِينِهِ وإمّا لِتَلْوِينِهِ، ومِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ تَفَرَّعَتْ مَعانِي الإدْهانِ كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، أيْ ودُّوا مِنكَ أنْ تُدْهِنَ لَهم فَيُدْهِنُوا لَكَ، أيْ لَوْ تُواجِهُهم بِحُسْنِ المُعامَلَةِ فَيُواجِهُونَكَ بِمِثْلِها.
والفاءُ في (فَيُدْهِنُونَ) لِلْعَطْفِ، والتَّسَبُّبِ عَنْ جُمْلَةِ (لَوْ تُدْهِنُ) جَوابًا لِمَعْنى التَّمَنِّي المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ (ودُّوا) بَلْ قُصِدَ بَيانُ سَبَبِ وِدادَتِهِمْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبِ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ بِإضْمارِ (أنْ) لِأنَّ فاءَ المُتَسَبِّبِ كافِيَةٌ في إفادَةِ ذَلِكَ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَهم يُدْهِنُونَ. وسَلَكَ هَذا الأُسْلُوبَ لِيَكُونَ الاسْمُ المُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ فَيُفِيدُ مَعْنى الاخْتِصاصِ، أيْ فالإدْهانُ مِنهم لا مِنكَ، أيْ فاتْرُكِ الإدْهانَ لَهم ولا تَتَخَلَّقْ أنْتَ بِهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ بِالتَّرَتُّباتِ أنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقُ جَوابٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، أيْ فَهو لا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا.
وحَرْفُ (لَوْ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شَرْطِيًّا ويَكُونَ فِعْلُ (تُدْهِنُ) شَرْطًا، وأنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَوْ تُدْهِنُ لَحَصَلَ لَهم ما يَوَدُّونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ
صفحة ٧٠
يَكُونَ (لَوْ) حَرْفًا مَصْدَرِيًّا عَلى رَأْيِ طائِفَةٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، أنَّ (لَوْ) يَأْتِي حَرْفًا مَصْدَرِيًّا مِثْلُ (أنْ) فَقَدْ قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ والتِّبْرِيزِيُّ وابْنُ مالِكٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ودُّوا إدْهانَكَ.
ومَفْعُولُ (ودُّوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ (لَوْ تُدْهِنُ)، أوْ هو المَصْدَرُ بِناءً عَلى أنْ لَوْ تَقَعُ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ يُفِيدُ مَوْقِعُ الفاءِ تَعْلِيلًا لِمَوَدَّتِهِمْ مِنهُ أنْ يُدْهِنَ، أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِنكَ لِأنَّهم مُدْهِنُونَ، وصاحِبُ النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ يَوَدُّ أنْ يَكُونَ النّاسُ مِثْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences