Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:1–2

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

النساء

An-Nisa

The Women · Medinan · 176 ayahs

4:1Page 77

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allāh, through whom1 you ask one another,2 and the wombs.3 Indeed Allāh is ever,4 over you, an Observer.5

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ .

جاءَ الخِطابُ بِ يا أيُّها النّاسُ: لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ يَوْمَئِذٍ وفِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ. فَضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ خَلَقَكم عائِدٌ إلى النّاسِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، أيْ لِئَلّا يَخْتَصَّ بِالمُؤْمِنِينَ - إذْ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ هم كُفّارُ العَرَبِ - وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الإسْلامِ قَبْلَ جَمِيعِ البَشَرِ لِأنَّ الخِطابَ جاءَ بِلُغَتِهِمْ، وهُمُ المَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ لِبَقِيَّةِ الأُمَمِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ كُتُبَهُ لِلرُّومِ وفارِسَ ومِصْرَ بِالعَرَبِيَّةِ لِتُتَرْجَمَ لَهم بِلُغاتِهِمْ. فَلَمّا كانَ ما بَعْدُ هَذا النِّداءِ جامِعًا لِما يُؤْمَرُ بِهِ النّاسُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، نُودِيَ جَمِيعُ النّاسِ، فَدَعاهُمُ اللَّهُ إلى التَّذَكُّرِ بِأنَّ أصْلَهم واحِدٌ، إذْ قالَ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ دَعْوَةً تَظْهَرُ فِيها المُناسَبَةُ بَيْنَ وحْدَةِ النَّوْعِ ووَحْدَةِ الِاعْتِقادِ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّقْوى في ”اتَّقُوا رَبَّكم“ اتِّقاءُ غَضَبِهِ، ومُراعاةُ حُقُوقِهِ، وذَلِكَ حَقُّ تَوْحِيدِهِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وتَنْزِيهِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ في الوُجُودِ والأفْعالِ والصِّفاتِ.

وفِي هَذِهِ الصِّلَةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ مُناسِبَةٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ الأصْلِيَّةِ، فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ.

وعَبَّرَ بِ ”رَبَّكم“، دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ، لِأنَّ في مَعْنى الرَّبِّ ما يَبْعَثُ العِبادَ عَلى

صفحة ٢١٥

الحِرْصِ في الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، إذِ الرَّبُّ هو المالِكُ الَّذِي يَرُبُّ مَمْلُوكَهُ أيْ، يُدَبِّرُ شُئُونَهُ، ولِيَتَأتّى بِذِكْرِ لَفْظِ الرَّبِّ طَرِيقُ الإضافَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِتَقْواهُ حَقَّ التَّقْوى، والدّالَّةِ عَلى أنَّ بَيْنَ الرَّبِّ والمُخاطَبِينَ صِلَةً تُعَدُّ إضاعَتُها حَماقَةً وضَلالًا. وأمّا التَّقْوى في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسّاءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ فالمَقْصِدُ الأهَمُّ مِنها: تَقْوى المُؤْمِنِ بِالحَذَرِ مِنَ التَّساهُلِ في حُقُوقِ الأرْحامِ واليَتامى مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ. ثُمَّ جاءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ ”الَّذِي خَلَقَكم“ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى.

ووَصْلُ ”خَلَقَكم“ بِصِلَةِ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَجِيبِ هَذا الخَلْقِ وحَقِّهِ بِالِاعْتِبارِ. وفي الآيَةِ تَلْوِيحٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأحَقِّيَّةِ اتِّباعِهِمْ دَعْوَةَ الإسْلامِ، لِأنَّ النّاسَ أبْناءُ أبٍ واحِدٍ، وهَذا الدِّينُ يَدْعُو النّاسَ كُلَّهم إلى مُتابَعَتِهِ ولَمْ يَخُصَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ أوْ نَسَبًا مِنَ الأنْسابِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ دِينُ جَمِيعِ البَشَرِ، بِخِلافِ بَقِيَّةِ الشَّرائِعِ فَهي مُصَرِّحَةٌ بِاخْتِصاصِها بِأُمَمٍ مُعَيَّنَةٍ. وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ أوْلى النّاسِ بِأنْ يَتَّبِعُوهُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ مِن ذَوِي رَحِمِهِمْ. وفي الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِما سَيُبَيَّنُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ المُرَتَّبَةِ عَلى النَّسَبِ والقَرابَةِ.

والنَّفْسُ الواحِدَةُ: هي آدَمُ. والزَّوْجُ: حَوّاءُ، فَإنَّ حَوّاءَ أُخْرِجَتْ مِن آدَمَ مِن ضِلْعِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ مِنها.

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ. ومَعْنى التَّبْعِيضِ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جُزْءٍ مِن آدَمَ. قِيلَ: مِن بَقِيَّةِ الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنها آدَمُ. وقِيلَ: فُصِلَتْ قِطْعَةٌ مِن ضِلْعِهِ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ الوارِدِ في الصَّحِيحَيْنِ.

ومَن قالَ: إنَّ المَعْنى وخَلَقَ زَوْجَها مِن نَوْعِها لَمْ يَأْتِ بِطائِلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعِ الإنْسانِ فَإنَّ أُنْثى كُلِّ نَوْعٍ هي مِن نَوْعِهِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ عَلى ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، فَهو صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وقَوْلُهُ ”وبَثَّ مِنهُما صِلَةٌ ثالِثَةٌ لِأنَّ الَّذِي يَخْلُقُ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ جَدِيرٌ بِأنْ

صفحة ٢١٦

يُتَّقى، ولِأنَّ في مَعانِي هَذِهِ الصِّلاتِ زِيادَةَ تَحْقِيقِ اتِّصالِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، إذِ الكُلُّ مِن أصْلٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ خَلْقُهم ما حَصَلَ إلّا مِن زَوْجَيْنِ فَكُلُّ أصْلٍ مِن أُصُولِهِمْ يَنْتَمِي إلى أصْلٍ فَوْقَهُ.

وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلاتِ تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ النّاسَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ. وجاءَ الكَلامُ عَلى هَذا النَّظْمِ تَوْفِيَةً بِمُقْتَضى الحالِ الدّاعِي لِلْإتْيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ، ومُقْتَضى الحالِ الدّاعِي لِتَفْصِيلِ حالَةِ الخَلْقِ العَجِيبِ. ولَوْ غُيِّرَ هَذا الأُسْلُوبُ فَجِيءَ بِالصُّورَةِ المُفَصَّلَةِ دُونَ سَبْقِ إجْمالٍ، فَقِيلَ: الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَثَّ مِنها رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً لَفاتَتِ الإشارَةُ إلى الحالَةِ العَجِيبَةِ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعِ آدَمَ»، فَلِذَلِكَ يَكُونُ حَرْفُ“ مِن ”في قَوْلِهِ ﴿وخَلَقَ مِنها﴾ لِلِابْتِداءِ، أيْ أخْرَجَ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ. والزَّوْجُ هُنا أُرِيدَ بِهِ الأُنْثى الأُولى الَّتِي تَناسَلَ مِنها البَشَرُ، وهي حَوّاءُ. وأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الزَّوْجِ لِأنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُنْفَرِدًا فَإذا اتَّخَذَ امْرَأةً فَقَدْ صارا زَوْجًا في بَيْتٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ كانَ أصْلُ لَفْظِ الزَّوْجِ أنْ يُطْلَقَ عَلى مَجْمُوعِ الفَرْدَيْنِ، فَإطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ المُتَعاقِدَيْنِ تَسامُحٌ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ولِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ لِأنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالجامِدِ، فَلا يُقالُ لِلْمَرْأةِ زَوْجَةٌ، ولَمْ يُسْمَعْ في فَصِيحِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ عَدَّهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ لَحْنًا. وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُهُ أشَدَّ الإنْكارِ. قِيلَ لَهُ يَقُولُ ذُو الرُّمَّةِ:

أذُو زَوْجَةٍ بِالمِصْرِ أمْ ذُو خُصُومَةٍ أراكَ لَها بِالبَصْرَةِ العامَ ثاوِيا

فَقالَ: إنَّ ذا الرُّمَّةِ طالَما أكَلَ المالِحَ والبَقْلَ في حَوانِيتِ البَقّالِينَ، يُرِيدُ أنَّهُ مُوَلَّدٌ.

وقالَ الفَرَزْدَقُ:

وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أسَدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها

وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِ الفُقَهاءِ، قَصَدُوا بِهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ عِنْدَ ذِكْرِ الأحْكامِ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢١٧

وقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ العِبْرَةَ بِهَذا الخَلْقِ العَجِيبِ الَّذِي أصْلُهُ واحِدٌ، ويَخْرُجُ هو مُخْتَلِفَ الشَّكْلِ والخَصائِصِ، والمِنَّةُ عَلى الذُّكْرانِ بِخَلْقِ النِّساءِ لَهم، والمِنَّةُ عَلى النِّساءِ بِخَلْقِ الرِّجالِ لَهُنَّ، ثُمَّ مَنَّ عَلى النَّوْعِ بِنِعْمَةِ النَّسْلِ في قَوْلِهِ ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ بِهَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ.

والبَثُّ: النَّشْرُ والتَّفْرِيقُ لِلْأشْياءِ الكَثِيرَةِ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] .

ووَصَفَ الرِّجالَ، وهو جَمْعٌ، بِكَثِيرٍ، وهو مُفْرَدٌ، لِأنَّ“ كَثِيرًا ”يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ واسْتَغْنى عَنْ وصْفِ النِّساءِ بِكَثِيرٍ لِدَلالَةِ وصْفِ الرِّجالِ بِهِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ البَثِّ مِنَ الكَثْرَةِ.

* * *

﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسّاءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ .

شُرُوعٌ في التَّشْرِيعِ المَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ، وأُعِيدَ فِعْلُ اتَّقُوا: لِأنَّ هَذِهِ التَّقْوى مَأْمُورٌ بِها المُسْلِمُونَ خاصَّةً، فَإنَّهم قَدْ بَقِيَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِن عَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ لا يَشْعُرُونَ بِها، وهي التَّساهُلُ في حُقُوقِ الأرْحامِ والأيْتامِ.

واسْتَحْضَرَ اسْمَ اللَّهِ العَلَمَ هُنا دُونَ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلى رَبِّكم لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِ السّامِعِينَ. لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيعٍ يُناسِبُهُ إيثارُ المَهابَةِ بِخِلافِ مَقامِ قَوْلِهِ اتَّقُوا رَبَّكم فَهو مَقامُ تَرْغِيبٍ. ومَعْنى“ تَسّاءَلُونَ ”بِهِ يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا بِهِ في القَسَمِ فالمُسايَلَةُ بِهِ تُؤْذِنُ بِمُنْتَهى العَظَمَةِ، فَكَيْفَ لا تَتَّقُونَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَسّاءَلُونَ بِتَشْدِيدِ السِّينِ لِإدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ، وهي تاءُ التَّفاعُلِ في السِّينِ، لِقُرْبِ المَخْرَجِ واتِّحادِ الصِّفَةِ، وهي الهَمْسُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: تَساءَلُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ عَلى أنَّ تاءَ الِافْتِعالِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.

“ والأرْحامَ ”قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَكُونُ“ الأرْحامَ ”مَأْمُورًا بِتَقْواها عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ اتِّقائِها، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيِ اتِّقاءِ حُقُوقِها، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ

صفحة ٢١٨

فِي مَعْنَيَيْهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالآيَةُ ابْتِداءُ تَشْرِيعٍ وهو مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ يَكُونُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الأرْحامِ أيِ الَّتِي يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا بِها، وذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ (ناشَدْتُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ) كَما رُوِيَ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حِينَ قَرَأ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَأخَذَتْ عُتْبَةَ رَهْبَةٌ وقالَ: ناشَدْتُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ» . وهو ظاهِرُ مَحْمَلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ وإنْ أباهُ جُمْهُورُ النُّحاةِ اسْتِعْظامًا لِعَطْفِ الِاسْمِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، حَتّى قالَ المُبَرِّدُ“ لَوْ قَرَأ الإمامُ بِهاتِهِ القِراءَةِ لَأخَذْتُ نَعْلِي وخَرَجْتُ مِنَ الصَّلاةِ " وهَذا مِن ضِيقِ العَطَنِ وغُرُورٍ بِأنَّ العَرَبِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ فِيما يَعْلَمُهُ، ولَقَدْ أصابَ ابْنُ مالِكٌ في تَجْوِيزِهِ العَطْفَ عَلى المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، فَتَكُونُ تَعْرِيضًا بِعَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ، إذْ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم بِالرَّحِمِ وأواصِرِ القَرابَةِ ثُمَّ يُهْمِلُونَ حُقُوقَها ولا يَصِلُونَها، ويَعْتَدُونَ عَلى الأيْتامِ مِن إخْوَتِهِمْ وأبْناءِ أعْمامِهِمْ، فَناقَضَتْ أفْعالُهم أقْوالَهم، وأيْضًا هم آذَوُا النَّبِيءَ ﷺ وظَلَمُوهُ، وهو مِن ذَوِي رَحِمِهِمْ وأحَقُّ النّاسِ بِصِلَتِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقالَ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . وقالَ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] . وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ تَتِمَّةً لِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها.

4:2Page 77

وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ .

مُناسَبَةُ عَطْفِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَهُ أنَّهُ مِن فُرُوعِ تَقْوى اللَّهِ في حُقُوقِ الأرْحامِ، لِأنَّ المُتَصَرِّفِينَ في أمْوالِ اليَتامى في غالِبِ الأحْوالِ هم أهْلُ قَرابَتِهِمْ، أوْ مِن فُرُوعِ تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَتَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ فَيَجْعَلُونَ لِلْأرْحامِ مِنَ الحَظِّ ما جَعَلَهم يُقْسِمُونَ بِها كَما يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ. وشَيْءٌ هَذا شَأْنُهُ حَقِيقٌ بِأنْ تُراعى أواصِرُهُ ووَشائِجُهُ وهم لَمْ يَرْقُبُوا ذَلِكَ. وهَذا مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .

صفحة ٢١٩

والإيتاءُ حَقِيقَتُهُ الدَّفْعُ والإعْطاءُ الحِسِّيُّ، ويُطْلَقُ عَلى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وجَعْلِهِ حَقًّا لَهُ، مِثْلُ إطْلاقِ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وفي الحَدِيثِ «رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها» .

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ وجَمْعُ يَتِيمَةٍ، فَإذا جُمِعَتْ بِهِ يَتِيمَةٌ فَهو فَعائِلُ أصْلُهُ يَتائِمُ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ فَقالُوا يَتامِئُ ثُمَّ خَفَّفُوا الهَمْزَةَ فَصارَتْ ألِفًا وحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ، وإذا جُمِعَ بِهِ يَتِيمٌ فَهو إمّا جَمْعُ الجَمْعِ بِأنْ جُمِعَ أوَّلًا عَلى يَتْمى، كَما قالُوا: أسِيرٌ وأسْرى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى يَتامى مِثْلُ أسارى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أوْ جَمْعُ فَعِيلٍ عَلى فَعائِلَ لِكَوْنِهِ صارَ اسْمًا مِثْلَ أفِيلٍ وأفائِلَ، ثُمَّ صُنِعَ بِهِ مِنَ القَلْبِ ما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وقَدْ نَطَقَتِ العَرَبُ بِجَمْعِ يَتِيمَةٍ عَلى يَتائِمَ، وبِجَمْعِ فَعِيلٍ عَلى فَعائِلَ في قَوْلِ بِشْرٍ النَّجْدِيِّ:

أأطْلالَ حُسْنٍ في البِراقِ اليَتائِمِ سَلامٌ عَلى أطْلالِكُنَّ القَدائِمِ

واشْتِقاقُ اليَتِيمِ مِنَ الِانْفِرادِ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ أيِ المُنْفَرِدَةُ بِالحُسْنِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ وهو قاصِرٌ، وأطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى مَن فُقِدَ أبُوهُ في حالِ صِغَرِهِ كَأنَّهُ بَقِيَ مُنْفَرِدًا لا يَجِدُ مَن يَدْفَعُ عَنْهُ، ولَمْ يَعْتَدَّ العَرَبُ بِفَقْدِ الأُمِّ في إطْلاقِ وصْفِ اليَتِيمِ إذْ لا يَعْدَمُ الوَلَدُ كافِلَةً، ولَكِنَّهُ يُعْدَمُ بِفَقْدِ أبِيهِ مَن يُدافِعُ عَنْهُ ويُنْفِقُهُ. وقَدْ ظَهَرَ مِمّا راعَوْهُ في الِاشْتِقاقِ أنَّ الَّذِي يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرِّجالِ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى يَتِيمًا إذْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وذَلِكَ هو إطْلاقُ الشَّرِيعَةِ لِاسْمِ اليَتِيمِ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ.

وقِيلَ: هو في اللُّغَةِ مَن فُقِدَ أبُوهُ، ولَوْ كانَ كَبِيرًا، أوْ كانَ صَغِيرًا وكَبِرَ، ولا أحْسَبُ هَذا الإطْلاقَ صَحِيحًا. وقَدْ أُرِيدَ بِاليَتامى هُنا ما يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ وغَلَبَ في ضَمِيرِ التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ ”أمْوالَهم“ .

وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِدَفْعِ المالِ لِلْيَتِيمِ، ولا يَجُوزُ في حُكْمِ الشَّرْعِ أنْ يَدْفَعَ المالَ لَهُ ما دامَ مُطْلَقًا عَلَيْهِ اسْمُ اليَتِيمِ، إذِ اليَتِيمُ خاصٌّ بِمَن لَمْ يَبْلُغْ، وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ صالِحٍ لِلتَّصَرُّفِ في مالِهِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الآيَةِ إمّا بِتَأْوِيلِ لَفْظِ الإيتاءِ أوْ بِتَأْوِيلِ اليَتِيمِ، فَلَنا أنْ نُؤَوِّلَ ”آتُوا“ بِغَيْرِ مَعْنى ادْفَعُوا. وذَلِكَ بِما نُقِلَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ مَعَ وُجُودِ الكِبارِ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَكُونُ ”آتُوا“

صفحة ٢٢٠

بِمَعْنى عَيِّنُوا لَهم حُقُوقَهم، ولِيَكُونَ هَذا الأمْرُ وما يُذْكَرُ بَعْدَهُ تَأْسِيساتِ أحْكامٍ، لا تَأْكِيدَ بَعْضِها لِبَعْضٍ، أوْ تَقْيِيدَ بَعْضِها لِبَعْضٍ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ يُرادُ بِإيتائِهِمْ أمْوالَهم أنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ ووُلاةُ السُّوءِ وقُضاتِهِ ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِفَةَ حَتّى تَأْتِيَ اليَتامى إذا بَلَغُوا سالِمَةً فَهو تَأْوِيلٌ لِلْإيتاءِ بِلازِمَةٍ وهو الحِفْظُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإيتاءُ كِنايَةً بِإطْلاقِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ، أوْ مَجازٌ بِالمَآلِ إذِ الحِفْظُ يُؤَوَّلُ إلى الإيتاءِ، عَلَيْهِ فَيَكُونُ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ . وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ هُنا الأمْرُ بِحِفْظِ حُقُوقِ اليَتامى مِنَ الإضاعَةِ لا تَسْلِيمُ المالِ إلَيْهِمْ وهو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ إذْ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ. ولَنا أنْ نُؤَوِّلَ اليَتامى بِالَّذِينَ جاوَزُوا حَدَّ اليُتْمِ ويَبْقى الإيتاءُ بِمَعْنى الدَّفْعِ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِاليَتامى لِلْإشارَةِ إلى وُجُوبِ دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ في فَوْرِ خُرُوجِهِمْ مِن حَدِّ اليَتِيمِ، أوْ يَبْقى عَلى حالِهِ ويَكُونُ هَذا الإطْلاقُ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ الآتِي ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمُ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: اليَتِيمُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى الِانْفِرادِ أيِ انْفِرادِهِ عَنْ أبِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ جُمُودٌ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ الِانْفِرادَ حَقِيقِيٌّ وإنَّما وُضِعَ اللَّفْظُ لِلِانْفِرادِ المَجازِيِّ، وهو انْعِدامُ الأبِ المُنَزَّلِ مَنزِلَةَ بَقاءِ الوَلَدِ مُنْفَرِدًا وما هو بِمُنْفَرِدٍ فَإنَّ لَهُ أُمًّا وقَوْمًا.

قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ كانَ لَهُ ابْنُ أخٍ في حِجْرِهِ، فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ مالَهُ، فَمَنَعَهُ عَمُّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَرَدَّ المالَ لِابْنِ أخِيهِ، وعَلى هَذا فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهُمْ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أيْ لا تَأْخُذُوا الخَبِيثَ وتُعْطُوا الطَّيِّبَ. والقَوْلُ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ تَبَدَّلَ ونَظائِرِهِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وعَلى ما تَقَرَّرَ هُناكَ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الخَبِيثُ هو المَأْخُوذَ، والطَّيِّبُ هو المَتْرُوكَ.

والخَبِيثُ والطَّيِّبُ أُرِيدَ بِهِما الوَصْفُ المَعْنَوِيُّ دُونَ الحِسِّيِّ، وهُما اسْتِعارَتانِ؛ فالخَبِيثُ المَذْمُومُ أوِ الحَرامُ، والطَّيِّبُ عَكْسُهُ وهو الحَلالُ: وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] في البَقَرَةِ. فالمَعْنى: ولا تَكْسِبُوا المالَ الحَرامَ

صفحة ٢٢١

وتَتْرُكُوا الحَلالَ أيْ لَوِ اهْتَمَمْتُمْ بِإنْتاجِ أمْوالِكم وتَوْفِيرِها بِالعَمَلِ والتَّجْرِ لَكانَ لَكم مِن خِلالِها ما فِيهِ غُنْيَةٌ عَنِ الحَرامِ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ هُنا هو ضِدُّ المَأْمُورِ بِهِ مِن قَبْلُ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، ولَكِنَّ النَّهْيَ بَيَّنَ ما فِيهِ مِنَ الشَّناعَةِ إذا لَمْ يُمْتَثَلِ الأمْرُ، وهَذا الوَجْهُ يُنْبِئُ عَنْ جَعْلِ التَّبْدِيلِ مَجازًا، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى وهَذا الِاسْتِعْمالِ. وعَنِ السُّدِّيِّ ما يَقْتَضِي خِلافَ هَذا المَعْنى وهو غَيْرُ مَرْضِيٍّ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ نَهْيٌ ثالِثٌ عَنْ أخْذِ أمْوالِ اليَتامى وضَمِّها إلى أمْوالِ أوْلِيائِهِمْ، فَيَنْتَسِقُ في الآيَةِ أمْرٌ ونَهْيانِ: أُمِرُوا أنْ لا يَمْنَعُوا اليَتامى مِن مَوارِيثِهِمْ ثُمَّ نُهُوا عَنِ اكْتِسابِ الحَرامِ، ثُمَّ نُهُوا عَنِ الِاسْتِيلاءِ عَلى أمْوالِهِمْ أوْ بَعْضِها، والنَّهْيُ والأمْرُ الأخِيرُ تَأْكِيدانِ لِلْأمْرِ الأوَّلِ.

والأكْلُ اسْتِعارَةٌ لِلِانْتِفاعِ المانِعِ مِنَ انْتِفاعِ الغَيْرِ وهو المِلْكُ التّامُّ، لِأنَّ الأكْلَ هو أقْوى أحْوالِ الِاخْتِصاصِ بِالشَّيْءِ لِأنَّهُ يُحْرِزُهُ في داخِلِ جَسَدِهِ، ولا مَطْمَعَ في إرْجاعِهِ، وضَمَّنَ (تَأْكُلُوا) مَعْنى تَضُمُّوا فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِ ”إلى“ أيْ: لا تَأْكُلُوها بِأنْ تَضُمُّوها إلى أمْوالِكم.

ولَيْسَ قَيْدُ ”إلى أمْوالِكم“ مَحَطَّ النَّهْيِ، بَلِ النَّهْيُ واقِعٌ عَنْ أكْلِ أمْوالِهِمْ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لِلْآكِلِ مالٌ يَضُمُّ إلَيْهِ مالَ يَتِيمِهِ أمْ لَمْ يَكُنْ، ولَكِنْ لَمّا كانَ الغالِبُ وُجُودَ أمْوالٍ لِلْأوْصِياءِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ مِن أكْلِ أمْوالِ اليَتامى التَّكَثُّرَ، ذَكَرَ هَذا القَيْدَ رَعْيًا لِلْغالِبِ، ولِأنَّهُ أُدْخِلَ في النَّهْيِ لِما فِيهِ مِنَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَأْكُلُونَ حُقُوقَ النّاسِ مَعَ أنَّهم أغْنِياءُ؛ عَلى أنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ مِنَ التَّقْيِيدِ بَلْ هو قائِمٌ مَقامَ نَهْيَيْنِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ: أنَّ المُسْلِمِينَ تَجَنَّبُوا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ مُخالَطَةَ أمْوالِ اليَتامى فَنَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَقَدْ فَهِمُوا أنَّ ضَمَّ مالِ اليَتِيمِ إلى مالِ الوَصِيِّ حَرامٌ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَشْمُولًا لِلنَّهْيِ عَنِ الأكْلِ ولَكِنْ لِلنَّهْيِ عَنِ الضَّمِّ. وهُما في فَهْمِ العَرَبِ نَهْيانِ، ولَيْسَ هو نَهْيًا عَنْ أكْلِ الأغْنِياءِ أمْوالَ اليَتامى حَتّى يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الفُقَراءِ ثابِتًا بِالقِياسِ لا بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ إذْ لَيْسَ الأدْوَنُ بِصالِحٍ لِأنْ يَكُونَ مَفْهُومَ مُوافَقَةٍ.

والحُوبُ بِضَمِّ الحاءِ لُغَةُ الحِجازِ، وبِفَتْحِها لُغَةُ تَمِيمٍ، وقِيلَ: هي حَبَشِيَّةٌ، ومَعْناهُ، الإثْمُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ: لِمَوْقِعِ إنَّ مِنها، أيْ نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْ أكْلِ أمْوالِهِمْ لِأنَّهُ

صفحة ٢٢٢

إثْمٌ عَظِيمٌ. ولِكَوْنِ إنَّ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لِتَقْيِيدِ التَّعْلِيلِ أكَّدَ الخَبَرَ بَكانَ الزّائِدَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском