Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الكافرون
Al-Kafirun
The Disbelievers · Meccan · 6 ayahs
109:1–3Page 603
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ١
Say, "O disbelievers,
لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ٢
I do not worship what you worship.
وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٣
Nor are you worshippers of what I worship.
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ .
افْتِتاحُها بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ كَلامٌ يُرادُ إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِوَجْهٍ خاصٍّ مَنصُوصٍ فِيهِ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، وإلّا فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في القُرْآنِ مُفْتَتَحَةٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ في غَيْرِ جَوابٍ عَنْ
صفحة ٥٨١
سُؤالٍ مِنها ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] في سُورَةِ الجُمُعَةِ. والسُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ، وسُورَةُ الكافِرُونَ، وسُورَةُ الإخْلاصِ، والمُعَوِّذَتانِ، فالثَّلاثُ الأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، والمُعَوِّذَتانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ.
والنِّداءُ مُوَجَّهٌ لِلْأرْبَعَةِ الَّذِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ، كَما في خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ كَما سَيَأْتِي.
وابْتُدِئَ خِطابُهم بِالنِّداءِ لِإبْلاغِهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَدْعِي إقْبالَ أذْهانِهِمْ عَلى ما سَيُلْقى عَلَيْهِمْ.
ونُودُوا بِوَصْفِ الكافِرِينَ تَحْقِيرًا لَهم وتَأْيِيدًا لِوَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنهم، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَخْشاهم إذا ناداهم بِما يَكْرَهُونَ مِمّا يُثِيرُ غَضَبَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم وعَصَمَهُ مِن أذاهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ المَعْنى: قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا يا أيُّها الكافِرُونَ. أنْ يَعْتَمِدَهم في نادِيهِمْ فَيَقُولُ لَهم: يا أيُّها الكافِرُونَ. وهم يَغْضَبُونَ مِن أنْ يُنْسَبُوا إلى الكُفْرِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ بِما حَصَلَ مِنها.
والمَعْنى: لا تَحْصُلُ مِنِّي عِبادَتِي ما تَعْبُدُونَ في أزْمِنَةٍ في المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُضارِعَ يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ أفادَتِ انْتِفاءَهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ حَرْفُ (لَنْ) مُفِيدًا تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ زِيادَةً عَلى مُنْطَلَقِ النَّفْيِ، ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ (لَنْ): لا أنْ، فَلَمّا أفادَتْ (لا) وحْدَها نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ كانَ تَقْدِيرُ (أنْ) بَعْدَ (لا) مُفِيدًا تَأْكِيدَ ذَلِكَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ فَعَلِمْنا أنْ (لا) كانَتْ مُفِيدَةً نَفْيَ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ. وخالَفَهُمُ ابْنُ مالِكٍ كَما في مُغَنِّي اللَّبِيبِ، وأبُو حَيّانَ كَما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والسُّهَيْلَيُّ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّوْضِ الأُنُفِ.
صفحة ٥٨٢
ونَفْيُ عِبادَتِهِ آلِهَتَهَمْ في المُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَعْبُدَها في الحالِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ولِأنَّهم ما عَرَضُوا عَلَيْهِ إلّا أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
ولِذَلِكَ جاءَ في جانِبِ نَفْيِ عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُغَيِّرِينَ إشْراكَكُمُ الآنَ لِأنَّهم عَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئُوا هم فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبِيءُ ﷺ سَنَةً، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ المُخالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الجُمْلَتَيْنِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ.
وهَذا إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ فاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الآنِ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ هَذا مِن دَلائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ الأرْبَعَةَ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم أحَدٌ فَماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.
وماصَدَقَ ما أعْبُدُ هو اللَّهُ تَعالى وعَبَّرَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ مِنَ المُخْتارِ، وإنَّما تَخْتَصُّ (مَن) بِالعاقِلِ، فَلا مانِعَ مِن إطْلاقِ (ما) عَلى العاقِلِ إذا كانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: أنَّ (ما) المَوْصُولَةَ يُؤْتى بِها لِقَصْدِ الإبْهامِ لِتُفِيدَ المُبالَغَةَ في التَّفْخِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ: سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ.
﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾
عُطِفَ عَلى ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ عَطْفَ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لِمُناسَبَةِ نَفْيِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، فَأرْدَفَ بِنَفْيِ أنْ يَعْبُدَ هو آلِهَتَهم، وعَطْفُهُ بِالواوِ صارِفٌ عَنْ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ تَأْكِيدَ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، ويَكُونُ الخَبَرُ اسْمَ فاعِلٍ دالًّا عَلى زَمانِ الحالِ، فَلَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَعْبُدَ في المُسْتَقْبَلِ ما يَعْبُدُونَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، صَرَّحَ هُنا بِما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الفَحْوى عَلى نَفْيِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم في الحالِ، بِما هو صَرِيحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي مَزِيدَ البَيانِ، فاقْتَضى الِاعْتِمادَ عَلى دَلالَةِ المَنطُوقِ إطْنابًا في الكَلامِ، لِتَأْيِيسِهِمْ مِمّا راوَدُوهُ عَلَيْهِ ولِمُقابَلَةِ كَلامِهِمُ المَرْدُودِ بِمِثْلِهِ في إفادَةِ الثَّباتِ. وحَصَلَ مِن ذَلِكَ تَقْرِيرُ
صفحة ٥٨٣
المَعْنى السّابِقِ وتَأْكِيدُهُ، تَبَعًا لِمَدْلُولِ الجُمْلَةِ لا لِمَوْقِعِها؛ لِأنَّ مَوْقِعَها أنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ولَيْسَ تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] بِمُرادِفِها؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ لِلَّفْظِ بِالمُرادِفِ لا يُعْرَفُ إلّا في المُفْرَداتِ ولِأنَّ وُجُودَ الواوِ يُعَيِّنُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ، إذْ لَيْسَ في جُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] واوٌ حَتّى يَكُونَ الواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدًا لَها.
ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالواوِ؛ لِأنَّ الواوَ لا يُفْصَلُ بِها بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. والأجْوَدُ الفَصْلُ بِـ (ثُمَّ) كَما في التَّسْهِيلِ مُقْتَصِرًا عَلى (ثُمَّ) . وزادَ الرَّضِيُّ الفاءَ ولَمْ يَأْتِ لَهُ بِشاهِدٍ ولَكِنَّهُ قالَ وقَدْ تَكُونُ (ثُمَّ) والفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّدَرُّجِ في الِارْتِقاءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْطُوفُ مُتَرَتِّبًا في الذَّكَرِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ إذا تَكَرَّرَ الأوَّلُ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: بِاللَّهِ، فاللَّهِ، ونَحْوَ واللَّهِ، ثُمَّ واللَّهِ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى رُسُوخِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ مِن أزْمانٍ مَضَتْ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى تَنَزُّهِهِ ﷺ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ مِن سالِفِ الزَّمانِ وإلّا لَقالَ: ولا أنا عابِدٌ ما كُنّا نَعْبُدُ.
109:5Page 603
وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥
Nor will you be worshippers of what I worship.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] لِبَيانِ تَمامِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِهِ وإخْبارٌ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ إخْبارًا ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وتَقْوِيَةً لِدَلالَةِ هَذَيْنِ الإخْبارُ عَنْ نُبُوءَتِهِ ﷺ فَقَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، فَماتَ أُولَئِكَ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوءَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِمِثْلِ نَظِيرَتِها السّابِقَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ تَوْكِيدًا لِلْمَعْنى الأصْلِيِّ مِنها، ولَيْسَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ التَّوْكِيدِ لِوُجُودِ واوِ العَطْفِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] .
ولِذَلِكَ فالواوُ في قَوْلِهِ هُنا ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لِأجْلِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] مِنَ المُناسَبَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِها
صفحة ٥٨٤
السّابِقَةِ بِتَمامِها بِما فِيها مِن واوِ العَطْفِ في نَظِيرَتِها السّابِقَةِ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ تَكْذِيبِهِمْ في عَرْضِهِمْ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ .
﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾
تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ بِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيداتِ، وقَدْ أُرْسِلَ هَذا الكَلامُ إرْسالَ المَثَلِ، وهو أجْمَعُ وأوْجَزُ مِن قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ هُنا (جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِأنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ، بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ ثُمَّ يُعْمَلُ بِمُوجَبِهِ) اهـ.
وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ؛ لِأنَّ التَّمَثُّلَ بِهِ لا يُنافِي العَمَلَ بِمُوجَبِهِ، وما التَّمَثُّلُ بِهِ إلّا مِن تَمامِ بَلاغَتِهِ واسْتِعْدادٍ لِلْعَمَلِ بِهِ. وهَذا المِقْدارُ مِنَ التَّفْسِيرِ تَرَكَهُ الفَخْرُ في المُسَوَّدَةِ.
وقُدِّمَ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ المُسْنَدُ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ لِيُفِيدَ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيْ: دِينُكم مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لَكم لا يَتَجاوَزُكم إلى الكَوْنِ لِي، ودِينِي مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لا يَتَجاوَزُنِي إلى كَوْنِهِ لَكم، أيْ: لِأنَّهم مُحَقَّقٌ عَدَمُ إسْلامِهِمْ. فالقَصْرُ قَصْرُ إفْرادٍ، واللّامُ في المَوْضِعَيْنِ لِشِبْهِ المِلْكِ وهو الِاخْتِصاصُ أوِ الِاسْتِحْقاقُ.
والدِّينُ: العَقِيدَةُ والمِلَّةُ، وهو مَعْلُوماتٌ وعَقائِدُ يَعْتَقِدُها المَرْءُ فَتَجْرِي أعْمالُهُ عَلى مُقْتَضاها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ دِينًا؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ المُعامَلَةُ والجَزاءُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (دِينِ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ النُّونِ عَلى أنَّ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَحْذُوفَةٌ لِلتَّخْفِيفِ مَعَ بَقاءِ الكَسْرَةِ عَلى النُّونِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَدْ كُتِبَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ اعْتِمادًا عَلى حِفْظِ الحُفّاظِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُثْبِتُ الياءَ مِثْلَ يَعْقُوبَ يُشْبِعُ الكَسْرَةَ، إذْ لَيْسَتِ الياءُ إلّا مَدَّةً لِلْكَسْرَةِ فَعَدَمُ رَسْمِها في الخَطِّ لا يَقْتَضِي إسْقاطَها في اللَّفْظِ.
صفحة ٥٨٥
وقَرَأ نافِعٌ والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهِشامٌ عَنْ أبِي عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الياءِ في قَوْلِهِ (ولِيَ) . وقَرَأهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الياءِ.
* * *
صفحة ٥٨٦
صفحة ٥٨٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّصْرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ السَّلَفِ (سُورَةَ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ) . رَوى البُخارِيُّ (أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ) الحَدِيثَ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ النَّصْرِ) لِذِكْرِ نَصْرِ اللَّهِ فِيها، فَسُمِّيَتْ بِالنَّصْرِ المَعْهُودِ عَهْدًا ذِكْرِيًّا.
وهِيَ مُعَنْوَنَةٌ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الفَتْحِ) لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ فِيها فَيَكُونُ هَذا الِاسْمُ مُشْتَرَكًا بَيْنَها وبَيْنَ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ في الإتْقانِ؛ لِما فِيها مِنَ الإيماءِ إلى وداعِهِ ﷺ اهـ. يَعْنِي: مِنَ الإشارَةِ إلى اقْتِرابِ لِحاقِهِ بِالرَّفِيقِ الأعْلى كَما سَيَأْتِي عَنْ عائِشَةَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ نُزُولِها فَقِيلَ نَزَلَتْ مُنْصَرَفَ النَّبِيءِ ﷺ مِن خَيْبَرَ أيْ: في سَنَةِ سَبْعٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ نَزَلَتْ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أكْبَرُ جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ نَصْرُ أهْلِ اليَمَنِ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أهْلُ اليَمَنِ ؟ قالَ: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم، لَيِّنَةٌ طِباعُهم، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ» اهـ، ومَجِيءُ أهْلِ اليَمَنِ أوَّلَ مَرَّةٍ هو مَجِيءُ وفْدِ الأشْعَرِيِّينَ عامَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ في الآيَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وعَلَيْهِ فالفَتْحُ
صفحة ٥٨٨
مُسْتَقْبَلُ ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا مُسْتَقْبَلٌ أيْضًا وهو الألْيَقُ بِاسْتِعْمالِ (إذا) ويُحْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ (﴿جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) عَلى أنَّهُ اسْتِعْمالُ الماضِي في مَعْنى المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أوْ لِأنَّ النَّصْرَ في خَيْبَرَ كانَ بادِرَةً لِفَتْحِ مَكَّةَ.
وعَنْ قَتادَةَ: نَزَلَتْ قَبْلَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ.
وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ مِن حُنَيْنٍ)، فَيَكُونُ الفَتْحُ قَدْ مَضى ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا مُسْتَقْبَلًا، وهو في سَنَةِ الوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وعَلَيْهِ تَكُونُ (إذا) مُسْتَعْمَلَةً في مُجَرَّدِ التَّوْقِيتِ دُونَ تَعْيِينٍ.
ورَوى البَزّازُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أُنْزِلَتْ أواسِطَ أيّامِ التَّشْرِيقِ (أيْ: عامَ حِجَّةِ الوَداعِ) . وضَعَّفَهُ ابْنُ رَجَبٍ بِأنَّ فِيهِ مُوسى بْنَ عُبَيْدَةَ وهو ضَعِيفٌ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ كانَ الفَتْحُ ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا قَدْ مَضَيا.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِها نَحْوَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وعَلَيْهِ تَكُونُ (إذا) مُسْتَعْمَلَةً لِلزَّمَنِ الماضِي؛ لِأنَّ الفَتْحَ ودُخُولَ النّاسِ في الدِّينِ قَدْ وقَعا.
وقَدْ تَظافَرَتِ الأخْبارُ رِوايَةً وتَأْوِيلًا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَشْتَمِلُ عَلى إيماءٍ إلى اقْتِرابِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُرَجِّحُ أحَدَ الأقْوالِ في وقْتِ نُزُولِها، إذْ لا خِلافَ في أنَّ هَذا الإيماءَ يُشِيرُ إلى تَوْقِيتِ مَجِيءِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ حانَ الأجَلُ الشَّرِيفُ.
وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «هُوَ أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ لَهُ قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وذَلِكَ عَلامَةُ أجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر»: ٣] .
وفِي هَذا ما يُؤَوِّلُ ما في بَعْضِ الأخْبارِ مِن إشارَةٍ إلى اقْتِرابِ ذَلِكَ الأجَلِ مِثْلَما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ والدّارِمِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ: «(لَمّا نَزَلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ وقالَ: إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي فَبَكَتْ» ) إلَخْ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ”لَمّا نَزَلَتْ“ مُدْرَجٌ مِنَ الرّاوِي، وإنَّما هو
صفحة ٥٨٩
إعْلامٌ لَها في مَرَضِهِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الوَفاةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَهَذا جَمْعٌ بَيْنَ ما يَلُوحُ مِنهُ تَعارُضٌ في هَذا الشَّأْنِ.
وعَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ السُّورَةَ المِائَةَ والثَّلاثَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ وقالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحَشْرِ وقَبْلَ سُورَةِ النُّورِ. وهَذا جارٍ عَلى رِوايَةِ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ فَتَكُونُ عَلى قَوْلِهِ السُّورَةَ المِائَةَ وأرْبَعَ عَشْرَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ بَراءَةَ ولَمْ تُنَزَّلْ بَعْدَها سُورَةٌ أُخْرى.
وعَدَدُ آياتِها ثَلاثٌ وهي مُساوِيَةٌ لِسُورَةِ الكَوْثَرِ في عَدَدِ الآياتِ إلّا أنَّها أطْوَلُ مِن سُورَةِ الكَوْثَرِ عِدَّةَ كَلِماتٍ، وأقْصَرُ مِن سُورَةِ العَصْرِ. وهاتِهِ الثَّلاثُ مُتَساوِيَةٌ في عَدَدِ الآياتِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبْعِيِّ في حَدِيثِ طَعْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَلّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ صَلاةً خَفِيفَةً بِأقْصَرِ سُورَتَيْنِ في القُرْآنِ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) و(﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) .
* * *
والغَرَضُ مِنها الوَعْدُ بِنَصْرٍ كامِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، والبِشارَةُ بِدُخُولِ خَلائِقَ كَثِيرَةٍ في الإسْلامِ بِفَتْحٍ وبِدُونِهِ إنْ كانَ نُزُولُها عِنْدَ مُنْصَرَفِ النَّبِيءِ ﷺ مِن خَيْبَرَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
والإيماءُ إلى أنَّهُ حِينَ يَقَعُ ذَلِكَ فَقَدِ اقْتَرَبَ انْتِقالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الآخِرَةِ.
ووَعْدُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ مَغْفِرَةً تامَّةً لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ بَعْدَها في شَيْءٍ مِمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِهِ الخَوْفَ أنْ يَكُونَ مِنهُ تَقْصِيرٌ يَقْتَضِيهِ تَحْدِيدُ القُوَّةِ الإنْسانِيَّةِ الحَدَّ الَّذِي لا يَفِي بِما تَطْلُبُهُ هِمَّتُهُ المَلَكِيَّةُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ ساوى الحَدَّ المَلَكِيَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences