Ibn 'AshurAl‑Jinn · 72:1–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الجن

Al-Jinn

The Jinn · Meccan · 28 ayahs

72:1–2Page 572

قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed to me that a group of the jinn listened and said, 'Indeed, we have heard an amazing Qur’ān [i.e., recitation].

يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢

It guides to the right course, and we have believed in it. And we will never associate with our Lord anyone.

﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾

صفحة ٢١٨

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ يُشِيرُ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ حَدَثٌ غَرِيبٌ وخاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِهِ كَما يَقْتَضِيِهِ قَوْلُهُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجن: ٧] حَسْبَما يَأْتِي.

أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُعْلِمَ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ وُقُوعَ حَدَثٍ عَظِيمٍ في دَعْوَتِهِ، أقامَهُ اللَّهُ تَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ وتَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ وهو أنْ سَخَّرَ بَعْضًا مِنَ النَّوْعِ المُسَمّى جِنًّا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ وألْهَمَهم أوْ عَلَّمَهم فَهْمَ ما سَمِعُوهُ، واهْتِداءَهم إلى مِقْدارِ إرْشادِهِ إلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ وتَنْزِيِهِ اللَّهِ والإيمانِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَكانَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ في أُصُولِها بالِغَةً إلى عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ المُغَيَّبَةِ لا عَلاقَةَ لِمَوْجُوداتِهِ بِالتَّكالِيفِ ولا بِالعَقائِدِ بَلْ هو عالَمٌ مَجْبُولٌ أهْلُهُ عَلى ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَعْدُو أحَدُهم في مُدَّةِ الدُّنْيا جِبِلَّتَهُ فَيَكُونُ عَلى مِعْيارِها مَصِيرُهُ الأبَدِيُّ في الحَياةِ الآخِرَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ بِشَرائِعَ.

وقَدْ كَشَفَ اللَّهُ لِهَذا الفَرِيقِ مِنهم حَقائِقَ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ وهَدْيِهِ فَفَهِمُوهُ.

هَذا العالَمُ هو عالَمُ الجِنِّ وهو بِحَسَبِ ما يُسْتَخْلَصُ مِن ظَواهِرِ القُرْآنِ ومِن صِحاحِ الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ وحَسَنِها نَوْعٌ مِنَ المُجَرَّداتِ أعْنِي المَوْجُوداتِ اللَّطِيفَةَ غَيْرَ الكَثِيفَةِ، الخَفِيَّةَ عَنْ حاسَّةِ البَصَرِ والسَّمْعِ، مُنْتَشِرَةٌ في أمْكِنَةٍ مَجْهُولَةٍ لَيْسَتْ عَلى سَطْحِ الأرْضِ ولا في السَّماواتِ بَلْ هي في أجْواءٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ وهي مِن مَقُولَةِ الجَوْهَرِ مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّداتِ أيْ: لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيّاتٍ بَلْ هي مَوْجُوداتٌ رُوحانِيَّةٌ مَخْلُوقَةٌ مِن عُنْصُرٍ نارِيٍّ ولَها حَياةٌ وإرادَةٌ وإدْراكٌ خاصٌّ بِها لا يُدْرى مَداهُ. وهَذِهِ المُجَرَّداتُ النّارِيَّةُ جِنْسٌ مِن أجْناسِ الجَواهِرِ تَحْتَوِي عَلى الجِنِّ وعَلى الشَّياطِينِ فَهُما نَوْعانِ لِجِنْسِ المُجَرَّداتِ النّارِيَّةِ لَها إدْراكاتٌ خاصَّةٌ وتَصَرُّفاتٌ مَحْدُودَةٌ وهي مُغَيَّبَةٌ عَنِ الأنْظارِ مُلْحَقَةٌ بِعالَمِ الغَيْبِ لا تَراها الأبْصارُ ولا تُدْرِكُها أسْماعُ النّاسِ إلّا إذا أوْصَلَ اللَّهُ الشُّعُورَ بِحَرَكاتِها وإراداتِها إلى البَشَرِ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ خَرْقًا لِلْعادَةِ لِأمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ وأرادَهُ.

وبِتَعاضُدِ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتَناصُرِها وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها لا يَعْدُو أنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلالَةِ وهي ظَواهِرُ القُرْآنِ، أوْ ظَنِّيُّ المَتْنِ والدَّلالَةِ وهي الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، حَصَلَ ما يَقْتَضِي الِاعْتِقادَ بِوُجُودِ مَوْجُوداتٍ خَفِيَّةٍ تُسَمّى الجِنَّ فَتُفَسَّرُ بِذَلِكَ مَعانِي آياتٍ مِنَ القُرْآنِ وأخْبارٍ مِنَ السُّنَّةِ.

صفحة ٢١٩

ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَدْخُلُ في أُصُولِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ ولِذَلِكَ لَمْ نُكَفِّرْ مُنْكِرِي وُجُودِ مَوْجُوداتٍ مُعَيَّنَةٍ مِن هَذا النَّوْعِ إذْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بِخِلافِ حالِ مَن يَقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الجِنِّ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِآياتِ ذِكْرِهِ.

وأمّا ما يُرْوى في الكُتُبِ مِن أخْبارٍ جُزْئِيَّةٍ في ظُهُورِهِمْ لِلنّاسِ وإتْيانِهِمْ بِأعْمالٍ عَجِيبَةٍ فَذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ الخَيالِيَّةِ.

وإنّا لَمْ نَلْقَ أحَدًا مِن أثْباتِ العُلَماءِ الَّذِينَ لَقِيناهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَأى أشْكالَهم أوْ آثارَهم وما نَجِدُ تِلْكَ القِصَصَ إلّا عَلى ألْسِنَةِ الَّذِينَ يُسْرِعُونَ إلى التَّصْدِيقِ بِالأخْبارِ أوْ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّخَيُّلاتُ.

وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ ولَكِنَّهُ مِمّا يُضْرَبُ لَهُ مَثْلُ قَوْلِ المَعَرِّيِّ:

ومِثْلُكِ مَن تَخَيَّلَ ثُمَّ خالا

فَظُهُورُ الجِنِّ لِلنَّبِيءِ ﷺ تاراتٍ كَما في حَدِيثِ الجِنِّيِّ الَّذِي تَفَلَّتَ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ هو مِن مُعْجِزاتِهِ مِثْلَ رُؤْيَتِهِ المَلائِكَةَ ورُؤْيَتِهِ الجَنَّةَ والنّارَ في حائِطِ القِبْلَةِ وظُهُورِ الشَّيْطانِ لِأبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ زَكاةِ الفِطْرِ.

وقَدْ مَضى ذِكْرُ الجِنِّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والَّذِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِخَبَرِ الجِنِّ: هم جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يُبَلِّغُهُمُ القُرْآنَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهم هَذا الخَبَرَ لِما لَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى شَرَفِ هَذا الدِّينِ وشَرَفِ كِتابِهِ وشَرَفِ مَن جاءَ بِهِ، وفِيهِ إدْخالُ مَسَرَّةٍ عَلى المُسْلِمِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانَ الجِنُّ قَدْ أدْرَكُوا شَرَفَ القُرْآنِ وفَهِمُوا مَقاصِدَهُ وهم لا يَعْرِفُونَ لُغَتَهُ ولا يُدْرِكُونَ بَلاغَتَهُ فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ، والَّذِينَ جاءَ بِلِسانِهِمْ وأدْرَكُوا خَصائِصَ بَلاغَتِهِ أنْكَرُوهُ وأعْرَضُوا عَنْهُ.

وفِي الإخْبارِ عَنْ اسْتِماعِ الجِنِّ لِلْقُرْآنِ بِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما عَلِمَ بِذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ إيّاهُ بِوُقُوعِ هَذا الِاسْتِماعِ، فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِ الجِنِّ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وأمّا آيَةُ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]

صفحة ٢٢٠

الآياتِ، فَتَذْكِيرٌ بِما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ هي إشارَةٌ إلى قِصَّةٍ أُخْرى رَواها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وهي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في أحادِيثِ القِراءَةِ في الصَّلَواتِ ولا عَلاقَةَ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ في مَوْضِعِ نائِبِ فاعِلِ (أُوحِيَ) أيْ: أُوحِيَ إلَيَّ اسْتِماعُ نَفَرٍ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ المُوحى بِحَرْفِ (أنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِغَرابَتِهِ.

وضَمِيرُ (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفي ذَلِكَ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِالخَبَرِ المُوحى بِهِ.

ومَفْعُولُ اسْتَمَعَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾، أيْ: اسْتَمَعَ القُرْآنَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ.

والنَّفَرُ: الجَماعَةُ مِن واحِدٍ إلى عَشَرَةٍ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ لِجَماعَةٍ مِنَ البَشَرِ فَأُطْلِقَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الجِنِّ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ إذْ لَيْسَ في اللُّغَةِ لَفْظٌ آخَرُ كَما أُطْلِقَ رِجالٌ في قَوْلِهِ ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] عَلى شُخُوصِ الجِنِّ. وقَوْلُهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ قالُوهُ لِبَعْضٍ مِنهم لَمْ يَحْضُرْ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ أنْ يُنْذِرُوهم ويُرْشِدُوهم إلى الصَّلاحِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآياتِ.

ومَعْنى القَوْلِ هُنا: إبْلاغُ مُرادِهِمْ إلى مَن يُرِيدُونَ أنْ يُبَلِّغُوهُ إلَيْهِمْ مِن نَوْعِهِمْ بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَتَفاهَمُونَ بِها، إذْ لَيْسَ لِلْجِنِّ ألْفاظٌ تَجْرِي عَلى الألْسُنِ، فِيما يَظْهَرُ فالقَوْلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّعْبِيرِ عَمّا في النَّفْسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لِهَذا الدِّينِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ دُعاةً مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا نَفْسِيًّا، أيْ: خَواطِرَ جالَتْ في مُدْرَكاتِهِمْ جَوَلانَ القَوْلِ الَّذِي يَنْبَعِثُ عَنْ إرادَةِ صاحِبِ الإدْراكِ بِهِ إبْلاغَ مُدْرَكاتِهِ لِغَيْرِهِ، فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَوْلِ كَما في بَيْتِ النّابِغَةِ يَتَحَدَّثُ عَنْ كَلْبِ صَيْدٍ:

قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا ∗∗∗ وإنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَمْ يَصِدِ

صفحة ٢٢١

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (أنَّ)؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِهِ فَرِيقًا مِنهم يَشُكُّونَ في وُقُوعِهِ فَأتَوْا في كَلامِهِمْ بِما يُفِيدُ تَحْقِيقَ ما قالُوهُ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ بِحَرْفِ (إنَّ) .

ووَصْفُ القُرْآنِ بِالعَجَبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، أيْ: يَعْجَبُ مِنهُ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ بَدِيعٌ فائِقٌ في مُفادِهِ.

وقَدْ حَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِمَزايا القُرْآنِ بِانْكِشافٍ وهَبَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ. قالَ المازِرِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لا بُدَّ لِمَن آمَنَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الإعْجازِ وشُرُوطَ المُعْجِزَةِ. وبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ الجِنُّ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ أوْ عَلِمُوا مِن كُتُبِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ ما دَلَّهم عَلى أنَّهُ هو النَّبِيءُ الأُمِّيُّ الصّادِقُ المُبَشَّرُ بِهِ. اهـ. وأنا أقُولُ حَصَلَ لِلْجِنِّ عِلْمٌ جَدِيدٌ بِذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِأدِلَّةٍ كانُوا لا يَشْعُرُونَ بِها إذْ لَمْ يَكُونُوا مُطالَبِينَ بِمَعْرِفَتِها، وأنَّ فَهْمَهم لِلْقُرْآنِ مِن قَبِيلِ الإلْهامِ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْقُرْآنِ.

والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَقْتَضِي الإيمانَ بِمَن جاءَ بِهِ وبِمَن أنْزَلَهُ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ .

وقَدْ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ النَّفَرِ مِنَ الجِنِّ شَرَفُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وصِدْقِ القُرْآنِ وما احْتَوى عَلَيْهِ ما سَمِعُوهُ مِنهُ فَصارُوا مِن خِيرَةِ المَخْلُوقاتِ، وأُكْرِمُوا بِالفَوْزِ في الحَياةِ الآخِرَةِ فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ ذَرَأ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.

ومُتَعَلِّقُ (اسْتَمَعَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ .

والرُّشْدُ: بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، أوْ يُقالُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ هو الخَيْرُ والصَّوابُ والهُدى. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَتِهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.

وقَوْلُهم ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾، أيْ: يَنْتَفِي ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ أكَّدُوا نَفْيَ الإشْراكِ بِحَرْفِ التَّأْبِيدِ فَكَما أُكِّدَ خَبَرُهم عَنِ القُرْآنِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِـ (إنَّ) أُكِّدَ خَبَرُهم عَنْ إقْلاعِهِمْ عَنِ الإشْراكِ بِـ (لَنْ) .

72:3Page 572

وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣

And [it teaches] that exalted is the nobleness of our Lord; He has not taken a wife or a son

صفحة ٢٢٢

﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾

هَذا مَحْكِيٌّ عَنْ كَلامِ الجِنِّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّهُ) عَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] إذْ يَجِبُ كَسْرُ هَمْزَةِ (إنَّ) إذا حُكِيَتْ بِالقَوْلِ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] أيْ: وآمَنّا بِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا. وعَدَمُ إعادَةِ الجارِّ مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مُسْتَعْمَلٌ، وجَوَّزَهُ الكُوفِيُّونَ، عَلى أنَّ حَرْفَ الجَرِّ كَثِيرٌ حَذْفُهُ مَعَ (أنَّ) فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في حَذْفِهِ هُنا عَلى التَّأْوِيلِ.

قالَ في الكَشّافِ: (﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١]) بِالفَتْحِ،؛ لِأنَّهُ فاعِلُ (أُوحِيَ) - أيْ: نائِبُ الفاعِلِ - (﴿وإنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١]) بِالكَسْرِ،؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ ثُمَّ تُحْمَلُ عَلَيْهِما البَواقِي فَما كانَ مِنَ الوَحْيِ فُتِحَ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ كُسِرَ، وكُلُّهُنَّ مِن قَوْلِهِمْ إلّا الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] ومَن فَتَحَ كُلَّهُنَّ فَعَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] كَأنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا، وكَذَلِكَ البَواقِي اهـ.

والتَّعالِي: شِدَّةُ العُلُوِّ، جُعِلَ شَدِيدَ العُلُوِّ كالمُتَكَلِّفِ العُلُوِّ لِخُرُوجِ عُلُوِّهُ عَنْ غالِبِ ما تَعارَفَهُ النّاسُ فَأشْبَهَ التَّكَلُّفَ.

والجَدُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ: العَظَمَةُ والجَلالُ، وهَذا تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الصّاحِبَةِ لِلِافْتِقارِ إلَيْها لِأُنْسِها وعَوْنِها والِالتِذاذِ بِصُحْبَتِها، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آثارِ الِاحْتِياجِ، واللَّهُ تَعالى الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وتَعالى جَدُّهُ بِغِناهُ المُطْلَقِ، والوَلَدُ يُرْغَبُ فِيهِ لِلِاسْتِعانَةِ والأُنْسِ بِهِ، مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ انْفِصالِهِ مِن أجْزاءِ والِدَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِافْتِقارِ والِانْتِقاصِ.

وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ شَأْنٍ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً﴾ إلى آخِرِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .

صفحة ٢٢٣

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) سَواءٌ كانَتْ مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ إلى فَرِيقٍ يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ مِنَ الجِنِّ.

والِاقْتِصارُ في بَيانِ تَعالِي جَدِّ اللَّهِ عَلى انْتِفاءِ الصّاحِبَةِ عَنْهُ والوَلَدِ يُنْبِئُ بِأنَّهُ كانَ شائِعًا في عِلْمِ الجِنِّ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، وما اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ إلّا ناشِئٌ عَنْ تَلْقِينِ الشَّيْطانِ وهو مِنَ الجِنِّ، ولِأنَّ ذَلِكَ مِمّا سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإعادَةُ (لا) النّافِيَةِ مَعَ المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ مَنفِيٌّ بِاسْتِقْلالِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ نَفْيِ المَجْمُوعِ.

وضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (رَبِّنا) عائِدٌ إلى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ مَعَ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ، فَعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ فَهو قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنْ نَفْسِهِ ومَن مَعَهُ مِن بَقِيَّةِ النَّفَرِ.

72:4Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤

And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.

﴿وإنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾

قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرَةِ هَمْزَةِ (وإنَّهُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣] فَقَدْ يَكُونُ إيمانُهم بِتَعالِي اللَّهِ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً ووَلَدًا ناشِئًا عَلى ما سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ وقَدْ يَكُونُ ناشِئًا عَلى إدْراكِهِمْ ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ نَظَرِيَّةٍ.

والسَّفِيهُ: هُنا جِنْسٌ، وقِيلَ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، أيْ: كانَ يُلَقِّنُهم صِفاتِ اللَّهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، أيْ: كانُوا يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ شَطَطًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِتَسْفِيهِهِمْ في ذَلِكَ.

والشَّطَطُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ وما يَخْرُجُ عَنِ العَدْلِ والصَّوابِ، وتَقَدَّمُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] في سُورَةِ (ص) . والمُرادُ بِالشَّطَطِ إثْباتُ ما نَفاهُ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] وقَوْلُهُ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣] . وضَمِيرُ (وإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ.

والقَوْلُ فِيهِ وفي التَّأْكِيدِ بِـ (إنَّ)، مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً، كالقَوْلِ في قَوْلِهِ (﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣]) إلَخْ.

72:5Page 572

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥

And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.

صفحة ٢٢٤

﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾

قَرَأ هَمْزَةَ (إنَّ) بِالكَسْرِ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأها بِالفَتْحِ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ.

فَعَلى قِراءَةِ كَسْرِ (إنَّ) هو مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ، ومَعْناهُ الِاعْتِذارُ عَمّا اقْتَضاهُ قَوْلُهم ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] مِن كَوْنِهِمْ كانُوا مُشْرِكِينَ لِجَهْلِهِمْ وأخْذِهِمْ قَوْلَ سُفَهائِهِمْ يَحْسَبُونَهم لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ.

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) لِقَصْدِ تَحْقِيقِ عُذْرِهِمْ فِيما سَلَفَ مِنَ الإشْراكِ، وتَأْكِيدِ المَظْنُونِ بِـ (لَنْ) المُفِيدَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ يُفِيدُ أنَّهم كانُوا مُتَوَغِّلِينَ في حُسْنِ ظَنِّهِمْ بِمَن ضَلَّلُوهم ويَدُلُّ عَلى أنَّ الظَّنَّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ وهو يَقِينٌ مُخْطِئٌ.

وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ هو عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] فالمَعْنى: وآمَنّا فَإنَّما ظَنَنّا ذَلِكَ فَأخْطَأْنا في ظَنِّنا.

وفِي هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى خَطَرِ التَّقْلِيدِ في العَقِيدَةِ، وأنَّها لا يَجُوزُ فِيها الأخْذُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُقَلَّدِ، بِفَتْحِ اللّامِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ النَّظَرُ واتِّهامُ رَأْيِ المُقَلَّدِ حَتّى يَنْهَضَ دَلِيلُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقُولُ) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الواوِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ القافِ، والواوُ مُشَدَّدَةٌ، مِنَ التَّقَوُّلِ وهو نِسْبَةُ كَلامٍ إلى مَن لَمْ يَقُلْهُ وهو في مَعْنى الكَذِبِ، وأصْلُهُ تَتَقَوَّلُ بِتاءَيْنِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ (كَذِبًا) مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلِ (تَقَوَّلَ)؛ لِأنَّهُ مُرادِفُهُ.

72:6Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦

And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].

﴿وإنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ هَمْزَةَ (وإنَّهُ) بِالكَسْرِ. وقَرَأها ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو

صفحة ٢٢٥

جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ، والمَقْصُودُ مِنهُ هو قَوْلُهُ ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ ﴿كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾ إلَخْ، فَهو تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ.

وإطْلاقُ الرِّجالِ عَلى الجِنِّ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمُشاكَلَةِ لِوُقُوعِهِ مَعَ رِجالٍ مِنَ الإنْسِ فَإنَّ الرَّجُلَ اسْمٌ لِلذَّكَرِ البالِغِ مِن بَنِي آدَمَ.

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً راجِعٌ إلى ما تَفَرَّعَ عَلى خَبَرِها مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .

والعَوْذُ: الِالتِجاءُ إلى ما يُنْجِي مِن شَيْءٍ يَضُرُّ، قالَ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، فَإذا حُمِلَ العَوْذَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ كانَ رِجالٌ يَلْتَجِئُونَ إلى الجِنِّ لِيَدْفَعَ الجِنُّ عَنْهم بَعْضَ الأضْرارِ فَوَقَعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِما كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سارَ أحَدُهم في مَكانٍ قَفْرٍ ووَحْشٍ أوْ تَعَزَّبَ في الرَّعْيِ كانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ الجِنَّ تَسْكُنُ القَفْرَ ويَخافُونَ تَعَرُّضَ الجِنِّ والغِيلانِ لَهم وعَبَثَها بِهِمْ في اللَّيْلِ فَكانَ الخائِفُ يَصِيحُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزَ هَذا الوادِي إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَخالُ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ، قالُوا: وأوَّلُ مَن سَنَّ ذَلِكَ لَهم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ وهي أوْهامٌ وتَخَيُّلاتٌ.

وزَعَمَ أهْلُ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أنَّ الجِنَّ كانُوا يَحْتَقِرُونَ الإنْسَ بِهَذا الخَوْفِ فَكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهم والتَّخَيُّلِ إلَيْهِمْ فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ مَخافَةً.

والرَّهَقُ: الذُّلُّ.

والَّذِي أخْتارُهُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ العَوْذَ هُنا هو الِالتِجاءُ إلى الشَّيْءِ والِالتِفافُ حَوْلَهُ. وأنَّ المُرادَ أنَّهُ كانَ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الجِنَّ اتِّقاءَ شَرِّها. ومَعْنى ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ فَزادَتْهم عِبادَتُهم إيّاهم ضَلالًا. والرَّهَقُ: يُطْلَقُ عَلى الإثْمِ.

72:7Page 572

وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧

And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].

﴿وإنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (وإنَّهم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣]) .

صفحة ٢٢٦

والمَعْنى: أنَّ رِجالًا مِنَ الإنْسِ ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا، أوْ وأنّا آمَنّا بِأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ إلَخْ، أيْ: آمَنّا بِأنَّهم أخْطَأُوا في ظَنِّهِمْ.

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) المَكْسُورَةِ أوِ المَفْتُوحَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِغايَتِهِ. والبَعْثُ يَحْتَمِلُ بَعْثَ الرُّسُلِ ويَحْتَمِلُ بَعْثَ الأمْواتِ لِلْحَشْرِ، أيْ: حَصَلَ لَهم مِثْلَما حَصَلَ لَكم مِن إنْكارِ إرْسالِ الرُّسُلِ.

والإخْبارُ عَنْ هَذا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ تَجاوَزَ عالَمَ الإنْسِ إلى عالَمِ الجِنِّ.

وجُمْلَةُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ظَنُّوا ومَعْمُولِهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَوْلِ المَحْكِيِّ يَقُولُ الجِنُّ بَعْضُهم لِبَعْضٍ يُشَبِّهُونَ كُفّارَهم بِكُفّارِ الإنْسِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُخاطَبِ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِي أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، وهَذا الوَجْهُ يَتَعَيَّنُ إذا جَعَلْنا القَوْلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١] عِبارَةً عَمّا جالَ في نُفُوسِهِمْ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ هُنالِكَ.

و(أنْ) مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.

وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ خَبَرُهُ. والتَّعْبِيرُ بِحَرْفِ تَأْبِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا غَيْرَ مُتَرَدِّدِينَ في إحالَةِ وُقُوعِ البَعْثِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском