Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
﴿يس﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّورِ، ومِن جُمْلَتِها أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ: يا إنْسانُ، بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وعَنْهُ أنَّها كَذَلِكَ بِلُغَةِ طَيِّءٍ. ولا أحْسَبُ هَذا يَصِحُّ عَنْهُ لِأنَّ كِتابَتَها في المَصاحِفِ عَلى حَرْفَيْنِ تُنافِي ذَلِكَ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ يس اسْمٌ مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَنى عَلَيْهِ إسْماعِيلُ بْنِ بِكْرٍ الحِمْيَرِيُّ شاعِرُ الرّافِضَةِ المَشْهُورُ عِنْدَهم بِالسَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ قَوْلَهُ:
يا نَفْسُ لا تَمْحَضِي بِالوِدِّ جاهِدَةً عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِـينَـا
ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَعْنِي آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ يس اخْتِزالُ: يا سَيِّدُ، خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ويُوهِنُهُ نُطْقُ القُرَّآءِ بِها بِنُونٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن يُسَمِّي ابْنَهُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وهو كَثِيرٌ في البِلادِ المِصْرِيَّةِ والشّامِيَّةِ، ومِنهُمُ الشَّيْخُ يس بْنُ زَيْدِ الدِّينِ العُلَيْمِيُّ الحِمْصِيُّ المُتَوَفّى سَنَةَ ١٠٦١ صاحِبُ
صفحة ٣٤٥
التَّعالِيقِ القَيِّمَةِ فَإنَّما يَكْتُبُ اسْمَهُ بِحَسَبِ ما يَنْطِقُ بِهِ لا بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، وإنْ كانَ النّاسُ يَغْفُلُونَ فَيَكْتُبُونَهُ بِحَرْفَيْنِ كَما يُكْتَبُ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ قالَ أشْهَبُ: سَألْتُ مالِكًا هَلْ يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُسَمِّيَ يس ؟ قالَ: ما أراهُ يَنْبَغِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ يَقُولُ هَذا: اسْمِي يس. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ وهو كَلامٌ بَدِيعٌ لِأنَّ العَبْدَ لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى باسِمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ إذا كانَ فِيهِ مَعْنًى مِنهُ كَقَوْلِهِ: عالِمٌ وقادِرٌ، وإنَّما مَنَعَ مالِكٌ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ لا يَدْرِي مَعْناهُ فَرُبَّما كانَ مَعْناهُ يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّبُّ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ العَبْدُ فَيُقْدِمَ عَلى خَطَرٍ فاقْتَضى النَّظَرُ رَفْعَهُ عَنْهُ اهـ. وفِيهِ نَظَرٌ.
والنُّطْقُ بِاسْمِ يا بِدُونِ مَدٍّ تَخْفِيفٌ كَما في كهيعص.
36:2–4Page 440
وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
By the wise1 Qur’ān,
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣
Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,
عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤
On a straight path.
﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ القَسَمُ بِالقُرْآنِ كِنايَةٌ عَنْ شَرَفِ قَدْرِهِ وتَعْظِيمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الأُوَلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا القَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ مَعَ ذَلِكَ التَّنْوِيهِ.
والقُرْآنُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُوحى بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وقْتِ مَبْعَثِهِ إلى وفاتِهِ لِلْإعْجازِ والتَّشْرِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ في سُورَةِ يُونُسَ.
والحَكِيمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكَمُ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ المَجْعُولِ ذا إحْكامٍ، والإحْكامُ: الإتْقانُ بِماهِيَّةِ الشَّيْءِ فِيما يُرادُ مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صاحِبَ الحِكْمَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ مُحْتَوٍ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُرادًا بِهِ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
صفحة ٣٤٦
بِالرِّسالَةِ فَهو تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ وبِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ، والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خَبَرٌ ثانٍ لِـ إنَّ، أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: الإيقاظُ إلى عَظَمَةِ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُ مُرْسَلٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنِ المُخاطَبِ إفادَةَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ مِنَ الأخْبارِ مِن كَوْنِهِ أحَدَ المُرْسَلِينَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ المُرْسَلِينَ المُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّ الغَرَضَ الجَمْعُ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ حالِ دِينِهِ لِيَكُونَ العِلْمُ بِأنَّ دِينَهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا لا ضِمْنِيًّا.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الهُدى المُوَصِّلُ إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ، وهو الدِّينُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، والخُلُقُ الَّذِي لَقَّنَهُ اللَّهُ، شُبِّهَ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعْوِجاجَ فِيهِ في أنَّهُ مَوْثُوقٌ بِهِ في الإيصالِ إلى المَقْصُودِ دُونَ أنْ يَتَرَدَّدَ السّائِرُ فِيهِ.
فالإسْلامُ فِيهِ الهُدى في الحَياتَيْنِ فَمُتَّبِعُهُ كالسّائِرِ في صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا حَيْرَةَ في سَيْرِهِ تَعْتَرِيهِ حَتّى يَبْلُغَ المَكانَ المُرادَ.
والقُرْآنُ حاوِي الدِّينِ فَكانَ القُرْآنُ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وتَنْكِيرُ ”صِراطٍ“ لِلتَّوَصُّلِ إلى تَعْظِيمِهِ.
36:5–6Page 440
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
﴿تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ الحَكِيمِ إذْ هو المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَبَعْدَ أنِ اسْتَوْفى القَسَمُ جَوابَهُ رَجَعَ الكَلامُ إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِنَ القَسَمِ وهو تَشْرِيفُ المُقْسَمِ بِهِ فَوُسِمَ بِأنَّهُ تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ.
وقَدْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهَذا مِن مَواقِعِ
صفحة ٣٤٧
حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ الحَذْفُ الجارِي عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ. وذَلِكَ أنَّهم إذا أجْرَوْا حَدِيثًا عَلى شَيْءٍ ثُمَّ أخْبَرُوا عَنْهُ التَزَمُوا حَذْفَ ضَمِيرِهِ الَّذِي هو مُسْنَدٌ إلَيْهِ إشارَةً إلى التَّنْوِيهِ بِهِ كَأنَّهُ لا يَخْفى كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ، أوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الأسَدِيِّ أوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الكاتِبِ، وهي مِن أبْياتِ الحَماسَةِ في بابِ الأضْيافِ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِـيَّتِـي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هِـيَ جَـلَّـتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرِ الشَّكْوى إذِ النَّعْلُ زَلَّـتِ
تَقْدِيرُهُ: هو فَتًى.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِنَصْبِ ”تَنْزِيلَ“ عَلى تَقْدِيرِ: أعْنِي. والمَعْنى: أعْنِي مِن قَسَمِي قُرْآنًا نَزَّلْتُهُ، وتِلْكَ العِنايَةُ زِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ وهي تُعادِلُ حَذْفَ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي في قِراءَةِ الرَّفْعِ.
والتَّنْزِيلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَصَدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا.
وأُضِيفَ التَّنْزِيلُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ صِفَتَيِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِأنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ مِن آثارِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما فِيهِ مِن حَمْلِ النّاسِ عَلى الحَقِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى دُونَ مُصانَعَةٍ ولا ضَعْفٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإنْذارِ والوَعِيدِ عَلى العِصْيانِ والكُفْرانِ.وأنْ يَكُونَ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وهو ما في القُرْآنِ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ وتَقْرِيبِ البَعِيدِ وكَشْفِ الحَقائِقِ لِلنّاظِرِينَ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ البِشارَةِ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ عِنْدَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو ما ورَدَ بَيانُهُ بَعْدُ إجْمالًا مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾، ثُمَّ تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] .
فاللّامُ في لِتُنْذِرَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تَنْزِيلُ“ وهي لامُ التَّعْلِيلِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ القُرْآنِ.
واقْتَصَرَ عَلى الإنْذارِ لِأنَّ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بِهِ القَوْمُ مِنَ التَّبْلِيغِ إنْذارُهم جَمِيعًا بِما
صفحة ٣٤٨
تَضَمَّنَتْهُ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِن قَوْلِهِ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] الآيَةَ. وما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ المُدَّثِّرِ لِأنَّ القَوْمَ جَمِيعًا كانُوا عَلى حالَةٍ لا تُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَكانَ حالُهم يَقْتَضِي الإنْذارَ لِيُسْرِعُوا إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مُرْتَبِكُونَ.
والقَوْمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم: إمّا العَرَبُ العَدْنانِيُّونَ فَإنَّهم مَضَتْ قُرُونٌ لَمْ يَأْتِهِمْ فِيها نَذِيرٌ، ومَضى آباؤُهم لَمْ يَسْمَعُوا نَذِيرًا، وإنَّما يُبْتَدَأُ عَدُّ آبائِهِمْ مِن جَدِّهِمُ الأعْلى في عَمُودِ نَسَبِهِمُ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِهِ جِذْمًا وهو عَدْنانُ، لِأنَّهُ جِذْمُ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، أوْ أُرِيدَ أهْلُ مَكَّةَ. وإنَّما باشَرَ النَّبِيءُ ﷺ في ابْتِداءِ بِعْثَتِهِ دَعْوَةَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَلَقَّوُا الدِّينَ وأنْ تَتَأصَّلَ مِنهم جامِعَةُ الإسْلامِ ثُمَّ كانُوا هم حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ وأعْوانَ الرَّسُولِ ﷺ في تَبْلِيغِ دَعْوَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. فانْضَمَّ إلَيْهِمْ أهْلُ يَثْرِبَ وهم قَحْطانِيُّونَ فَكانُوا أنْصارًا ثُمَّ تَتابَعَ إيمانُ قَبائِلِ العَرَبِ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”﴿فَهم غافِلُونَ﴾“ أيْ فَتَسَبَّبَ عَلى عَدَمِ إنْذارِ آبائِهِمْ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالغَفْلَةِ وصْفًّا ثابِتًا، أيْ فَهم غافِلُونَ عَمّا تَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ والشَّرائِعُ فَهم في جَهالَةٍ وغَوايَةٍ إذْ تَراكَمَتِ الضَّلالاتُ فِيهِمْ عامًا فَعامًا وجِيلًا فَجِيلًا.
فَهَذِهِ الحالَةُ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَن دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ سَواءٌ مَن آمَنَ بَعْدُ ومَن لَمْ يُؤْمِن.
والغَفْلَةُ: صَرِيحُهُا الذُّهُولُ عَنْ شَيْءٍ وعَدَمُ تَذَكُّرِهِ، وهي هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهْمالِ والإعْراضِ عَمّا يَحِقُّ التَّنْبِيهُ إلَيْهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
يَقُولُ أُناسٌ يَجْهَلُونَ خَلِيقَتِي ∗∗∗ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِـلُ
36:7Page 440
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِحالِ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُنْذِرَهم، فَهم قِسْمانِ: قِسْمٌ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ النِّذارَةُ، وقِسْمٌ اتَّبَعُوا الذِّكْرَ وخافُوا اللَّهَ فانْتَفَعُوا بِالنِّذارَةِ. وبَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ القَوْمِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، أيْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما جَبَلَ عَلَيْهِ
صفحة ٣٤٩
عُقُولَهم مِنَ النُّفُورِ عَنِ الخَيْرِ، فَحَقَّقَ في عِلْمِهِ وكَتَبَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ انْتِفاءِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ عَلى القَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلى أكْثَرِهِمْ.
وحَقَّ: بِمَعْنى ثَبَتَ ووَقَعَ فَلا يَقْبَلُ نَقْضًا. والقَوْلُ: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ فَهو قَوْلٌ مِن قَبِيلِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ، أوْ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى رُسُلِهِ.
والتَّعْرِيفُ في القَوْلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ.
والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ، أيِ: القَوْلُ النَّفْسِيُّ وهو المَكْتُوبُ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
36:8Page 440
إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨
Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهْيَ إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] فَإنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ يَشْتَمِلُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن جَعْلِ أغْلالٍ في أعْناقِهِمْ حَقِيقَةً أوْ تَمْثِيلًا.
والجَعْلُ: تَكْوِينُ الشَّيْءِ، أيْ جَعَلْنا حالَهم كَحالِ مَن في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمِحُونَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا بِأنْ شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ والتَّأمُّلِ في حُجَجِهِ الواضِحَةِ بِحالِ قَوْمٍ جُعِلَتْ في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ غَلِيظَةٌ تَرْتَفِعُ إلى أذْقانِهِمْ فَيَكُونُونَ كالمُقْمَحِينَ، أيِ الرّافِعِينَ رُءُوسَهُمُ الغاضِّينَ أبْصارَهم لا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا فَلا يَنْظُرُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا حَوْلَهم فَتَكُونُ تَمْثِيلِيَّةً.
وذَكَرَ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ لِتَحْقِيقِ كَوْنِ الأغْلالِ مَلْزُوزَةً إلى عِظامِ الأذْقانِ بَحَيْثُ إذا أرادَ المَغْلُولُ مِنهُمُ الِالتِفاتَ أوْ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ وجِعَهُ ذَقَنُهُ فَلازَمَ السُّكُونَ، وهَذِهِ حالَةُ تَخْيِيلِ هَذِهِ الأغْلالِ ولَيْسَ كُلُّ الأغْلالِ مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَوْزِيعِ أجْزاءِ المَرْكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ إلى تَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الحالَيْنِ بِجُزْءٍ مِنَ الحالَةِ الأُخْرى بِأنْ يُشَبَّهَ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ النُّفُورِ عَنِ الخَيْرِ بِالأغْلالِ، ويُشَبَّهُ إعْراضُهم عَنِ التَّأمُّلِ والإنْصافِ بِالإقْماحِ.
صفحة ٣٥٠
فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾، أيْ جَعَلْنا أغْلالًا، أيْ فَأبْلَغْناها إلى الأذْقانِ.
والجَعْلُ: هُنا حَقِيقَةٌ وهو ما خُلِقَ في نُفُوسِهِمْ مِن خُلُقِ التَّكَبُّرِ والمُكابَرَةِ.
والأغْلالُ: جَمَعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلْقَةٌ عَرِيضَةٌ مِن حَدِيدٍ كالقِلادَةِ ذاتُ أضْلاعٍ مِن إحْدى جِهاتِها وطَرَفَيْنِ يُقابِلانِ أضْلاعَهُما فِيهِما أثْقابٌ مُتَوازِيَةٌ تَشُدُّ الحَلْقَةُ مِن طَرَفَيْها عَلى رَقَبَةِ المَغْلُولِ بِعَمُودٍ مِن حَدِيدٍ لَهُ رَأْسٌ كالكُرَةِ الصَّغِيرَةِ يَسْقُطُ ذَلِكَ العَمُودُ في الأثْقابِ فَإذا انْتَهى إلى رَأْسِهِ الَّذِي كالكُرَةِ اسْتَقَرَّ لِيَمْنَعَ الغُلَّ مِنَ الِانْحِلالِ والتَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ .
والمُقْمَحُ: بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ المَجْعُولِ قامِحًا، أيْ رافِعًا رَأْسَهُ ناظِرًا إلى فَوْقِهِ يُقالُ: قَمَحَهُ الغِلُّ، إذْ جَعَلَ رَأسَهُ مَرْفُوعًا وغَضَّ بَصَرَهُ، فَمَدْلُولُهُ مُرَكَّبٌ مِن شَيْئَيْنِ. والأذْقانُ: جَمَعُ ذَقَنٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهو مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ. وتَقَدَّمَ في الإسْراءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ إلَخْ وعِيدًا بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يُساقُونَ إلى جَهَنَّمَ في الأغْلالِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١] في سُورَةِ غافِرٍ، فَيَكُونُ فِعْلُ ”جَعَلْنا“ مُسْتَقْبَلًا وعُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]“ أيْ: سَنَجْعَلُ في أعْناقِهِمْ أغْلالًا.
36:9Page 440
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩
And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سُدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سُدًّا﴾ هَذا ارْتِقاءٌ في حِرْمانِهِمْ مِنَ الِاهْتِداءِ لَوْ أرادُوا تَأمُّلًا بِأنَّ فَظاظَةَ قُلُوبِهِمْ لا تَقْبَلُ الِاسْتِنْتاجَ مِنَ الأدِلَّةِ والحُجَجِ بِحَيْثُ لا يَتَحَوَّلُونَ عَمّا هم فِيهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم بِحالَةِ مَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ، أيْ جِدارَيْنِ: سَدًّا أمامَهم، وسَدًّا خَلْفَهم، فَلَوْ رامُوا
صفحة ٣٥١
تَحَوُّلًا عَنْ مَكانِهِمْ وسَعْيَهِمْ إلى مُرادِهِمْ لَما اسْتَطاعُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧]، وقَوْلِ أبِي الشِّيصِ:
وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ
وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِ.
ومِنَ الحَوادِثِ لا أبالَكَ أنَنِـي ∗∗∗ ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِالأسْدادِ
لا أهْتَدِي فِيها لِمَوْضِعِ تَلْـعَةِ ∗∗∗ بَيْنَ العَذِيبِ وبَيْنَ أرْضِ مُرادِ
وتَقَدَّمَ السَّدُّ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: مانِعُ الإيمانِ: إمّا أنْ يَكُونَ في النَّفْسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْها. ولَهُمُ المانِعانِ جَمِيعًا: أمّا في النَّفْسِ فالغُلُّ، وأمّا مِنَ الخارِجِ فالسَّدُّ فَلا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَيَرَوُا الآياتِ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ المُقْمَحَ لا يَرى نَفْسَهُ، ولا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى الآفاقِ لِأنَّ مَن بَيْنَ السَّدَّيْنِ لا يُبْصِرُونَ الآفاقَ فَلا تَتَبَيَّنُ لَهُمُ الآياتُ كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وإعادَةُ فَعْلِ و”جَعَلْنا“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] الآيَةَ، تَأْكِيدٌ لِهَذا الجَعْلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] فَإعادَةُ فِعْلِ و”جَعَلْنا“ لِأنَّهُ جَعْلٌ حاصِلٌ في الدُّنْيا فَهو مُغايِرٌ لِلْجَعْلِ الحاصِلِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سُدًّا“ بِالضَّمِّ وهو اسْمُ الجِدارِ الَّذِي يَسُدُّ بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُسَدُّ بِهِ.
* * *
﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كِلا المَفْعُولَيْنِ ﴿جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] و﴿جَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ لِأنَّ في كِلا الفِعْلَيْنِ مانِعًا مِن أحْوالِ النَّظَرِ.
وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَفَرَّعُ ثانِيًا عَلى تَمْثِيلِهِمْ بِمَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ التَّحَوُّلِ عَمّا هم عَلَيْهِ.
صفحة ٣٥٢
والإغْشاءُ: وضْعُ الغِشاءِ. وهو ما يُغَطِّي الشَّيْءَ. والمُرادُ: أغْشَيْنا أبْصارَهم، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وأكَّدَهُ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ فَهم لا يُبْصِرُونَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، أيْ: تَحْقِيقِ عَدَمِ إبْصارِهِمْ.
36:10Page 440
وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠
And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.
﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ لا يُبْصِرُونَ، أيْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَحَرْفُ (عَلى) مَعْناهُ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ وهو هُنا لِلْمُلابَسَةِ، مُتَعِلِّقٌ بِـ (سَواءٌ) الدّالِّ عَلى مَعْنى اسْتَوى، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ أصْلُها الِاسْتِفْهامُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في التَّسْوِيَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى عُدَّتِ التَّسْوِيَةُ مِن مَعانِي الهَمْزَةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ مَعَ كَلِمَةِ سَواءٍ وهي تُفِيدُ المَصْدَرِيَّةَ. ولِمّا اسْتُعْمِلَتِ الهَمْزَةُ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ اسْتُعْمِلَتْ أمْ في مَعْنى الواوِ، وقَدْ جاءَ عَلى الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقِيِّ قَوْلُ بُثَيْنَةَ:
سَواءٌ عَلَيْنا يا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إذا مِتَّ بَأْساءُ الحَياةِ ولِينُهَـا
وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ مُبِيِّنَةٌ اسْتِواءَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
36:11Page 440
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١
You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.
﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس: ١٠] أنَّ الإنْذارَ في جانِبِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ هو وعَدَمُهُ سَواءٌ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ يُوهِمُ انْتِفاءَ الجَدْوى مِنَ الغَيْرِ وبَعْضٍ مِن فَضْلِ أهَلِ الإيمانِ أعْقَبَ بِبَيانِ جَدْوى الإنْذارِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ.
والذِّكْرُ: القُرْآنُ.
والِاتِّباعُ: حَقِيقَتُهُ الِاقْتِفاءُ والسَّيْرُ وراءَ سائِرٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإقْبالِ عَلى
صفحة ٣٥٣
الشَّيْءِ والعِنايَةِ بِهِ لِأنَّ المُتَّبِعَ شَيْئًا يَعْتَنِي بِاقْتِفائِهِ، فاتِّباعُ الذِّكْرِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِما فِيهِ لِأنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يُفْضِي إلى العَمَلِ بِهِ، كَما ورَدَ في قِصَّةِ إيمانِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ وجَدَ لَوْحًا فِيهِ سُورَةُ طه عِنْدَ أُخْتِهِ فَأخَذَ يَقْرَأُ ويَتَدَبَّرُ فَآمَنَ.
وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ويَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَماعِهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ في مَبْدَأِ حُلُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ فَنَزَلَ فَسَلَّمَ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنُ حَتّى إذا فَرَغَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ: يا هَذا إنَّهُ أحْسَنُ مِن حَدِيثِكَ إنْ كانَ حَقًّا، فاجْلِسْ في بَيْتِكَ فَمَن جاءَكَ فَحَدِّثْهُ ومَن لَمْ يَأْتِكَ فَلا تَغُتَّهُ بِهِ»، ولَمّا كانَ الإقْبالُ عَلى سَماعِ القُرْآنِ مُفْضِيًا إلى الإيمانِ بِما فِيهِ لِأنَّهُ يُداخِلُ القَلْبَ كَما قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ. أُتْبِعَتْ صِلَةُ ”اتَّبَعَ الذِّكْرَ“ بِجُمْلَةِ ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾، فَكانَ المُرادُ مِنِ اتِّباعِ الذِّكْرِ أكْمَلَ أنْواعِهِ الَّذِي لا يَعْقُبُهُ إعْراضٌ، فَهو مُؤَدٍّ إلى امْتِثالِ المُتَّبِعِينَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
وخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ: تَقْواهُ في خُوَيْصَّةِ أنْفُسِهِمْ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وبِشَأْنِ الإنْذارِ، فَهَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] وهو بَقِيَّةُ تَفْصِيلِ قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا، والغَرَضُ تَقْوِيَةُ داعِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الإنْذارِ، والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ قَبِلُوا نِذارَتَهُ فَآمَنُوا.
فَمَعْنى فِعْلِ ”تُنْذِرَ“ هو الإنْذارُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ مِنَ الخَشْيَةِ والِامْتِثالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تُنْذِرُ فَيَنْتَذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، أيْ مِن ذَلِكَ شَأْنُهم لِأنَّهم آمَنُوا ويَتَّقُونَ.
والتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الِاتِّباعِ والخَشْيَةِ. والمُرادُ: ابْتِداءُ الِاتِّباعِ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلى هَذا التَّنْوِيهِ الأمْرُ بِتَبْشِيرِ هَؤُلاءِ بِمَغْفِرَةِ ما كانَ في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ وما يَقْتَرِفُونَ مِنَ اللَّمَمِ.
والجَمْعُ بَيْنَ تُنْذِرُ و”بَشِّرْ“ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ، مَعَ بَيانِ أنَّ أوَّلَ أمْرِهِمُ الإنْذارُ وعاقِبَتَهُ التَّبْشِيرُ.
صفحة ٣٥٤
والأجْرُ: الثَّوابُ عَلى الإيمانِ والطّاعاتِ، ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ الأفْضَلُ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والتَّعْبِيرُ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنَكِرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والثّانِي: الإشارَةُ إلى رَحْمَتِهِ لا تَقْتَضِي عَدَمَ خَشْيَتِهِ، فالمُؤْمِنُ يَخْشى اللَّهَ مَعَ عِلْمِهِ بِرَحْمَتِهِ فَهو يَرْجُو الرَّحْمَةَ.
فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وهو قَصْرُ الإنْذارِ عَلى التَّعَلُّقِ بِـ (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) وخَشِيَ اللَّهَ هو بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي تُؤُوِّلَ بِهِ مَعْنى فِعْلِ ”تُنْذِرُ“، أيْ حُصُولُ فائِدَةِ الإنْذارِ يَكُونُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا، وإنْ أبَيْتَ إلّا إبْقاءَ فِعْلِ ”تُنْذِرُ“ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِ الأفْعالِ وهو الدَّلالَةُ عَلى وُقُوعِ مَصادِرِها، فالقَصْرُ ادِّعائِيٌّ بِتَنْزِيلِ إنْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَتْبِعُوا الذِّكْرَ ولَمْ يَخْشَوْا مَنزِلَةَ عَدَمِ الإنْذارِ في انْتِفاءِ فائِدَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences