Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
هود
Hud
Hud · Meccan · 123 ayahs
11:1Page 221
الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2
صفحة ٣١٤
﴿ألر﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها مِن نُظَرائِها وما سُورَةُ يُونُسَ بِبَعِيدٍ.
* * *
﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾
القَوْلُ في الِافْتِتاحِ بِقَوْلِهِ: كِتابٌ وتَنْكِيرُهُ مُماثِلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِماذا يَعْجَبُ المُشْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ويُكَذِّبُونَ بِهِ. فَـ كِتابٌ مُبْتَدَأٌ، سَوَّغَ الِابْتِداءُ ما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلنَّوْعِيَّةِ.
و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ خَبَرٌ و﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةً مُخَصَّصَةً، وهي مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُحْكِمَتْ هو الخَبَرُ. وتَجْعَلَ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ
والإحْكامُ: إتْقانُ الصُّنْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الحِكْمَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ. وهي إتْقانُ الأشْياءِ بِحَيْثُ تَكُونُ سالِمَةً مِنَ الأخْلالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِنَوْعِها، أيْ جُعِلَتْ آياتُهُ كامِلَةً في نَوْعِ الكَلامِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ مِن مُخالَفَةِ الواقِعِ ومِن أخْلالِ المَعْنى واللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وبِهَذا المَعْنى تُنْبِئُ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ﴾
وآياتُ القُرْآنِ: الجُمَلُ المُسْتَقِلَّةُ بِمَعانِيها المُخْتَتَمَةِ بِفَواصِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ بِالآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
صفحة ٣١٥
والتَّفْصِيلُ: التَّوْضِيحُ والبَيانُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الشَّيْءِ وغَيْرِهِ بِما يُمَيِّزُهُ، فَصارَ كِنايَةً مَشْهُورَةً عَنِ البَيانِ لِما فِيهِ مِن فَصْلِ المَعانِي. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونَظِيرُهُ: الفَرْقُ، كَنّى بِهِ عَنِ البَيانِ فَسُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وعَنِ الفَصْلِ فَسُمِّيَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ، ومِنهُ في ذِكْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] .
وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ لِما في التَّفْصِيلِ مِنَ الِاهْتِمامِ لَدى النُّفُوسِ لِأنَّ العُقُولَ تَرْتاحُ إلى البَيانِ والإيضاحِ.
و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أيْ مِن عِنْدِ المَوْصُوفِ بِإبْداعِ الصُّنْعِ لِحِكْمَتِهِ، وإيضاحِ التَّبْيِينِ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ. والخَبِيرُ: العالِمُ بِخَفايا الأشْياءِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الأشْياءُ كانَتِ الإحاطَةُ بِها أعَزَّ، فالحَكِيمُ مُقابِلٌ لِـ أُحْكِمَتْ، والخَبِيرُ مُقابِلٌ لِـ فُصِّلَتْ. وهُما وإنْ كانا مُتَعَلِّقَ العِلْمِ ومُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ إذِ القُدْرَةُ لا تَجْرِي إلّا عَلى وِفْقِ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ رُوعِيَ في المُقابَلَةِ الفِعْلُ الَّذِي هو أثَرُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ أشَدُّ تَبادُرًا فِيهِ لِلنّاسِ مِنَ الآخَرِ وهَذا مِن بَلِيغِ المُزاوَجَةِ.
11:2Page 221
أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢
[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"
﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾
(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في مَعْنى ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أقْوالٍ مُحْكَمَةٍ ومُفَصَّلَةٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُوحِيَ إلَيْكَ في هَذا الكِتابِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما أُحْكِمَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وإيجابِ عِبادَةِ اللَّهِ هو أصْلُ الدِّينِ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ جَمِيعِ الصِّفاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ لِلَّهِ - تَعالى - بِالدَّلِيلِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّفاصِيلِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ
صفحة ٣١٦
الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ، وأنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ كانَ فِيها الأمْرُ بِمُلابَسَةِ اسْمِ اللَّهِ لِأوَّلِ قِراءَةِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]
والخِطابُ في ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ وضَمائِرُ الخِطابِ الَّتِي بَعْدَهُ مُوَجَّهَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وهم كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ المَأْمُورَ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] الآيَةَ، وهو اعْتِراضٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ والتَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِهِ.
ووُقُوعُ هَذا الِاعْتِراضِ عَقِبَ الجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ إشْعارٌ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً وذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الِاعْتِراضِ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما وقَعَ بَعْدَهُ وناشِئًا مِنهُ فَإنَّ مَضْمُونَ البَشِيرِ والنَّذِيرِ هو جامِعُ عَمَلِ الرَّسُولِ ﷺ في رِسالَتِهِ فَهو بَشِيرٌ لِمَن آمَنَ وأطاعَ، ونَذِيرٌ لِمَن أعْرَضَ وعَصى، وذَلِكَ أيْضًا جامِعٌ لِلْأُصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ وأحْوالِ الرُّسُلِ وما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الغَيْبِ فانْدَرَجَ في ذَلِكَ العَقائِدُ السَّمْعِيَّةُ، وهَذا عَيْنُ الإحْكامِ.
ومَن في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ إنِّي نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لَكم جائِيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والجَمْعُ بَيْنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ لِمُقابَلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأوْلى مِن طَلَبِ تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ وطَلَبِ عِبادَةِ اللَّهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، فالنِّذارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الأوَّلِ، والبِشارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الثّانِي.
11:3Page 221
وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣
And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.
صفحة ٣١٧
﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وهو تَفْسِيرٌ ثانٍ يَرْجِعُ إلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن لَفْظِ التَّفْصِيلِ، فَهَذا ابْتِداءُ التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بَيانٌ وإرْشادٌ لِوَسائِلِ نَبْذِ عِبادَةِ ما عَدا اللَّهَ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى ذَلِكَ وأمْثالٌ ونُذُرٌ، فالمَقْصُودُ: تَقْسِيمُ التَّفْسِيرِ وهو وجْهُ إعادَةِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ مَضى، وذَلِكَ النَّدَمُ.
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ عَمَلِ ذَنْبٍ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِفَسادِ ما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ أهَمُّ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ، فَإنَّ تَصْحِيحَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْها هو مُسَمّى التَّوْبَةِ، وهَذا تَرْغِيبٌ في نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وبَيانٌ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والمَتاعُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّمْتِيعِ لِما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ يُنْتَفَعُ. ويُطْلَقُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والحَسَنُ: تَقْيِيدٌ لِنَوْعِ المَتاعِ بِأنَّهُ الحَسَنُ في نَوْعِهِ، أيْ خالِصًا مِنَ المُكَدِّراتِ طَوِيلًا بَقاؤُهُ لِصاحِبِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ . والمُرادُ بِالمَتاعِ: الإبْقاءُ، أيِ الحَياةُ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَأْصِلُهم. ووَصَفَهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّها حَياةٌ طَيِّبَةٌ.
صفحة ٣١٨
وإلى أجَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُمَتِّعُكم وهو غايَةٌ لِلتَّمْتِيعِ، وذَلِكَ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المَتاعَ لَهُ نِهايَةٌ، فَعُلِمَ أنَّهُ مَتاعُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ بِالأجَلِ: أجْلُ كُلِّ واحِدٍ وهو نِهايَةُ حَياتِهِ، وهَذا وعْدٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ باقِيَةٌ طُولَ الحَياةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يُمَتِّعْكم. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ المَتاعِ الحَسَنِ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ إعْطاءُ نَعِيمِ الآخِرَةِ. والفَضْلُ: إعْطاءُ اَلْخَيْرِ. سُمِّيَ فَضْلًا لِأنَّ الغالِبَ أنَّ فاعِلَ اَلْخَيْرِ يَفْعَلُهُ بِما هو فاضِلٌ عَنْ حاجَتِهِ، ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَصارَ الفَضْلُ بِمَعْنى إعْطاءِ اَلْخَيْرِ.
والفَضْلُ الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ الغَنِيِّ عَنِ النّاسِ. والفَضْلُ الثّانِي المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هو ثَوابُ الآخِرَةِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالمَتاعِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: ويُؤْتِ اللَّهُ فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في عَمَلِهِ.
ولَمّا عُلِّقَ الإيتاءُ بِالفَضْلَيْنِ عُلِمَ أنَّ مِقْدارَ الجَزاءِ بِقَدْرِ المُجْزِيِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عُلِّقَ بِذِي فَضْلٍ وهو في قُوَّةِ المُشْتَقِّ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّعْلِيلِ وبِالتَّقْدِيرِ. وضَبْطُ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ. ونَظِيرُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وزِيادَةِ بَيانٍ، قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
* * *
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهو مِن تَمامِ ما جاءَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وهو مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَبَلِّغَهُ إلى النّاسِ.
وتَوَلَّوْا: أصْلُهُ تَتَوَلَّوْا، حُذِفَتْ إحْدى التّائَيْنِ تَخْفِيفًا.
صفحة ٣١٩
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِـ إنْ وبِكَوْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها اسْمًا مُخْبَرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِقَصْدِ شِدَّةِ تَأْكِيدِ تَوَقُّعِ العَذابِ.
وتَنْكِيرُ يَوْمٍ لِلتَّهْوِيلِ، لِتَذْهَبَ نُفُوسُهم لِلِاحْتِمالِ المُمْكِنِ أنْ يَكُونَ يَوْمًا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ، فَتَخْوِيفُهم بِعَذابِ الدُّنْيا أوْقَعُ في نُفُوسِهِمْ. وبِذَلِكَ يَكُونُ تَنْكِيرُ يَوْمٍ صالِحًا لِإيقاعِهِ مُقابِلًا لِلْجَزاءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، فَيُقَدِّرُ السّامِعُ: إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَيْنِ كَما رَجَوْتُ لَكم إنِ اسْتَغْفَرْتُمْ ثَوابَيْنِ.
ووَصْفُهُ بِالكَبِيرِ لِزِيادَةِ تَهْوِيلِهِ، والمُرادُ بِالكِبَرِ الكِبَرُ المَعْنَوِيُّ، وهو شِدَّةُ ما يَقَعُ فِيهِ، أعْنِي العَذابَ، فَوَصْفُ اليَوْمِ بِالكِبَرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.
11:4Page 221
إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤
To Allāh is your return, and He is over all things competent."
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والمَعْنى: أنَّكم صائِرُونَ إلى اللَّهِ، أيْ إلى قُدْرَتِهِ غَيْرَ مُنْفَلِتِينَ مِنهُ فَهو مُجازِيكم عَلى تَوَلِّيكم عَنْ أمْرِهِ.
فالمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمِهِ العُرْفِيِّ وهو عَدَمُ الِانْفِلاتِ وإنْ طالَ الزَّمَنُ، وذَلِكَ شامِلٌ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ المَوْتِ. ولَيْسَ المُرادُ إيّاهُ خاصَّةً لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنْسَبُ بِالمَصِيرِ الدُّنْيَوِيِّ لِأنَّهُ المُسَلَّمُ عِنْدَهم، وأمّا المَصِيرُ الأُخْرَوِيُّ فَلَوِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَما كانَ هُنالِكَ قَوِيٌّ مُقْتَضٍ لِزِيادَةٍ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ والتَّقَوِّي، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الحَصْرُ إذْ هم لا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُرْجَعُونَ بَعْدَ المَوْتِ بَلْهَ أنْ يَرْجِعُوا إلى غَيْرِهِ.
صفحة ٣٢٠
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، أيْ فَما ظَنُّكم بِرُجُوعِكم إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ ألَيْسَ يُعَذِّبُكم عَذابًا كَبِيرًا.
11:5Page 221
أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥
Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
حَوْلَ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَنْ مُخاطَبَةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ إلى إعْلامِهِ بِحالٍ مِن أحْوالِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ في جَهْلِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - بِكُلِّ حالٍ مِنَ الكائِناتِ مِنَ الذَّواتِ والأعْمالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها، فَقَدَّمَ لِذَلِكَ إبْطالَ وهْمٍ مِن أوْهامِ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّهم في مُكْنَةٍ مِن إخْفاءِ بَعْضِ أحْوالِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، جَمْعًا بَيْنَ إخْبارِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ وبَيْنَ إبْطالِ تَوَهُّماتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ اللَّهِ. وقَدْ نَشَأ هَذا الكَلامُ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] لِمُناسَبَةِ أنَّ المَرْجُوعَ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِتَمامِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو أيْضًا مَوْصُوفٌ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ تَمامِ القُدْرَةِ وتَمامِ العِلْمِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ألا لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِغَرابَةِ أمْرِهِمُ المَحْكِيِّ ولِلْعِنايَةِ بِتَعْلِيمِ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
وضَمائِرُ الجَماعَةِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِالإبْلاغِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] ولَيْسَ بِالتِفاتٍ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْمُفْرَدِ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [هود: ٤]
صفحة ٣٢١
والثَّنْيُ: الطَّيُّ، وأصْلُ اشْتِقاقِهِ مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ. يُقالُ: ثَناهُ بِالتَّخْفِيفِ، إذا جَعَلَهُ ثانِيًا، يُقالُ: هَذا واحِدٌ فاثْنِهِ، أيْ كُنْ ثانِيًا لَهُ، فالَّذِي يَطْوِي الشَّيْءَ يَجْعَلُ أحَدَ طاقَيْهِ ثانِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ؛ فَثَنْيُ الصُّدُورِ: إمالَتُها وحَنْيُها تَشْبِيهًا بِالطَّيِّ. ومَعْنى ذَلِكَ الطَّأْطَأةُ.
وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ الإجْراءَ عَلى حَقِيقَةِ ألْفاظِهِ مِنَ الثَّنْيِ والصُّدُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةٍ نَفْسِيَّةٍ بِهَيْئَةٍ حِسِّيَّةٍ.
فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ تَعْجِيبًا مِن جَهالَةِ أهْلِ الشِّرْكِ إذْ كانُوا يَقِيسُونَ صِفاتَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى صِفاتِ النّاسِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَطَّلِعُ عَلى ما يَحْجُبُونَهُ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ أحَدَهم يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي السِّتْرَ عَلَيْهِ ويَسْتَغْشِي ثَوْبَهُ ويَحْنِي ظَهْرَهُ ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي ؟ وذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ.
فَفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرَيْشِيّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا. وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]
وجَمِيعُ أخْطاءِ أهْلِ الضَّلالَةِ في الجاهِلِيَّةِ والأدْيانِ الماضِيَةِ تَسْرِي إلى عُقُولِهِمْ مِنَ النَّظَرِ السَّقِيمِ، والأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ، وتَقْدِيرِ الحَقائِقِ العالِيَةِ بِمَقادِيرَ مُتَعارَفِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، وقِياسُ الغائِبِ عَلى المُشاهَدِ. وقَدْ ضَلَّ كَثِيرٌ مِن فَرْقِ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ المَسالِكِ لَوْلا أنَّهم يَنْتَهُونَ إلى مَعْلُوماتٍ ضَرُورِيَّةٍ مِنَ الدِّينِ تَعْصِمُهم عِنْدَ الغايَةِ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الإسْلامِ وقَدْ جاءَ بَعْضُهم وأوْشَكَ أنْ يَقَعَ.
صفحة ٣٢٢
وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَهو تَمْثِيلٌ لِحالَةِ إضْمارِهِمْ العَداوَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ في نُفُوسِهِمْ وتَمْوِيهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحالِ مَن يُثْنِي صَدْرَهُ لِيُخْفِيَهُ ومَن يَسْتَغْشِي ثَوْبَهُ عَلى ما يُرِيدُ أنْ يَسْتُرَهُ بِهِ. وهَذا الِاحْتِمالُ لا يُناسِبُ كَوْنَ الآيَةِ مَكِّيَّةً إذْ لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ بِمُصانِعَيْنِ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وتَأْوِيلُها بِإرادَةِ أهْلِ النِّفاقِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً. وهَذا نَقَلَهُ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِي أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زَهْرَةَ وكانَ رَجُلًا حُلْوَ المَنطِقِ، وكانَ يُظْهِرُ المَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو مُنْطَوٍ عَلى عَداوَتِهِ، أيْ عَداوَةِ الدِّينِ، فَضَرَبَ اللَّهُ ثَنْيَ الصُّدُورِ مَثَلًا لِإضْمارِهِ بُغْضَ النَّبِيءِ ﷺ . فَهو تَمْثِيلٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ. وصِيغَةُ الجَمْعِ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةٍ واحِدَةٍ لِقَصْدِ إبْهامِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قِيلَ فَإنَّهُ هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ.
ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: كانَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَسْتَخْفُونَ أنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ وأنْ يُجامِعُوا نِساءَهم فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ الآيَةِ ولا اتِّساقَ الضَّمائِرِ. فَلَعَلَّ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ تَنْطَبِقُ عَلى صَنِيعِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ فِعْلُهم هو سَبَبُ نُزُولِها. واعْلَمْ أنَّ شَأْنَ دَعْوَةِ الحَقِّ أنْ لا تَذْهَبَ باطِلًا حَتّى عِنْدَ مَن لَمْ يُصَدِّقُوا بِها ولَمْ يَتَّبِعُوها، فَإنَّها تَلْفِتُ عُقُولَهم إلى فَرْضِ صِدْقِها أوِ الِاسْتِعْدادِ إلى دَفْعِها، وكُلُّ ذَلِكَ يُثِيرُ حَقِيقَتَها ويُشِيعُ دِراسَتَها. وكَمْ مِن مُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ حَقٍّ ما وسِعَهم إلّا التَّحَفُّزُ لِشَأْنِها والإفاقَةُ مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْها. وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُشْرِكِينَ حِينَ سَمِعُوا دَعْوَةَ القُرْآنِ إذْ أخَذُوا يَتَدَبَّرُونَ وسائِلَ مُقاوَمَتِها ونَقْضِها والتَّفَهُّمِ في مَعانِيها لِإيجادِ دَفْعِها، كَحالِ العاصِي بْنِ وائِلٍ قالَ لِخِبابِ بْنِ الأرَتِّ حِينَ تَقاضاهُ أجْرَ سَيْفٍ صَنَعَهُ فَقالَ لَهُ: لا أقْضِيَكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِهِ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ. فَقالَ العاصِي لَهُ: إذا أحْيانِي اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِي فَسَيَكُونُ لِي مالٌ فَأقْضِيكَ مِنهُ. فَنَزَلَ
صفحة ٣٢٣
فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] . وهَذا مِن سُوءِ فَهْمِهِ لِمَعْنى البَعْثِ وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ يُعادُ لِما كانَ حالُهُ في الدُّنْيا مِن أهْلٍ ومالٍ.
والِاسْتِخْفاءُ: الِاخْتِفاءُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَجابَ واسْتَأْخَرَ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إتْمامًا لِجُمْلَةِ ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ مُتَّصِلَةً بِها فَيَكُونُ حَرْفُ ألا الثّانِي تَأْكِيدًا لِنَظِيرِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ الخَيْرِ، فَيَتَعَلَّقُ ظَرْفُ حِينَ بِفِعْلِ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ويَتَنازَعُهُ مَعَ فِعْلِ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ وتَكُونُ الحالَةُ المَوْصُوفَةُ حالَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً مِن ثَنْيِ الصُّدُورِ واسْتِغْشاءِ الثِّيابِ.
والِاسْتِغْشاءُ: التَّغَشِّي بِما يُغَشِّي، أيْ يَسْتُرُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، ومِثْلُ اسْتَجابَ.
وزِيادَةُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عِلْمِهِ بِالخَفِيّاتِ دُونَ الظّاهِرِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ نَتِيجَةٌ وتَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أيْ يُعْلَمُ سِرَّهم وجَهْرَهم لِأنَّهُ شَدِيدُ العِلْمِ بِالخَفِيِّ في النُّفُوسِ وهو يَعْلَمُ الجَهْرَ بِالأوْلى.
فَذاتُ الصُّدُورِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ: عَلِيمٌ أيِ الأشْياءَ الَّتِي هي صاحِبَةُ الصُّدُورِ.
وكَلِمَةُ ذاتِ مُؤَنَّثُ ذُو يُتَوَصَّلُ بِها إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] في سُورَةِ الأنْفالِ.
والصُّدُورُ مُرادٌ بِها النُّفُوسُ لِأنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الحَواسِّ الباطِنِيَّةِ بِالصَّدْرِ.
صفحة ٣٢٤
واخْتِيارُ مِثالِ المُبالَغَةِ وهو عَلِيمٌ لِاسْتِقْصاءِ التَّعْبِيرِ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِكُلِّ ما تَسَعُهُ اللُّغَةُ المَوْضُوعَةُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ فَتَقْصُرُ عَنْ ألْفاظٍ تُعَبِّرُ عَنِ الحَقائِقِ العالِيَةِ بِغَيْرِ طَرِيقَةِ اسْتِيعابِ ما يَصْلُحُ مِنَ المُعَبِّراتِ لِتَحْصِيلِ تَقْرِيبِ المَعْنى المَقْصُودِ.
وذاتُ الصُّدُورِ: الأشْياءُ المُسْتَقِرَّةُ في النُّفُوسِ الَّتِي لا تَعْدُوها. فَأُضِيفَتْ إلَيْها.
11:6Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
صفحة ٥
﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتاب مُبِينٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] . والتَّقْدِيرُ: وما مِن دابَّةٍ إلّا يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها، وإنَّما نُظِمَ الكَلامُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ تَفَنُّنًا لِإفادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ بِالنَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِـ مِن، ولِإدْماجِ تَعْمِيمِ رِزْقِ اللَّهِ كُلَّ دابَّةٍ في الأرْضِ في أثْناءِ إفادَةِ عُمُومِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ كُلِّ دابَّةٍ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ الفِعْلُ المَعْطُوفُ لِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ رازِقُ الدَّوابِّ الَّتِي لا حِيلَةَ لَها في الِاكْتِسابِ اسْتِدْلالًا عَلى أنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِها، فَإنَّ كَوْنَهُ رازِقًا لِلدَّوابِّ قَضِيَّةٌ مِنَ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ عُمُومِ البَشَرِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ رِزْقُ اللَّهِ إيّاها دَلِيلًا عَلى عِلْمِهِ بِما تَحْتاجُهُ.
والدّابَّةُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما يَدِبُّ أيْ يَمْشِي عَلى الأرْضِ غَيْرِ الإنْسانِ.
وزِيادَةُ في الأرْضِ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى دابَّةٍ في التَّنْصِيصِ عَلى أنَّ العُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ التّابِعِ لِعُمُومِ الذَّواتِ والمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ رِزْقِها الَّذِي هو مِن أحْوالِها.
وتَقْدِيمُ عَلى اللَّهِ قَبْلَ مُتَعَلِّقِهِ وهو رِزْقُها لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، ولِإفادَةِ تَرْكِيبِ عَلى اللَّهِ رِزْقُها مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِرِزْقِها ولَمْ
صفحة ٦
يُهْمِلْهُ؛ لِأنَّ عَلى تَدُلُّ عَلى اللُّزُومِ والمَحْقُوقِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ لا يُلْزِمُهُ أحَدٌ شَيْئًا، فَما أفادَ مَعْنى اللُّزُومِ فَإنَّما هو التِزامُهُ بِنَفْسِهِ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ لَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ [يونس: ١٠٣]
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ رِزْقُ الدَّوابِّ في ظاهِرِ ما يَبْدُو لِلنّاسِ أنَّهُ رِزْقٌ مِن أصْحابِ الدَّوابِّ ومَن يُرَبُّونَها، أيْ رِزْقُها عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، فالمُسْتَثْنى هو الكَوْنُ عَلى اللَّهِ والمُسْتَثْنى مِنهُ مُطْلَقُ الكَوْنِ مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّهُ رَزّاقٌ فَحَصْرُ الرِّزْقِ في الكَوْنِ عَلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في العُرْفِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ مُسَبِّبٌ ذَلِكَ الرِّزْقَ ومُقَدِّرُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِثْناءِ لا عَلى المُسْتَثْنى، أيْ واللَّهُ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّ كُلِّ دابَّةٍ ومُسْتَوْدَعِها. فَلَيْسَ حُكْمُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِداخِلٍ في حَيِّزِ الحَصْرِ.
والمُسْتَقَرُّ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِها. والمُسْتَوْدَعُ: مَحَلُّ الإيداعِ، والإيداعُ: الوَضْعُ والدَّخَرُ. والمُرادُ بِهِ مُسْتَوْدَعُها في الرَّحِمِ قَبْلَ بُرُوزِها إلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينِ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ اخْتِصارٌ، أيْ كُلُّ رِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها في كِتابٍ مُبِينٍ، أيْ كِتابَةٍ، فالكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم. وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَقْدِيرِ العِلْمِ وتَحْقِيقِهِ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نُقْصانًا ولا تَخَلُّفًا. كَما أنَّ الكِتابَةَ يُقْصَدُ مِنها أنْ لا يُزادَ في الأمْرِ ولا يُنْقَصَ ولا يُبْطَلَ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُ ضُ ما في المَهارِقِ الأهْـواءُ
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلِ أبانَ بِمَعْنى أظْهَرَ، وهو تَخْيِيلٌ لِاسْتِعارَةِ الكِتابِ لِلتَّقْدِيرِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَن يُطالِعُهُ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وقَدَرَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences