Ibn 'AshurAl‑Haqqah · 69:1–10

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الحاقة

Al-Haqqah

The Reality · Meccan · 52 ayahs

69:1–3Page 566

ٱلۡحَآقَّةُ ١

The Inevitable Reality -

مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢

What is the Inevitable Reality?

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣

And what can make you know what is the Inevitable Reality?

﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾

الحاقَّةُ صِيغَةُ فاعِلٍ مِن: حَقَّ الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ وُقُوعُهُ، والهاءُ فِيها لا تَخْلُو عَنْ

صفحة ١١٢

أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ فَتَكُونُ الحاقَّةُ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ، أوْ أنْ تَكُونَ هاءَ مَصْدَرٍ عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مِثْلَ الكاذِبَةِ لِلْكَذِبِ، والخاتِمَةِ لِلْخَتْمِ، والباقِيَةِ لِلْبَقاءِ، والطّاغِيَةِ لِلطُّغْيانِ، والنّافِلَةِ، والخاطِئَةِ، وأصْلُها تاءُ المَرَّةِ، ولَكِنَّها لَمّا أُرِيدَ المَصْدَرُ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ المَرَّةِ مِثْلُ كَثِيرٍ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ غَيْرَ ما أُرِيدَ بِهِ المَرَّةُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ضَرْبَةُ لازِبٍ. فالحاقَّةُ إذَنْ بِمَعْنى الحَقِّ كَما يُقالُ ”مِن حاقِّ كَذا“، أيْ مِن حَقِّهِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحاقَّةِ المَعْنى الوَصْفِيَّ، أيْ حادِثَةٌ تَحِقُّ أوْ حَقٌّ يَحِقُّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها لَقَبًا لِيَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ يَوْمٌ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ، كَما قالَ تَعالى﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧]، أوْ لِأنَّهُ تَحِقُّ فِيهِ الحُقُوقُ ولا يُضاعُ الجَزاءُ عَلَيْها، قالَ تَعالى ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] وقالَ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وإيثارُ هَذِهِ المادَّةِ وهَذِهِ الصِّيغَةِ يَسْمَحُ بِانْدِراجِ مَعانٍ صالِحَةٍ بِهَذا المَقامِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السّامِعِينَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِن مَذاهِبِ الهَوْلِ والتَّخْوِيفِ بِما يَحِقُّ حُلُولُهُ بِهِمْ.

فَيَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الحاقَّةُ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: السّاعَةُ الحاقَّةُ، أوِ الواقِعَةُ الحاقَّةُ، فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِيَوْمٍ أوْ وقْعَةٍ يَكُونُ فِيها عِقابٌ شَدِيدٌ لِلْمُعَرَّضِ بِهِمْ مِثْلُ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ وقْعَتِهِ وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لا رَيْبَ في وُقُوعِهِ، أوْ وصْفًا لِلْكَلِمَةِ، أيْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي حَقَّتْ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَ تَعالى (وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ)، أوِ الَّتِي حَقَّتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحَقِّ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِيَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] أوْ وصْفا لِلْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أوْ أُرِيدَ بِهِ الحَقُّ كُلُّهُ مِمّا جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الحَقِّ قالَ تَعالى

صفحة ١١٣

﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] وقالَ ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] .

وافْتِتاحُ السُّورَةِ بِهَذا اللَّفْظِ تَرْوِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

و(الحاقَّةُ) مُبْتَدَأٌ و(ما) مُبْتَدَأٌ ثانٍ. و(الحاقَّةُ) المَذْكُورَةُ ثانِيًا خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الثّانِي وخَبَرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ.

و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدْرِي ما الحاقَّةُ ؟ أيْ ما هي الحاقَّةُ ؟، أيْ شَيْءٌ عَظِيمٌ الحاقَّةُ. وإعادَةُ اسْمِ المُبْتَدَأِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ تَقُومُ مَقامَ ضَمِيرِهِ في رَبْطِ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها. وهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ ما في الاسْمِ مِنَ التَّهْوِيلِ. ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] .

وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ .

و(ما) الثّانِيَةُ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والاسْتِفْهامُ بِها مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعَذُّرِ إحاطَةِ عِلْمِ النّاسِ بِكُنْهِ الحاقَّةِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الخارِجَ عَنِ الحَدِّ المَأْلُوفِ لا يُتَصَوَّرُ بِسُهُولَةٍ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يُتَساءَلَ عَنْ فَهْمِهِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. والمَعْنى: الحاقَّةُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا تُدْرِكُونَ كُنْهَهُ.

وتَرْكِيبُ (ما أدْراكَ كَذا) مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَلا يُغَيَّرُ عَنْ هَذا اللَّفْظِ وهو تَرْكِيبٌ مُرَكَّبٌ مِن (ما) الاسْتِفْهامِيَّةِ وفِعْلِ (أدْرى) الَّذِي يَتَعَدّى بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ مِن بابِ أعْلَمَ وأرى، فَصارَ فاعِلُ فِعْلِهِ المُجَرَّدِ وهو (دَرى) مَفْعُولًا أوَّلًا بِسَبَبِ التَّعْدِيَةِ. وقَدْ عُلِّقَ فِعْلُ (أدْراكَ) عَنْ نَصْبِ مَفْعُولَيْنِ بِ (ما) الاسْتِفْهامِيَّةِ الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ . وأصْلُ الكَلامِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ بِالاسْتِفْهامِ أنْ تَقُولَ: أدْرَكْتُ الحاقَّةَ أمْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ صارَ أدْرَكَنِي فُلانٌ الحاقَّةَ أمْرًا عَظِيمًا.

و(ما) الأُولى اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ

صفحة ١١٤

فِي الحَرْفِ؛ لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فَصارَ التَّعْظِيمُ والاسْتِفْهامُ مُتَلازِمَيْنِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الاسْتِفْهامَ إنْكارِيًّا، أيْ لا يَدْرِي أحَدٌ كُنْهَ هَذا الأمْرِ.

والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ عَلى كِلا الاعْتِبارَيْنِ هو التَّهْوِيلُ.

هَذا السُّؤالُ كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ يُسافِرُ فُلانٌ ؟

و(ما) الثّالِثَةُ عَلَّقَتْ فِعْلَ (أدْراكَ) عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ.

وكافُ الخِطابِ فِيهِ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلِذَلِكَ لا يَقْتَرِنُ بِضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ أوْ تَأْنِيثٍ إذا خُوطِبَ بِهِ غَيْرُ المُفْرَدِ المُذَكَّرِ.

واسْتِعْمالُ (ما أدْراكَ) غَيْرُ اسْتِعْمالِ (ما يُدْرِيكَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] في سُورَةِ الشُّورى.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ (ما أدْراكَ) فَقَدْ أدْراهُ وكُلُّ شَيْءٍ مِن قَوْلِهِ (وما يُدْرِيكَ) فَقَدْ طُوِيَ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وعَنْ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ فَإنْ صَحَّ هَذا المَرْوِيُّ فَإنَّ مُرادَهم أنَّ مَفْعُولَ (ما أدْراكَ) مُحَقَّقُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الاسْتِفْهامَ فِيهِ لِلتَّهْوِيلِ وأنَّ مَفْعُولَ (ما يُدْرِيكَ) غَيْرُ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الاسْتِفْهامَ فِيهِ لِلْإنْكارِ وهو في مَعْنى نَفْيِ الدِّرايَةِ.

وقالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ في القُرْآنِ (وما أدْراكَ) فَقَدْ عُقِّبَ بِبَيانِهِ نَحْوُ ﴿وما أدْراكَ ما هِيهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠]، ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩]، ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤] . وكَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

ولَمْ أرَ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَن وفّى هَذا التَّرْكِيبَ حَقَّهُ مِنَ البَيانِ وبَعْضُهم لَمْ يَذْكُرْهُ أصْلًا.

69:4Page 566

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤

Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] نِهايَةَ كَلامٍ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ

صفحة ١١٥

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ وما اتَّصَلَ بِهِ اسْتِئْنافٌ، وهو تَذْكِيرٌ لِما حَلَّ بِثَمُودَ وعادٍ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِتَهْدِيدِهِمْ أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ مِثْلُ ما حَلَّ بِثَمُودَ وعادٍ فَإنَّهم سَواءٌ في التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ (الحاقَّةُ) إلَخْ تَوْطِئَةً لَهُ وتَمْهِيدًا لِهَذِهِ المَوْعِظَةِ العَظِيمَةِ اسْتِرْهابًا لِنُفُوسِ السّامِعِينَ.

وإنْ جَعَلْتَ الكَلامَ مُتَّصِلًا بِجُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ وعَيَّنْتَ لَفْظَ (الحاقَّةُ) لِيَوْمِ القِيامَةِ وكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثالِثًا عَنِ (الحاقَّةُ) .

والمَعْنى: الحاقَّةُ كَذَّبَتْ بِها ثَمُودُ وعادٌ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ (الحاقَّةُ) فَيُقالُ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِها، فَعَدَلَ إلى إظْهارِ اسْمِ (القارِعَةِ) لِأنَّ (القارِعَةِ) مُرادِفَةُ (الحاقَّةُ) في أحَدِ مَحْمَلَيْ لَفْظِ (الحاقَّةُ) وهَذا كالبَيانِ لِلتَّهْوِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] .

و(القارِعَةِ) مُرادٌ مِنها ما أُرِيدَ بِ (الحاقَّةُ) .

وابْتُدِئَ بِثَمُودَ وعادٍ في الذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ؛ لِأنَّهُما أكْثَرُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ شُهْرَةً عِنْدَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّهُما مِنَ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ؛ ولِأنَّ دِيارَهُما مُجاوِرَةٌ شَمالًا وجَنُوبًا.

والقارِعَةُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن قَرَعَهُ، إذا ضَرَبَهُ ضَرْبًا قَوِيًّا، يُقالُ: قَرَعَ البَعِيرَ. وقالُوا: العَبْدُ يُقْرَعُ بِالعَصا، وسُمِّيَتِ المَواعِظُ الَّتِي تَنْكَسِرُ لَها النَّفْسُ قَوارِعَ لِما فِيها مِن زَجْرِ النّاسِ عَنْ أعْمالٍ. وفي المَقامَةِ الأُولى ”ويَقْرَعُ الأسْماعَ بِزَواجِرِ وعْظِهِ“، ويُقالُ لِلتَّوْبِيخِ تَقْرِيعٌ، وفي المَثَلِ ”لا تُقْرَعُ لَهُ العَصا ولا يُقَلْقَلُ لَهُ الحَصا“ ومَوْرِدُهُ في عامِرِ بْنِ الظَّرِبِ العَدَوانِيِّ في قِصَّةٍ أشارَ إلَيْها المُتَلَمِّسُ في بَيْتٍ.

فِ (القارِعَةُ) هُنا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ لَفْظُهُ مُؤَنَّثًا لِيُوافِقَ وصْفَهُ المَذْكُورَ نَحْوُ السّاعَةِ أوِ القِيامَةِ. القارِعَةُ: أيِ الَّتِي تُصِيبُ النّاسَ بِالأهْوالِ والأفْزاعِ، أوِ الَّتِي تُصِيبُ المَوْجُوداتِ بِالقَرْعِ مِثْلُ دَكِّ الجِبالِ، وخَسْفِ الأرْضِ، وطَمْسِ النُّجُومِ، وكُسُوفِ الشَّمْسِ كُسُوفًا لا انْجِلاءَ لَهُ فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِالقَرْعِ.

ووَصْفُ السّاعَةِ أوِ القِيامَةِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الوَصْفِ إلى غَيْرِ ما هو لَهُ بِتَأوُّلٍ لِمُلابَسَتِهِ ما هو لَهُ؛ إذْ هي زَمانُ القَرْعِ قالَ تَعالى

صفحة ١١٦

﴿القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] الآيَةَ. وهي ما سَيَأْتِي بَيانُها في قَوْلِهِ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] الآياتِ.

وجِيءَ في الخَبَرِ عَنْ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ بِطَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ؛ لِأنَّهُما اجْتَمَعَتا في مُوجِبِ العُقُوبَةِ ثُمَّ فُصِّلَ ذِكْرُ عَذابِهِما.

69:5Page 566

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥

So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].

﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ابْتُدِئَ بِذِكْرِ ثَمُودَ؛ لِأنَّ العَذابَ الَّذِي أصابَهم مِن قَبِيلِ القَرْعِ إذْ أصابَتْهُمُ الصَّواعِقُ المُسَمّاةُ في بَعْضِ الآياتِ بِالصَّيْحَةِ. والطّاغِيَةُ: الصّاعِقَةُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ صاعِقَةٌ أوْ صَواعِقٌ فَأهْلَكَتْهم؛ ولِأنَّ مَنازِلَ ثَمُودَ كانَتْ في طَرِيقِ أهْلِ مَكَّةَ إلى الشّامِ في رِحْلَتِهِمْ فَهم يَرَوْنَها، قالَ تَعالى ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]؛ ولِأنَّ الكَلامَ عَلى مَهْلِكِ عادٍ أنْسَبُ فَأُخِّرَ لِذَلِكَ أيْضًا.

وإنَّما سُمِّيَتِ الصّاعِقَةُ أوِ الصَّيْحَةُ بِالطّاغِيَةِ؛ لِأنَّها كانَتْ مُتَجاوِزَةً الحالَ المُتَعارَفَ في الشِّدَّةِ فَشُبِّهَ فِعْلُها بِفِعْلِ الطّاغِي المُتَجاوِزِ الحَدَّ في العُدْوانِ والبَطْشِ.

والباءُ في قَوْلِ (بِالطّاغِيَةِ) لِلْاسْتِعانَةِ.

وثَمُودُ: أُمَّةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ العارِبَةِ، وهم أنْسابُ عادٍ. وثَمُودُ: اسْمُ جَدِّ تِلْكَ الأُمَّةِ ولَكِنْ غَلَبَ عَلى الأُمَّةِ فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ الأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.

69:6–7Page 566

وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦

And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind

سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧

Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.

﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ الصَّرْصَرُ: الشَّدِيدَةُ يَكُونُ لَها صَوْتٌ كالصَّرِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. والعاتِيَةُ: الشَّدِيدَةُ العَصْفِ، وأصْلُ العُتُوِّ والعُتِيِّ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ فاسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ المُتَجاوِزِ الحَدَّ المُعْتادَ تَشْبِيهًا بِالتَّكَبُّرِ الشَّدِيدِ في عَدَمِ الطّاعَةِ والجَرْيِ عَلى المُعْتادِ.

صفحة ١١٧

والتَّسْخِيرُ: الغَصْبُ عَلى عَمَلٍ واسْتُعِيرَ لِتَكْوِينِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ تَكْوِينًا مُتَجاوِزًا المُتَعارَفَ في قُوَّةِ جِنْسِها فَكَأنَّها مُكْرَهَةٌ عَلَيْهِ.

وعُلِّقَ بِهِ (عَلَيْهِمْ) لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أرْسَلَها.

و(حُسُومًا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حاسِمٍ مِثْلُ قُعُودٍ جَمْعُ قاعِدٍ، وشُهُودٍ جَمْعُ شاهِدٍ، غُلِّبَ فِيهِ الأيّامُ عَلى اللَّيالِي؛ لِأنَّها أكْثَرُ عَدَدًا إذْ هي ثَمانِيَةُ أيّامٍ وهَذا لَهُ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ المَعْنى: يُتابِعُ بَعْضُها بَعْضًا، أيْ لا فَصْلَ بَيْنِها كَما يُقالُ: صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ زُرارَةَ الكِلابِيُّ:

فَفَرَّقَ بَيْنَ بَيْنِهِمُ زَمانٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامٌ حُسُومُ

قِيلَ: والحُسُومُ مُشْتَقٌّ مِن حَسْمِ الدّاءِ بِالمِكْواةِ إذْ يُكْوى ويُتابَعُ الكَيُّ أيّامًا، فَيَكُونُ إطْلاقُهُ اسْتِعارَةً، ولَعَلَّها مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وبَيْتُ عَبْدِ العَزِيزِ الكِلابِيِّ مِنَ الشِّعْرِ الإسْلامِيِّ فَهو مُتابِعٌ لِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ.

المَعْنى الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ الحَسْمِ وهو القَطْعُ، أيْ حاسِمَةً مُسْتَأْصِلَةً. ومِنهُ سُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا؛ لِأنَّهُ يَقْطَعُ، أيْ حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ فَهو صِفَةٌ لِ ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ أوْ حالٌ مِنها.

المَعْنى الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حُسُومٌ مَصْدَرًا كالشُّكُورِ والدُّخُولِ فَيَنْتَصِبُ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وعامِلُهُ (سَخَّرَها)، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لْاسْتِئْصالِهِمْ وقَطْعِ دابِرِهِمْ.

وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحٌ لِأنْ يُذْكَرَ مَعَ هَذِهِ الأيّامِ، فَإيثارُ هَذا اللَّفْظِ مِن تَمامِ بَلاغَةِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ.

وقَدْ سَمّى أصْحابُ المِيقاتِ مِنَ المُسْلِمِينَ أيّامًا ثَمانِيَةً مُنَصَّفَةً بَيْنَ أواخِرِ فَبْرايِرَ وأوائِلِ مارِسَ مَعْرُوفَةٌ في عادَةِ نِظامِ الجَوِّ بِأنْ تَشْتَدَّ فِيها الرِّياحُ غالِبًا، أيّامَ الحُسُومِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ، وزَعَمُوا أنَّها تُقابِلُ أمْثالَها مِنَ العامِ الَّذِي أُصِيبَتْ فِيهِ عادٌ بِالرِّياحِ، وهو مِنَ الأوْهامِ، ومَن ذا الَّذِي رَصَدَ تِلْكَ الأيّامَ.

صفحة ١١٨

ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن زَعَمَ أنَّ أيّامَ الحُسُومِ هي الأيّامُ الَّتِي يُقالُ لَها: أيّامُ العَجُوزِ أوِ العَجُزِ، وهي آخِرُ فَصْلِ الشِّتاءِ ويَعُدُّها العَرَبُ خَمْسَةً أوْ سَبْعَةً لَها أسْماءٌ مَعْرُوفَةٌ مَجْمُوعَةٌ في أبْياتٍ تُذْكَرُ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ حُسُومِ عادٍ في العُدَّةِ والمُدَّةِ.

وفُرِّعَ عَلى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم صارُوا صَرْعى كُلُّهم يَراهُمُ الرّائِي لَوْ كانَ حاضِرًا تِلْكَ الحالَةَ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ (فَتَرى) خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ فَيَرى الرّائِي لَوْ كانَ راءٍ، وهَذا أُسْلُوبٌ في حِكايَةِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الغائِبَةِ تُسْتَحْضَرُ فِيهِ تِلْكَ الحالَةُ كَأنَّها حاضِرَةً ويُتَخَيَّلُ في المَقامِ سامِعٌ حاضِرٌ شاهَدَ مَهْلَكَهم أوْ شاهَدَهم بَعْدَهُ، وكِلا المُشاهَدَتَيْنِ مُنْتَفٍ في هَذِهِ الآيَةِ، فَيُعْتَبَرُ خِطابًا فَرْضِيًّا فَلَيْسَ هو بِالتِفاتٍ ولا هو مِن خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقَوْلُهُ ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وعَلى دِقَّةِ هَذا الاسْتِعْمالِ أهْمَلَ المُفَسِّرُونَ التَّعَرُّضَ لَهُ عَدا كَلِمَةً لِلْبَيْضاوِيِّ.

والتَّعْرِيفُ في (القَوْمَ) لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، والقَوْمُ: القَبِيلَةُ، وهَذا تَصْوِيرٌ لِهَلاكِ جَمِيعِ القَبِيلَةِ.

وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى اللَّيالِي والأيّامِ.

وصَرْعى: جَمْعُ صَرِيعٍ وهو المُلْقى عَلى الأرْضِ مَيِّتًا، وشُبِّهُوا بِأعْجازِ نَخْلٍ، أيْ أُصُولِ النَّخْلِ، وعَجُزُ النَّخْلَةِ: هو السّاقُ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالأرْضِ مِنَ النَّخْلَةِ وهو أغْلَظُ النَّخْلَةِ وأشَدُّها.

ووَجْهُ التَّشْبِيهِ بِها أنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ النَّخْلَ إذا قَطَعُوهُ لِلْانْتِفاعِ بِأعْوادِهِ في إقامَةِ البُيُوتِ لِلسَّقْفِ والعِضاداتِ انْتَقُوا مِنهُ أُصُولَهُ لِأنَّها أغْلَظُ وأمْلَأُ وتَرَكُوها عَلى الأرْضِ حَتّى تَيْبَسَ وتَزُولَ رُطُوبَتُها ثُمَّ يَجْعَلُوها عَمَدًا وأساطِينَ.

والنَّخْلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلَةٍ.

والخاوِي: الخالِي مِمّا كانَ مالِئًا لَهُ وحالّا فِيهِ.

صفحة ١١٩

وقَوْلُهُ (خاوِيَةٍ) مَجْرُورٌ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ (نَخْلٍ) .

ووَصْفُ (نَخْلٍ) بِأنَّها (خاوِيَةٌ) بِاعْتِبارِ إطْلاقِ اسْمِ النَّخْلِ عَلى مَكانِهِ بِتَأْوِيلِ الجَنَّةِ أوِ الحَدِيقَةِ، فَفِيهِ اسْتِخْدامٌ. والمَعْنى: خالِيَةٌ مِنَ النّاسِ. وهَذا الوَصْفُ لِتَشْوِيهِ المُشَبَّهِ بِهِ بِتَشْوِيهِ مَكانِهِ، ولا أثَرَ لَهُ في المُشابَهَةِ وأحْسَنُهُ ما كانَ فِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّشْبِيهِ كَما في الآيَةِ فَإنَّ لِهَذا الوَصْفِ وقْعًا في التَّنْفِيرِ مِن حالَتِهِمْ لِيُناسِبَ المَوْعِظَةَ والتَّحْذِيرَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ أسْبابِها، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

لَذاكَ أهْيَبُ عِنْدِي إذْ أُكَـلِّـمُـهُ ∗∗∗ وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَـسْئُولُ

مِن خادِرٍ مِن لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنَهُ ∗∗∗ مِن بَطْنٍ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِـيلُ

الأبْياتِ الأرْبَعَةَ، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَـهُ ∗∗∗ يَقْضِمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ

69:8Page 566

فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨

Then do you see of them any remains?

﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مَجْمُوعِ قِصَّتَيْ ثَمُودَ وعادٍ، فَهو فَذْلَكَةٌ لِما فُصِّلَ مِن حالِ إهْلاكِهِما، وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ، فَيَكُونُ في أوَّلِ الآيَةِ جَمْعٌ ثُمَّ تَفْرِيقٌ ثُمَّ جَمْعٌ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١])، أيْ فَما أبْقاهُما.

والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.

والباقِيَةُ: إمّا اسْمُ فاعِلٍ عَلى بابِهِ، والهاءُ: إمّا لِلتَّأْنِيثِ بِتَأْوِيلِ نَفْسٍ، أيْ فَما تُرى مِنهم نَفْسٌ باقِيَةٌ أوْ بِتَأْوِيلِ فِرْقَةٍ، أيْ ما تُرى فِرْقَةٌ مِنهم باقِيَةٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (باقِيَةٍ) مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الحاقَّةِ، أيْ فَما تَرى لَهم بَقاءً، أيْ هَلَكُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لَهم) يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ لِشِبْهِ المِلْكِ، أيْ باقِيَةٍ لِأجْلِ النَّفْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (مِن) مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ لَهُ صُراخًا، وقَوْلِ الأعْشى:

صفحة ١٢٠

نَسْمَعُ لِلْحُلِيِّ وِسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ كَما اسْتَعانَ بِرِيحٍ عِشْرَقٌ زَجِـلُ

وقَوْلِ جَرِيرٍ:

ونَحْنُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أفْضَلُ

أيْ ونَحْنُ مِنكم أفْضَلُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ الَّتِي تُنْوى في الإضافَةِ إذا لَمْ تَكُنِ الإضافَةُ عَلى مَعْنى (مِن) . والأصْلُ: فَهَلْ تَرى باقِيَّتَهم، فَلَمّا قَصَدَ التَّنْصِيصَ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ واقْتَضى ذَلِكَ جَلْبَ (مِن) الزّائِدَةِ لَزِمَ تَنْكِيرُ مَدْخُولِ (مِن) الزّائِدَةِ فَأُعْطِيَ حَقُّ مَعْنى الإضافَةِ بِإظْهارِ اللّامِ الَّتِي الشَّأْنُ أنْ تُنْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] فَإنَّ أصْلَهُ: عِبادُنا.

ومَوْقِعُ المَجْرُورِ بِاللّامِ في مَوْقِعِ النَّعْتِ لِ ”باقِيَةٍ“ قُدِّمَ عَلَيْها فَصارَ حالًا.

69:9–10Page 567

وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩

And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.

فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].

﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤] .

وقَدْ جُمِعَ في الذِّكْرِ هُنا عِدَّةُ أُمَمٍ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ بَعْثَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إجْمالًا وتَصْرِيحًا، وخَصَّ مِنهم بِالتَّصْرِيحِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ والمُؤْتَفِكاتِ لِأنَّهم مِن أشْهَرِ الأُمَمِ ذِكْرًا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِطِينَ بِالعَرَبِ والنّازِلِينَ بِجِوارِهِمْ، فَمِنَ العَرَبِ مَن يَبْلُغُهُ بَعْضَ الخَبَرِ عَنْ قِصَّتِهِمْ.

وفِي عَطْفِ هَؤُلاءِ عَلى ثَمُودَ وعادٍ في سِياقِ ذِكْرِ التَّكْذِيبِ بِالقارِعَةِ إيماءٌ إلى أنَّهم تَشابَهُوا في التَّكْذِيبِ بِالقارِعَةِ كَما تَشابَهُوا في المَجِيءِ بِالخاطِئَةِ وعِصْيانِ رُسُلِ رَبِّهِمْ فَحَصَلَ في الكَلامِ احْتِباكٌ.

والمُرادُ بِفِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مِنفِطاحُ الثّانِي. وإنَّما أُسْنِدَ الخِطْءُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مُوسى أُرْسِلَ إلَيْهِ لِيُطْلِقَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العُبُودِيَّةِ قالَ تَعالى ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] فَهو المُؤاخَذُ بِهَذا العِصْيانِ وتَبِعَهُ القِبْطُ امْتِثالًا لِأمْرِهِ وكَذَّبُوا مُوسى وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ.

صفحة ١٢١

وشَمِلَ قَوْلُهُ ﴿ومَن قَبْلَهُ﴾ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنها قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ إبْراهِيمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ومَن قَبْلَهُ﴾ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ ومَن كانَ مِن جِهَتِهِ، أيْ قَوْمُهُ وأتْباعُهُ.

والمُؤْتَفِكاتُ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ الثَّلاثُ، وأُرِيدَ بِالمُؤْتَفِكاتِ سُكّانُها وهم قَوْمُ لُوطٍ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ جَرِيمَتِهِمْ ولِكَوْنِهِمْ كانُوا مَشْهُورِينَ عِنْدَ العَرَبِ إذْ كانَتْ قُراهم في طَرِيقِهِمْ إلى الشّامِ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] وقالَ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ [الفرقان: ٤٠] .

ووُصِفَتْ قُرى قَوْمِ لُوطٍ بِ (المُؤْتَفِكاتُ) جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٌ اسْمُ فاعِلٍ ائْتَفَكَ مُطاوِعٌ أفَكَهُ، إذا قَلَبَهُ، فَهي المُنْقَلِباتُ، أيْ قَلَبَها قالَبٌ أيْ خَسَفَ بِها قالَ تَعالى ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] .

والخاطِئَةِ: إمّا مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فاعِلَةٍ وهاؤُهُ هاءُ المَرَّةِ الواحِدَةِ فَلَمّا اسْتُعْمِلَ مَصْدَرًا قَطَعَ النَّظَرَ عَنِ المَرَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (الحاقَّةُ) فَهو مَصْدَرٌ خَطِئَ، إذا أذْنَبَ. والذَّنْبُ: الخِطْءُ بِكَسْرِ الخاءِ، وأمّا اسْمُ فاعِلٍ خَطِئَ وتَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ: الفَعِلَةِ ذاتِ الخِطْءِ فَهاؤُهُ هاءُ تَأْنِيثٍ.

والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالمَعْنى: جاءَ كُلٌّ مِنهم بِالذَّنْبِ المُسْتَحَقِّ لِلْعِقابِ. وفُرِّعَ عَنْهُ تَفْصِيلُ ذَنْبِهِمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالخاطِئَةِ فَقالَ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وهَذا التَّفْرِيعُ لِلتَّفْصِيلِ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] في أنَّهُ تَفْرِيعُ بَيانٍ عَلى المُبَيَّنِ.

وضَمِيرُ عَصَوْا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِهِ رَأْسَ قَوْمِهِ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِ وإلى قَوْمِهِ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ فالأمْرُ أظْهَرُ وعَلى هَذا الاعْتِبارِ في مَحَلِّ ضَمِيرِ (عَصَوْا) يَكُونُ المُرادُ بِ ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وتَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ لِما في لَفْظِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَخْطِئَتِهِمْ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلَهًا لَهم.

صفحة ١٢٢

ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (عَصَوْا) إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ﴾ .

و﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ هو الرَّسُولُ المُرْسَلُ إلى كُلِّ قَوْمٍ مِن هَؤُلاءِ.

فَإفْرادُ (رَسُولَ) مُرادٌ بِهِ التَّوْزِيعُ عَلى الجَماعاتِ، أيْ رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ جَماعَةٍ مِنهم، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ، وهو أجْمَلُ نَظْمًا مِن أنْ يُقالَ: فَعَصَوْا رُسُلَ رَبِّهِمْ، لِما في إفْرادِ (رَسُولَ) مِنَ التَّفَنُّنِ في صِيَغِ الكَلِمِ مِن جَمْعٍ وإفْرادٍ تَفادِيًا مَعَ تَتابُعِ ثَلاثَةِ جُمُوعٍ؛ لِأنَّ صِيَغَ الجَمْعِ لا تَخْلُو مِن ثِقَلٍ لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِها، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا، وقَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وما بَعْدَهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.

والأخْذُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي مَواضِعَ أُخْرى.

و(أخْذَةً): واحِدَةٌ مِنَ الأخْذِ، فَيُرادُ بِها أخْذُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالغَرَقِ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]، وإذا أُعِيدَ ضَمِيرُ الغائِبِ إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ﴾ كانَ إفْرادُ الأخْذَةِ كَإفْرادِ ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾، أيْ أخَذْنا كُلَّ أُمَّةٍ مِنهم أخْذَةً.

والرّابِيَةُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ فَلَمّا صِيغَ مِنهُ وزْنُ فاعِلَةٍ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِوُقُوعِها مُتَحَرِّكَةً إثْرَ كَسْرَةٍ.

واسْتُعِيرَ الرُّبُوُّ هُنا لِلشِّدَّةِ كَما تُسْتَعارُ الكَثْرَةُ لِلشِّدَّةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] .

والمُرادُ بِالأخْذَةِ الرّابِيَةِ: إهْلاكُ الاسْتِئْصالِ، أيْ لَيْسَ في إهْلاكِهِمْ إبْقاءُ قَلِيلٍ مِنهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском