Ibn 'AshurAl‑Muzzammil · 73:1–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

المزمل

Al-Muzzammil

The Enshrouded One · Meccan · 20 ayahs

73:1–3Page 574

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ١

O you who wraps himself [in clothing],1

قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٢

Arise [to pray] the night, except for a little -

نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا ٣

Half of it - or subtract from it a little

﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوُ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] افْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا ولَمْ يَكُنْ بَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ مِن كَلامٍ.

والأصْلُ في النِّداءِ أنْ يَكُونَ بِاسْمِ المُنادى العَلَمِ إذا كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ فَلا يُعْدَلُ مِنَ الِاسْم العَلَمِ إلى غَيْرِهِ مِن وصْفٍ أوْ إضافَةٍ إلّا لِغَرَضٍ يَقْصِدُهُ البُلَغاءُ مِن تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ نَحْوَ (يا أيُّها النَّبِيءُ)، أوْ تَلَطُّفٍ وتَقَرُّبٍ نَحْوَ: يا بُنَيَّ ويا أبَتِ، أوْ قَصْدِ تَهَكُّمٍ نَحْوَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإذا نُودِيَ

صفحة ٢٥٦

المُنادى بِوَصْفِ هَيْئَتِهِ مِن لِبْسَةٍ أوْ جِلْسَةٍ أوْ ضِجْعَةٍ كانَ المَقْصُودُ في الغالِبِ التَّلَطُّفَ بِهِ والتَّحَبُّبَ إلَيْهِ ولِهَيْئَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وقَدْ وجَدَهُ مُضْطَجِعًا في المَسْجِدِ وقَدْ عَلَقَ تُرابُ المَسْجِدِ بِجَنْبِهِ «قُمْ أبا تُرابٍ» وقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ يَوْمَ الخَنْدَقِ «قُمْ يا نَوْمانُ» وقَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ الدَّوْسِيِّ وقَدْ رَآهُ حامِلًا هِرَّةً صَغِيرَةً في كُمِّهِ (يا أبا هُرَيْرَةَ) .

فَنِداءُ النَّبِيءِ بِـ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) نِداءُ تَلَطُّفٍ وارْتِفاقٍ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) .

والمُزَّمِّلُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن تَزَمَّلَ، إذا تَلَفَّفَ بِثَوْبِهِ كالمَقْرُورِ، أوْ مُرِيدِ النَّوْمِ، وهو مِثْلُ التَّدَثُّرِ في مَآلِ المَعْنى، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اخْتِلافٌ في أصْلِ الِاشْتِقاقِ، فالتَّزَمُّلُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى التَّلَفُّفِ، والتَّدَثُّرُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى اتِّخاذِ الدِّثارِ لِلتَّدَفُّؤِ. وأصْلُ التَّزَمُّلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّمْلِ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الإخْفاءُ، ولا يُعْرَفُ لِـ (تَزَمَّلَ) فِعْلٌ مُجَرَّدٌ في مَعْناهُ فَهو مِنَ التَّفَعُّلِ الَّذِي تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى التَّكَلُّفِ لِلْفِعْلِ، وأُرِيدَ في إطْلاقِهِ مَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ، وكَثُرَ مِثْلُ هَذا في الِاشْتِمالِ عَلى اللِّباسِ، فَمِنهُ التَّزَمُّلُ ومِنهُ التَّعَمُّمُ والتَّأزُّرُ والتَّقَمُّصُ، ورُبَّما صاغُوا لَهُ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مِثْلَ: ارْتَدى وائْتَزَرَ.

وأصْلُ المُزَّمِّلِ: المُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا لِتَقارُبِهِما.

وهَذا التَّزَمُّلُ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ قالَ الزُّهْرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّزَمُّلُ الَّذِي جَرى في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ ”«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» “ حِينَ نَزَلَ مِن غارِ حِراءَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآياتِ، كَما في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في ذَلِكَ الحَدِيثِ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَئِذٍ، وعَلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ.

وقِيلَ هو ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ - أيْ: صِفُوهُ وصْفًا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ النّاسُ - فَقالُوا: كاهِنٌ، وقالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، فَصَدَرَ المُشْرِكُونَ عَلى وصْفِهِ بِـ (ساحِرٍ) فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَحَزِنَ وتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر»: ١]) .

وسَيَأْتِي في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها رُؤْيَتُهُ المَلَكَ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ

صفحة ٢٥٧

السَّماءِ والأرْضِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ فَقالَ ”دَثِّرُونِي“ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ سَبَبَ نِدائِهِ بِـ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ كانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”زَمِّلُونِي“ فَذَلِكَ عِنْدَما اغْتَمَّ مِن وصْفِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ بِالجُنُونِ وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سَبَبِ نِدائِهِ بِـ (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.

وقِيلَ: هو تَزَمُّلٌ لِلِاسْتِعْدادِ لِلصَّلاةِ فَنُودِيَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ الضَّحّاكِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.

ومَحْمَلُها عَلى أنَّ التَّزَمُّلَ حَقِيقَةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ، يُرِيدُ أمْرَ النُّبُوءَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] تَحْرِيضًا عَلى اسْتِفْراغِ جُهْدِهِ في القِيامِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وهو ما يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنَ الهُجُوعِ فِيهِ. ومَحْمَلُ التَّزَمُّلِ عِنْدَهُ عَلى المَجازِ.

فَإذا كانَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَدْ أُنْزِلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنِ ابْتَدَأ رَسُولَهُ بِالوَحْيِ بِصَدْرِ سُورَةِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَةَ القَلَمِ لِدَحْضِ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فِيهِ الَّتِي دَبَّرَها الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ.

أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّلَطُّفَ بِهِ عَلى تَزَمُّلِهِ بِثِيابِهِ لِما اعْتَراهُ مِنَ الحُزْنِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ فَلَمّا رَأى المَلَكَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِحِراءَ تَدَثَّرَ مِن شِدَّةِ وقْعِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] .

فَنِداءُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ المُزَّمِّلِ بِاعْتِبارِ حالَتِهِ وقْتَ نِدائِهِ ولَيْسَ المُزَّمِّلُ مَعْدُودًا مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، قالَ السُّهَيْلِيُّ: ولَمْ يُعْرَفْ بِهِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى عَدِّهِ مِن أسْمائِهِ.

وفِعْلُ (قُمْ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ؛ لِأنَّ القِيامَ مُرادٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهَذا القِيامُ مُغايِرٌ لِلْقِيامِ المَأْمُورِ بِهِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِقَوْلِهِ (﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى الشُّرُوعِ كَما يَأْتِي هُنالِكَ.

واللَّيْلُ: زَمَنُ الظُّلْمَةِ مِن بَعْدِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ. وانْتَصَبَ اللَّيْلُ عَلى

صفحة ٢٥٨

الظَّرْفِيَّةِ فاقْتَضى الأمْرُ بِالصَّلاةِ في جَمِيعِ وقْتِ اللَّيْلِ، ويُعْلَمُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ قَضاءِ الضَّرُوراتِ مِن إغْفاءٍ بِالنَّوْمِ ونَحْوِهِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ.

وقِيامُ اللَّيْلِ لَقَبٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لِلصَّلاةِ فِيهِ ما عَدا صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ ورَواتِبِهِما.

وأمْرُ الرَّسُولِ بِقِيامِ اللَّيْلِ أمْرُ إيجابٍ وهو خاصٌّ بِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ وحْدَهُ مِثْلَ السُّوَرِ الَّتِي سَبَقَتْ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا قِيامُ اللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، قالَ الجُمْهُورُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ ولَعَلَّ حِكْمَةَ هَذا القِيامِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في صَدْرِ رِسالَتِهِ هو أنْ تَزْدادَ بِهِ سَرِيرَتُهُ زَكاءً يُقَوِّي اسْتِعْدادَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ حَتّى لا يُحْرِجَهُ الوَحْيُ كَما ضَغَطَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ «فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ قالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» الحَدِيثَ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .

وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قُبَيْلَ بَعْثَتِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالَّذِي ألْهَمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ يَجْدُرُ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِهِ بَعْدَ أنْ أوْحى إلَيْهِ فَلا يَبْقى فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ لِعِبادَةٍ، ولِهَذا نُرَجِّحُ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ فُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلَيْهِ وعَلى الأُمَّةِ.

وقَدِ اسْتَمَرَّ وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِكَثْرَةِ الإقْبالِ عَلى مُناجاةِ رَبِّهِ في وقْتِ فَراغِهِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وهو وقْتُ اللَّيْلِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أيْ: زِيادَةَ قُرْبٍ لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. فَكانَ هَذا حُكْمًا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ خَصائِصِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى غَيْرِهِ ولَمْ تُفْرَضْ عَلى المُسْلِمِينَ صَلاةٌ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِفِعْلِ النَّبِيءِ ﷺ وهو يُقِرُّهم عَلى ذَلِكَ فَكانُوا يَرَوْنَهُ لِزامًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ

صفحة ٢٥٩

قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ النَّبِيءُ وأصْحابُهُ، عَلى أنَّهُ لا خِلافَ في رَفْعِ فَرْضِ القِيامِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وتَقَرَّرَ أنَّهُ مَندُوبٌ فِيهِ. واخْتُلِفَ في اسْتِمْرارِ وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولا طائِلَ وراءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ أوْ عَدَمِهِ.

وقَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إيجابُ القِيامِ عَلَيْهِ بِأوْقاتِ اللَّيْلِ كُلِّها.

و(نِصْفَهُ) بَدَلٌ مِن (قَلِيلًا) بَدَلًا مُطابِقًا وهو تَبْيِينٌ لِإجْمالِ (قَلِيلًا) فَجَعَلَ القَلِيلَ هُنا النِّصْفَ أوْ أقَلَّ مِنهُ بِقَلِيلٍ.

وفائِدَةُ هَذا الإجْمالِ الإيماءُ إلى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ القِيامُ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ ورُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ أيْ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيامِ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ، وهو حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهو رُخْصَةٌ في الرُّخْصَةِ.

وقالَ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] وهو عَوْدٌ إلى التَّرْغِيبِ في أنْ تَكُونَ مُدَّةُ القِيامِ أكْثَرَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ (وزِدْ عَلَيْهِ) بِمِثْلِ ما قَيَّدَ بِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ لِتَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخَذَ بِالعَزِيمَةِ فَقامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، وقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَقالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .

والتَّخْيِيرُ المُسْتَفادُ مِن حَرْفِ (أوْ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَفاوُتِ اللَّيالِي بِالطُّولِ والقِصَرِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ ارْتِباطًا بِسَعَةِ النَّهارِ لِلْعَمَلِ ولِأخْذِ الحَظِّ الفائِتِ مِنَ النَّوْمِ.

وبَعْدُ، فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ القِيامِ، فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.

وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ اللَّيالِي، وأنَّ المَعْنى: إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيالِي، وهي اللَّيالِي الَّتِي يَكُونُ فِيها عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِن قِيامِها، أيْ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيالِي بِاعْتِبارِ جُزْئِيّاتِها لا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، ثُمَّ قالَ (نِصْفَهُ) إلى آخِرِهِ.

وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ النَّوْمِ عادَةً، فَأمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِيامِ فِيهِ زِيادَةٌ في إشْغالِ أوْقاتِهِ بِالإقْبالِ عَلى مُناجاةِ اللَّهِ، ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ سُكُونِ

صفحة ٢٦٠

الأصْواتِ واشْتِغالِ النّاسِ، فَتَكُونُ نَفْسُ القائِمِ فِيهِ أقْوى اسْتِعْدادًا لِتَلَقِّي الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ.

73:4Page 574

أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤

Or add to it, and recite the Qur’ān with measured recitation.

﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقِيامِ اللَّيْلِ، أيْ: رَتِّلْ قِراءَتَكَ في القِيامِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا مُسْتَقِلًّا بِكَيْفِيَّةِ قِراءَةِ القُرْآنِ جَرى ذِكْرُهُ بِمُناسَبَةِ الأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ القِراءَةَ في الصَّلاةِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ. وقَدْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ العَهْدِ بِنُزُولِ القُرْآنِ فَكانَ جُمْلَةُ القُرْآنِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سُورَتَيْنِ أوْ ثَلاثِ سُوَرٍ بِناءً عَلى أصَحِّ الأقْوالِ في أنَّ هَذا المِقْدارَ مِنَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ، وفي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، وهَذا مِمّا أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] أيْ: سَنُوحِي إلَيْكَ قُرْآنًا.

فَأمَرَ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ بِمَهَلٍ وتَبْيِينٍ.

والتَّرْتِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُرَتَّلًا، أيْ: مُفَرَّقًا، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، وهو المُفَلَّجُ الأسْنانِ، أيْ: المُفَرَّقُ بَيْنَ أسْنانِهِ تَفْرِيقًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لا تَكُونُ النَّواجِذُ مُتَلاصِقَةً. وأُرِيدَ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ تَرْتِيلُ قِراءَتِهِ، أيْ: التَّمَهُّلُ في النُّطْقِ بِحُرُوفِ القُرْآنِ حَتّى تَخْرُجَ مِنَ الفَمِ واضِحَةً مَعَ إشْباعِ الحَرَكاتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الإشْباعَ. ووَصَفَتْ عائِشَةُ التَّرْتِيلَ فَقالَتْ: لَوْ أرادَ السّامِعُ أنَّ يَعُدَّ حُرُوفَهُ لَعَدَّها لا كَسَرْدِكم هَذا.

وفائِدَةُ هَذا أنْ يَرْسَخَ حِفْظَهُ ويَتَلَقّاهُ السّامِعُونَ فَيَعْلَقَ بِحَوافِظِهِمْ، ويَتَدَبَّرَ قارِئُهُ وسامِعُهُ مَعانِيَهُ كَيْ لا يَسْبِقَ لَفْظُ اللِّسانِ عَمَلَ الفَهْمِ. قالَ قائِلٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ في لَيْلَةٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؛؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أنْشَدُوا القَصِيدَةَ أسْرَعُوا لِيَظْهَرَ مِيزانُ بَحْرِها، وتَتَعاقَبَ قَوافِيها عَلى الأسْماعِ. والهَذُّ: إسْراعُ القَطْعِ.

وأُكِّدَ هَذا الأمْرُ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ صِفَةِ التَّرْتِيلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوُ انْقُصْ) بِضَمِّ الواوِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ عِنْدَ سُقُوطِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، حَرَّكُوا الواوَ بِضَمَّةٍ لِمُناسَبَةِ ضَمَّةِ قافِ (انْقُصْ) بَعْدَها. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ بِكَسْرِ الواوِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

صفحة ٢٦١

ووَقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ﴾ إذا شَبَّعَتْ فَتْحَةَ نُونِ القُرْآنِ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ بِأنْ يَكُونَ مِصْراعًا مِن بَحْرِ الكامِلِ أحَذَّ دَخَلَهُ الإضْمارُ مَرَّتَيْنِ.

73:5Page 574

إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥

Indeed, We will cast upon you a heavy word.1

﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ (قُمِ اللَّيْلَ) وجُمْلَةِ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾ [المزمل: ٦]، وهو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِحِكْمَةِ الأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ بِأنَّها تَهْيِئَةُ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ لِيَحْمِلَ شِدَّةَ الوَحْيِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، فَتِلْكَ مُناسَبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] فَهَذا إشْعارٌ بِأنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ في أوَّلِ عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ بِنُزُولِ القُرْآنِ فَلَمّا قالَ لَهُ ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] أعْقَبَ بِبَيانِ عِلَّةِ الأمْرِ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ.

والقَوْلُ الثَّقِيلُ: هو القُرْآنُ وإلْقاؤُهُ عَلَيْهِ: إبْلاغُهُ لَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ بِواسِطَةِ المَلَكِ.

وحَقِيقَةُ الإلْقاءِ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ وطَرْحِهِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَقى، أيْ: مَطْرُوحٌ، اسْتُعِيرَ الإلْقاءُ لِلْإبْلاغِ دُفْعَةً عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ.

والثِّقَلُ المَوْصُوفُ بِهِ القَوْلُ ثِقَلٌ مَجازِيٌّ لا مَحالَةَ، مُسْتَعارٌ لِصُعُوبَةِ حِفْظِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعانٍ لَيْسَتْ مِن مُعْتادِ ما يَجُولُ في مَدارِكِ قَوْمِهِ فَيَكُونُ حِفْظُ ذَلِكَ القَوْلِ عَسِيرًا عَلى الرَّسُولِ الأُمِّيِّ تَنُوءُ الطّاقَةُ عَنْ تَلَقِّيهِ.

وأشْعَرَ قَوْلُهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أنَّ ثِقَلَهُ مُتَعَلِّقٌ ابْتِداءً بِالرَّسُولِ ﷺ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ وهو ثِقَلٌ مَجازِيٌّ في جَمِيعِ اعْتِباراتِهِ وهو ثَقِيلٌ صَعْبٌ تَلَقِّيهِ مِمَّنْ أنْزَلَ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ثَقُلَ عَلَيْهِ وتَرَبَّدَ لَهُ جِلْدُهُ، أيْ: تَغَيَّرَ بِمِثْلِ القُشَعْرِيرَةِ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَرْفَضُّ عَرَقًا.

ويُسْتَعارُ ثِقَلُ القَوْلِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعانٍ وافِرَةٍ يَحْتاجُ العِلْمُ بِها لِدِقَّةِ النَّظَرِ وذَلِكَ بِكَمالِ هَدْيِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ. قالَ الفَرّاءُ ثَقِيلًا لَيْسَ بِالكَلامِ السَّفْسافِ. وحَسْبُكَ أنَّهُ حَوى مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ ما لا يَفِي العَقْلُ بِالإحاطَةِ بِهِ فَكَمْ غاصَتْ فِيهِ أفْهامُ

صفحة ٢٦٢

العُلَماءِ مِن فُقَهاءَ ومُتَكَلِّمِينَ وبُلَغاءَ ولُغَوِيِّينَ وحُكَماءَ فَشابَهَ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ في أنَّهُ لا يَقْوى الواحِدُ عَلى الِاسْتِقْلالِ بِمَعانِيهِ.

وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وإشْعارِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَأْكِيدِ قُرْبِهِ واسْتِمْرارِهِ، لِيَكُونَ وُرُودُهُ أسْهَلَ عَلَيْهِ مِن وُرُودِ الأمْرِ المُفاجِئِ.

73:6Page 574

إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦

Indeed, the hours of the night are more effective for concurrence [of heart and tongue]1 and more suitable for words.2

﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْصِيصِ زَمَنِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ فِيهِ فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢])، أيْ: قُمِ اللَّيْلَ؛ لِأنَّ ناشِئَتَهُ أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا.

والمَعْنى: أنَّ في قِيامِ اللَّيْلِ تَزْكِيَةً وتَصْفِيَةً لِسِرِّكَ وارْتِقاءً بِكَ إلى المَراقِي المَلَكِيَّةِ.

و(ناشِئَةَ): وصْفٌ مِنَ النَّشْءِ وهو الحُدُوثُ. وقَدْ جَرى هَذا الوَصْفُ هُنا عَلى غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وأُضِيفَ إلى اللَّيْلِ إضافَةً عَلى مَعْنى في مِثْلِ (مَكْرُ اللَّيْلِ)، وجُعِلَ مِن أقْوَمِ القِيلِ، فَعُلِمَ أنَّ فِيهِ قَوْلًا وقَدْ سَبَقَهُ الأمْرُ بِقِيامِ اللَّيْلِ وتَرْتِيلِ القُرْآنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ مَوْصُوفَهُ المَحْذُوفَ هو صَلاةٌ، أيِ: الصَّلاةُ النّاشِئَةُ في اللَّيْلِ، فَإنَّ الصَّلاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أفْعالٍ وأقْوالٍ وهي قِيامٌ.

ووَصْفُ الصَّلاةِ بِالنّاشِئَةِ لِأنَّها أنْشَأها المُصَلِّي فَنَشَأتْ بَعْدَ هَدْأةِ اللَّيْلِ فَأشْبَهَتِ السَّحابَةَ الَّتِي تَتَنَشَّأُ مِنَ الأُفُقِ بَعْدَ صَحْوٍ، وإذا كانَتِ الصَّلاةُ بَعْدَ نَوْمٍ فَمَعْنى النَّشْءِ فِيها أقْوى، ولِذَلِكَ فَسَّرَتْها عائِشَةُ بِالقِيامِ بَعْدَ النَّوْمِ. وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كُلِّها. واخْتارَهُ مالِكٌ. وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ أصْلَ هَذا مُعَرَّبٌ عَنِ الحَبَشَةِ، وقَدْ عَدَّها السُّبْكِيُّ في مَنظُومَتِهِ في مُعَرَّباتِ القُرْآنِ.

وإيثارُ لَفْظِ (ناشِئَةَ) في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِ: قِيامٍ، أوْ تَهَجُّدٍ، لِأجْلِ ما يَحْتَمِلُهُ مِن هَذِهِ المَعانِي لِيَأْخُذَ النّاسُ فِيهِ بِالِاجْتِهادِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ (وطْئًا) بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ بَعْدَها هَمْزَةٌ، والوَطْءُ: أصْلُهُ وضْعُ الرِّجْلِ عَلى الأرْضِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِمَعْنًى يُناسِبُ أنْ يَكُونَ شَأْنًا لِلظَّلامِ بِاللَّيْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَطْءُ اسْتُعِيرَ لِفِعْلٍ مِن أفْعالِ المُصَلِّي عَلى نَحْوِ إسْنادِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ: واطِئًا أنْتَ، فَهو مُسْتَعارٌ لِتَمَكُّنِ المُصَلِّي مِنَ الصَّلاةِ

صفحة ٢٦٣

فِي اللَّيْلِ بِتَفَرُّغِهِ لَها وهُدُوءِ بالِهِ مِنَ الأشْغالِ النَّهارِيَّةِ تَمُكَّنَ الواطِئِ عَلى الأرْضِ فَهو أمْكَنُ لِلْفِعْلِ. والمَعْنى: أشَدُّ وقْعًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ وقالَهُ الفَرّاءُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَطْءُ مُسْتَعارًا لِحالَةِ صَلاةِ اللَّيْلِ وأثَرِها في المُصَلِّي، أيْ: أشَدُّ أثَرِ خَيْرٍ في نَفْسِهِ وأرْسَخُ خَيْرًا وثَوابًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ ومَدِّها مَصْدَرُ (واطَأ) مِن مادَّةِ الفِعالِ. والوِطاءُ: الوِفاقُ والمُلاءَمَةُ، قالَ تَعالى ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] . والمَعْنى: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ أوْفَقُ بِالمُصَلِّي بَيْنَ اللِّسانِ والقَلْبِ، أيْ: بَيْنَ النُّطْقِ بِالألْفاظِ وتَفَهُّمِ مَعانِيها لِلْهُدُوءِ الَّذِي يَحْصُلُ في اللَّيْلِ وانْقِطاعِ الشَّواغِلِ وبِحاصِلِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ.

وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ فَصْلٍ، وانْظُرْ ما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] في وُقُوعِ ضَمِيرِ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ واسْمِ تَفْضِيلٍ. وضَمِيرُ الفَصْلِ هُنا لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ لا لِلْحَصْرِ.

والأقْوَمُ: الأفْضَلُ في التَّقَوِّي الَّذِي هو عَدَمُ الِاعْوِجاجِ والِالتِواءِ واسْتُعِيرَ (أقْوَمُ) لِلْأفْضَلِ الأنْفَعِ.

وقِيلًا: القَوْلُ، وأُرِيدَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] . فالمَعْنى: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ أعْوَنُ عَلى تَذَكُّرِ القُرْآنِ والسَّلامَةِ مِن نِسْيانِ بَعْضِ الآياتِ، وأعْوَنُ عَلى المَزِيدِ مِنَ التَّدَبُّرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأقْوَمُ قِيلًا: أدْنى مِن أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْفَظُ لِلْقِراءَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوَمُ قِراءَةً لِفَراغِهِ مِنَ الدُّنْيا.

وانْتَصَبَ (وطْئًا) و(قِيلًا) نِسْبَةَ تَمْيِيزَيْ لِـ (أشَدَّ)، ولِـ (أقْوَمَ) .

73:7Page 574

إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧

Indeed, for you by day is prolonged occupation.

﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ فَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ دُونَ عَطْفٍ عَلى ما قَبْلِها يَقْتَضِي أنَّ مَضْمُونَها لَيْسَ مِن جِنْسِ حُكْمِ ما قَبْلَها، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَعْيِينَ صَلاةِ النَّهارِ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ قَدْ فُرِضَتْ يَوْمَئِذٍ عَلى المَشْهُورِ، ولَمْ يُفْرَضْ حِينَئِذٍ إلّا قِيامُ اللَّيْلِ.

صفحة ٢٦٤

فالَّذِي يَبْدُو أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ العِلَّةِ لِشَيْءٍ مِمّا في جُمْلَةِ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وذَلِكَ دائِرٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِاخْتِيارِ اللَّيْلِ لِفَرْضِ القِيامِ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيُفِيدُ تَأْكِيدًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ النَّهارَ لا يُغْنِي غَناءَهُ فَيَتَحَصَّلُ مِنَ المَعْنى: قُمِ اللَّيْلَ؛ لِأنَّ قِيامَهُ أشَدُّ وقْعًا وأرْسَخُ قَوْلًا،؛ لِأنَّ النَّهارَ زَمَنٌ فِيهِ شُغْلٌ عَظِيمٌ لا يَتْرُكُ لَكَ خَلْوَةً بِنَفْسِكَ. وشُغْلُ النَّبِيءِ ﷺ في النَّهارِ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإبْلاغِ القُرْآنِ وتَعْلِيمِ الدِّينِ ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وافْتِقادِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالسَّبْحِ الطَّوِيلِ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ تَلَطُّفًا واعْتِذارًا عَنْ تَكْلِيفِهِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّ النَّهارَ ظَرْفٌ واسِعٌ لِإيقاعِ ما عَسى أنْ يُكَلِّفَهُ قِيامُ اللَّيْلِ مِن فُتُورٍ بِالنَّهارِ لِيَنامَ بَعْضَ النَّهارِ ولِيَقُومَ بِمَهامِّهِ فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما تَضَمَّنُهُ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إنْ نَقَصْتَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ شَيْئًا لا يَفُتْكَ ثَوابُ عِلْمِهِ، فَإنَّ لَكَ في النَّهارِ مُتَّسَعًا لِلْقِيامِ والتِّلاوَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] .

وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُصَلِّي في النَّهارِ مِن أوَّلِ البَعْثَةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الجِنِّ أنَّ اسْتِماعَهُمُ القُرْآنَ كانَ في صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأصْحابِهِ في نَخْلَةَ في طَرِيقِهِمْ إلى عُكاظٍ. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ كُلُّ هَذا مَقْصُودًا؛ لِأنَّهُ مِمّا تَسْمَحُ بِهِ دَلالَةُ كَلِمَةِ ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ وهي مِن بَلِيغِ الإيجازِ.

والسَّبْحُ: أصْلُهُ العَوْمُ، أيْ: السُّلُوكُ بِالجِسْمِ في ماءٍ كَثِيرٍ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلتَّصَرُّفِ السَّهْلِ المُتَّسِعِ الَّذِي يُشْبِهُ حَرَكَةَ السّابِحِ في الماءِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِضُهُ ما يَعُوقُ جَوَلانَهُ عَلى وجْهِ الماءِ ولا إعْياءُ السَّيْرِ في الأرْضِ.

وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ اسْتِعارَةُ السَّبْحِ لِجَرْيِ الفَرَسِ دُونَ كُلْفَةٍ في وصْفِ امْرِئِ القَيْسِ الخَيْلُ السّابِحاتُ في قَوْلِهِ في مَدْحِ فَرَسِهِ:

مِسَحٍّ إذا ما السّابِحاتُ عَلى الوَنى أثَرْنَ الغُبارَ في الكَدِيدِ المُرَكَّلِ

فَعَبَّرَ عَنِ الجارِياتِ بِالسّابِحاتِ.

صفحة ٢٦٥

وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ السَّبْحَ بِالفَراغِ، أيْ: لِيَنامَ في النَّهارِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: فَراغًا طَوِيلًا لِحَوائِجِكَ فافْرَغْ لِدِينِكَ بِاللَّيْلِ.

والطَّوِيلُ: وصْفٌ مِنَ الطُّولِ، وهو ازْدِيادُ امْتِدادِ القامَةِ أوِ الطَّرِيقِ أوِ الثَّوْبِ عَلى مَقادِيرِ أكْثَرِ أمْثالِهِ. فالطُّولُ مِن صِفاتِ الذَّواتِ، وشاعَ وصْفُ الزَّمانِ بِهِ، يُقالُ: لَيْلٌ طَوِيلٌ، وفي الحَدِيثِ ”«الشِّتاءُ رَبِيعُ المُؤْمِنِ قَصُرَ نَهارُهُ فَصامَهُ وطالَ لَيْلُهُ فَقامَهُ» “ .

أمّا وصْفُ السَّبْحِ بِـ (طَوِيلٍ) في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الطَّوِيلَ هو مَكانُ السَّبْحِ وهو الماءُ المَسْبُوحُ فِيهِ. وبَعْدَ هَذا فَفي قَوْلِهِ (طَوِيلًا) تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ السَّبْحِ لِلْعَمَلِ في النَّهارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском