Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Muzzammil 73:8–16
73:8–9Page 574
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨
And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.
رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩
[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ عُطِفَ عَلى (قُمِ اللَّيْلَ) وقُصِدَ بِإطْلاقِ الأمْرِ عَنْ تَعْيِينِ زَمانٍ إلى إفادَةِ تَعْمِيمِهِ، أيْ: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في اللَّيْلِ وفي النَّهارِ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] .
وإقْحامُ كَلِمَةِ (اسْمَ)؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ ذِكْرُ اللِّسانِ، وهو جامِعٌ لِلتَّذَكُّرِ بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ الألْفاظَ تَجْرِي عَلى حَسَبِ ما في النَّفْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] .
والتَّبَتُّلُ: شِدَّةُ البَتْلِ، وهو مَصْدَرُ تَبَتَّلَ القاصِرُ الَّذِي هو مُطاوِعُ بَتَّلَهُ فَتَبَتَّلَ وهو هُنا لِلْمُطاوَعَةِ المَجازِيَّةِ يُقْصَدُ مِن صِيغَتِها المُبالَغَةُ في حُصُولِ الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ فَعَلُهُ غَيْرُهُ بِهِ فَطاوَعَهُ، والتَّبَتُّلُ: الِانْقِطاعُ، وهو هُنا انْقِطاعٌ مَجازِيٌّ، أيْ: تَفَرُّغُ البالِ والفِكْرِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ عَنِ النّاسِ وانْحازَ إلى جانِبِ اللَّهِ فَعُدِّيَ بِـ (إلى) الدّالَّةِ عَلى الِانْتِهاءِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
والتَّبْتِيلُ: مَصْدَرُ بَتَّلَ المُشَدَّدِ الَّذِي هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلَ التَّقْطِيعِ.
صفحة ٢٦٦
وجِيءَ بِهَذا المَصْدَرِ عِوَضًا عَنِ التَّبَتُّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حُصُولَ التَّبَتُّلِ، أيِ: الِانْقِطاعِ يَقْتَضِي التَّبْتِيلَ أيِ: القَطْعَ. ولَمّا كانَ التَّبْتِيلُ قائِمًا بِالمُتَبَتِّلِ تَعَيَّنَ أنَّ تَبْتِيلَهُ: قَطْعُهُ نَفْسَهُ عَنْ غَيْرِ مَن تَبَتَّلَ هو إلَيْهِ، فالمَقْطُوعُ عَنْهُ هُنا هو مَن عَدا اللَّهِ تَعالى فالجَمْعُ بَيْنَ (تَبَتَّلَ) و(تَبْتِيلًا) مُشِيرٌ إلى إراضَةِ النَّفْسِ عَلى ذَلِكَ التَّبَتُّلِ. وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ وفاءٌ بِرَعْيِ الفَواصِلِ الَّتِي قَبْلَهُ.
والمُرادُ بِالِانْقِطاعِ المَأْمُورِ بِهِ انْقِطاعٌ خاصٌّ وهو الِانْقِطاعُ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ ومَهامِّ النَّهارِ في نَشْرِ الدَّعْوَةِ ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ قِيلَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ أيْ: إلى اللَّهِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن أعْمالِ الحَياةِ فَهو لِدِينِ اللَّهِ فَإنَّ طَعامَهُ وشَرابَهُ ونَوْمَهُ وشُئُونَهُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى نَشْرِ دِينِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ مُنْعِشاتُ الرُّوحِ البَرِيئَةِ مِنَ الإثْمِ مِثْلَ الطِّيبِ، وتَزَوُّجِ النِّساءِ، والأُنْسِ إلى أهْلِهِ وأبْنائِهِ وذَوِيهِ، وقَدْ قالَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» .
ولَيْسَ هو التَّبَتُّلَ المُفْضِيَ إلى الرَّهْبانِيَّةِ وهو الإعْراضُ عَنِ النِّساءِ وعَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِ الحَياةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُلاقِي صِفَةَ الرِّسالَةِ.
وفِي حَدِيثِ سَعْدٍ في الصَّحِيحِ ”«رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ولَوْ أذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنا» “ يَعْنِي رَدَّ عَلَيْهِ اسْتَشارَتَهُ في الإعْراضِ عَنِ النِّساءِ.
ومِن أكْبَرِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ الِانْقِطاعُ عَنِ الإشْراكِ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ بِقَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ أنْ لا تَخْلُوَ أوْقاتُهُ عَنْ إقْبالٍ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ ومُراقَبَتِهِ والِانْقِطاعِ لِلدَّعْوَةِ لِدِينِ الحَقِّ، وإذْ قَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ غَيْرَ غافِلٍ عَنْ هَذا الِانْقِطاعِ بِإرْشادٍ مِنَ اللَّهِ كَما ألْهَمَهُ التَّحَنُّثَ في غارِ حِراءَ ثُمَّ بِما أفاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ والرِّسالَةِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيما قَبْلُ فَإنَّ في سُورَةِ القَلَمِ - وقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ - ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] عَلى أنَّ القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ أوَّلًا أكْثَرُهُ إرْشادٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ إلى طَرائِقِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ كانَ غالِبُ ما في السُّورِ الأُوَلِ مِنهُ مُقْتَصِرًا عَلى سَنِّ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ بِالرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٢٦٧
ووَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ لِمُناسَبَةِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ في اللَّيْلِ وذِكْرِهِ في النَّهارِ وهُما وقْتا ابْتِداءِ غِيابِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، وذَلِكَ يُشْعِرُ بِامْتِدادِ كُلِّ زَمانٍ مِنهُما إلى أنْ يَأْتِيَ ضِدُّهُ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ جِهَتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ فَيَكُونُ لِاسْتِيعابِ جِهاتِ الأرْضِ، أيْ: رَبُّ جَمِيعِ العالَمِ وذَلِكَ يُشْعِرُ بِوَقْتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ.
ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِما وقْتا الشُّرُوقِ والغُرُوبِ أيْ: مَبْدَأ ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ ومُنْتَهاهُما، كَما يُقالُ: سَبِّحُوا اللَّهَ كُلَّ مُشْرِقِ شَمْسٍ، وكَما يُقالُ: صَلاةُ المَغْرِبِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ (رَبُّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ مِمّا يَسْبِقُ في الكَلامِ حَدِيثٌ عَنْهُ. ثُمَّ أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْهُ بِخَبَرٍ جامِعٍ لِصِفاتِهِ، وهو مِن قَبِيلِ النَّعْتِ المَقْطُوعِ المَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِخَفْضِ (رَبِّ) عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) .
وعُقِّبَ وصْفُ اللَّهِ بِـ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾، بِالإخْبارِ عَنْهُ أوْ بِوَصْفِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو؛ لِأنَّ تَفَرُّدَهُ بِالإلَهِيَّةِ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِرُبُوبِيَّةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَلَمّا كانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ لِلْعالَمِ لا يُنازِعُ فِيها المُشْرِكُونَ أُعْقِبَتْ بِما يَقْتَضِي إبْطالَ دَعْوى المُشْرِكِينَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ تَعْرِيضًا بِهِمْ في أثْناءِ الكَلامِ وإنْ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا إلى النَّبِيءِ ﷺ . ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾، وإذا كانَ الأمْرُ بِاتِّخاذِهِ وكِيلًا مُسَبَّبًا عَنْ كَوْنِهِ لا إلَهَ إلّا هو كانَ ذَلِكَ في قُوَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ وكِيلٍ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ بِأهْلٍ لِاتِّخاذِهِ وكِيلًا.
والوَكِيلُ: الَّذِي يُوكَلُ إلَيْهِ الأُمُورُ، أيْ: يُفَوَّضُ إلى تَصَرُّفِهِ، ومِن أهَمِّ التَّفْوِيضِ أمْرُ الِانْتِصارِ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيهِ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَزَمُّلِهِ مِن مَوْجِدَةِ الحُزْنِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ لا يَعْتَمِدَ إلّا عَلَيْهِ، وهَذا تَكَفُّلٌ بِالنَّصْرِ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] .
73:10Page 574
وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠
And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾
صفحة ٢٦٨
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، والمُناسَبَةُ أنْ الصَّبْرَ عَلى الأذى يُسْتَعانُ عَلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
وضَمِيرُ يَقُولُونَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ فَهو مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مُعادِها بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] الآياتِ، مِن سُورَةِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]، ولِأنَّهُ سَيَأْتِي عَقِبَهُ قَوْلُهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] فَيُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقَدْ مَضى في السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُزَّمِّلِ مَقالاتُ أذًى مِنَ المُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي سُورَةِ العَلَقِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] . قِيلَ هو أبُو جَهْلٍ تَهَدَّدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَئِنْ صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ لَيَفْعَلَنَّ ويَفْعَلَنَّ. وفِيها ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] . قِيلَ هو الأخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ تَنَكَّرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ كانَ حَلِيفَهُ، وفي سُورَةِ القَلَمِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] رَدًّا لِمَقالاتِهِمْ. وفي سُورَةِ المُدَّثِّرِ إنْ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ فَلِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ.
والهَجْرُ الجَمِيلُ: هو الحَسَنُ في نَوْعِهِ، فَإنَّ الأحْوالَ والمَعانِيَ مِنها حَسَنٌ ومِنها قَبِيحٌ في نَوْعِهِ، وقَدْ يُقالُ: كَرِيمٌ، وذَمِيمٌ، وخالِصٌ، وكَدِرٌ، ويَعْرِضُ الوَصْفُ لِلنَّوْعِ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِن عَوارِضَ تُناسِبُ حَقِيقَةَ النَّوْعِ فَإذا جُرِّدَتِ الحَقِيقَةُ عَنِ الأعْراضِ الَّتِي قَدْ تَعْتَلِقُ بِها كانَ نَوْعُها خالِصًا، وإذا أُلْصِقَ بِالحَقِيقَةِ ما لَيْسَ مِن خَصائِصِها كانَ النَّوْعُ مُكَدَّرًا قَبِيحًا، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلُهُ ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] في سُورَةِ المَعارِجِ.
فالهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي يَقْتَصِرُ صاحِبُهُ عَلى حَقِيقَةِ الهَجْرِ، وهو تَرْكُ المُخالَطَةِ فَلا يَقْرِنُها بِجَفاءٍ آخَرَ أوْ أذًى، ولَمّا كانَ الهَجْرُ يَنْشَأُ عَنْ بُغْضِ المَهْجُورِ، أوْ كَراهِيَةِ
صفحة ٢٦٩
أعْمالِهِ كانَ مُعَرَّضًا لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ أذًى مِن سَبٍّ أوْ ضَرْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَجْرِ المُشْرِكِينَ هَجْرًا جَمِيلًا، أيْ: أنْ يَهْجُرَهم ولا يَزِيدَ عَلى هَجْرِهِمْ سَبًّا أوِ انْتِقامًا.
وهَذا الهَجْرُ: هو إمْساكُ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِمِثْلِ ما يَقُولُونَهُ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ .
ولَيْسَ مُنْسَحِبًا عَلى الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ فَإنَّها مُسْتَمِرَّةٌ ولَكِنَّها تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُنْسَبُ إلى النَّبِيءِ ﷺ .
وقَدِ انْتَزَعَ فَخْرُ الدِّينِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعًا خُلُقِيًّا بِأنَّ اللَّهَ جَمَعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ في مُخالَطَةِ النّاسِ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ لِأنَّ المَرْءَ إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِطًا فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى أذاهم وإيحاشِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أطْمَعَ نَفْسَهُ بِالرّاحَةِ مَعَهم لَمْ يَجِدْها مُسْتَمِرَّةً فَيَقَعُ في الغُمُومِ إنْ لَمْ يَرِضْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، وإنْ تَرَكَ المُخالَطَةَ فَذَلِكَ هو الهَجْرُ الجَمِيلُ.
73:11Page 574
وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١
And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] في سُورَةِ القَلَمِ، أيْ: دَعْنِي وإيّاهم، أيْ: لا تَهْتَمَّ بِتَكْذِيبِهِمْ ولا تَشْتَغِلْ بِتَكْرِيرِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ولا تَغْضَبْ ولا تَسُبَّهم فَأنا أكْفِيكَهم.
وانْتَصَبَ المُكَذِّبِينَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والواوُ واوُ المَعِيَّةِ.
والمُكَذِّبُونَ هم مَن عَناهم بِضَمِيرِ (يَقُولُونَ) (واهْجُرْهم)، وهُمُ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ أنَّ التَّكْذِيبَ هو سَبَبُ هَذا التَّهْدِيدِ.
ووَصَفَهم بِـ أُولِي النَّعْمَةِ تَوْبِيخًا لَهم بِأنَّهم كَذَّبُوا لِغُرُورِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِسَعَةِ حالِهِمْ، وتَهْدِيدًا لَهم بِأنَّ الَّذِي قالَ ﴿ذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ سَيُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ التَّنَعُّمَ.
وفِي هَذا الوَصْفِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهَكُّمِ؛؛ لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ سَعَةَ العَيْشِ ووَفْرَةَ المالِ
صفحة ٢٧٠
كَمالًا، وكانُوا يُعَيِّرُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالخَصاصَةِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] الآياتِ، وقالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢] .
والنَّعْمَةُ: هُنا بِفَتْحِ النُّونِ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ. وهي اسْمٌ لِلتَّرَفُّهِ، وجَمْعُها أنْعُمٌ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ العَيْنِ.
وأمّا النِّعْمَةُ، بِكَسْرِ النُّونِ، فاسْمٌ لِلْحالَةِ المُلائِمَةِ لِرَغْبَةِ الإنْسانِ مِن عافِيَةٍ وأمْنٍ ورِزْقٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الغائِبِ. وجَمْعُها: نِعَمٌ، بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ العَيْنِ، وتُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ عَلى نِعَماتٍ بِكَسْرِ النُّونِ وبِفَتْحِ العَيْنِ لِجُمْهُورِ العَرَبِ. وتُكْسَرُ العَيْنُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ كَسْرَةَ إتْباعٍ.
والنُّعْمَةُ: بِضَمِّ النُّونِ، اسْمٌ لِلْمَسَرَّةِ فَيَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ عَلى نُعْمٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ عَلى نُعَمٍ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وهو مُطَّرِدٌ في الوَزْنِ.
وجَعْلُهم ذَوِي النَّعْمَةِ - المَفْتُوحَةِ النُّونِ - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ قُصارى حَظِّهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ هي النَّعْمَةُ، أيِ: الِانْطِلاقُ في العَيْشِ بِلا ضِيقٍ، والِاسْتِظْلالُ بِالبُيُوتِ والجَنّاتِ، والإقْبالُ عَلى لَذِيذِ الطُّعُومِ ولَذائِذِ الِانْبِساطِ إلى النِّساءِ والخَمْرِ والمَيْسِرِ، وهم مُعْرِضُونَ عَنْ كَمالاتِ النَّفْسِ ولَذَّةِ الِاهْتِداءِ والمَعْرِفَةِ قالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وتَعْرِيفُ النَّعْمَةِ لِلْعَهْدِ.
والتَّمْهِيلُ: الإمْهالُ الشَّدِيدُ، والإمْهالُ: التَّأْجِيلُ وتَأْخِيرُ العُقُوبَةِ، وهو مُتَرَتِّبٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾، أيْ: وانْتَظِرْ أنْ نَنْتَصِرَ لَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
و(قَلِيلًا): وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْهِيلًا قَلِيلًا. وانْتَصَبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ.
73:12–14Page 574
إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢
Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire
وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣
And food that chokes and a painful punishment -
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤
On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾
صفحة ٢٧١
وهَذا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، أيْ:؛ لِأنَّ لَدَيْنا ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّعْلِيلُ أفادَ تَهْدِيدَهم بِأنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهم لِأنَّها لَمّا كانَتْ مِن خَزائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُها اللَّهُ في المَواضِعِ المُسْتَأْهِلَةِ لَها، وهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأعَدَّ اللَّهُ لَهم ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوها، فَبَطِرُوا بِها وقابَلُوا المُنْعِمَ بِالكُفْرانِ.
فالأنْكالُ مُقابِلُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ والمَقْدِرَةِ؛ لِأنَّ الأنْكالَ: القُيُودُ. والجَحِيمُ: وهو نارُ جَهَنَّمَ مُقابِلُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن لَذَّةِ الِاسْتِظْلالِ والتَّبَرُّدِ. والطَّعامُ ذُو الغُصَّةِ مُقابِلُ ما كانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِن أطْعِمَتِهِمُ الهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَراتِ والمَطْبُوخاتِ والصَّيْدِ. والأنْكالُ: جَمْعُ نَكْلٍ، بِفَتْحِ النُّونِ وبِكَسْرِها وبِسُكُونِ الكافِ، وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ.
والغُصَّةُ، بِضَمِّ الغَيْنِ: اسْمٌ لِأثَرِ الغَصِّ في الحَلْقِ وهو تَرَدُّدُ الطَّعامِ والشَّرابِ في الحَلْقِ بِحَيْثُ لا يُسِيغُهُ الحَلْقُ مَن مَرَضٍ أوْ حُزْنٍ وعَبْرَةٍ.
وإضافَةُ الطَّعامِ إلى الغُصَّةِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ وهي مِنَ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَإنَّ الغُصَّةَ عارِضٌ في الحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعامُ أوِ الشُّرْبُ الَّذِي لا يُسْتَساغُ لِبَشاعَةٍ أوْ يُبُوسَةٍ.
والعَذابُ الألِيمُ: مُقابِلُ ما في النِّعْمَةِ مِن مَلاذِّ البَشَرِ، فَإنَّ الألَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وقَدْ عَرَّفَ الحُكَماءُ اللَّذَّةَ بِأنَّها الخَلاصُ مِنَ الألَمِ.
وقَدْ جُمِعَ الأخِيرُ جَمْعَ ما يُضادُّ مَعْنى النَّعْمَةِ (بِالفَتْحِ) .
وتَنْكِيرُ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، و(لَدى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُونِ العَظَمَةِ. والتَّقْدِيرُ: لَدى خَزائِنِنا، أيْ: خَزائِنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ذَلِكَ مَتى أرادَ اللَّهُ.
ويَتَعَلَّقُ (﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾) بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ (إنَّ) في قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ .
والرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ والِاضْطِرابُ، والمُرادُ: الرَّجْفُ المُتَكَرِّرُ المُسْتَمِرُّ، وهو الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِراطُ أجْزاءِ الأرْضِ وانْحِلالُها.
صفحة ٢٧٢
والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ كالرَّبْوَةِ، أيْ: تَصِيرُ حِجارَةُ الجِبالِ دِقاقًا.
ومَهِيلٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن هالَ الشَّيْءَ هَيْلًا، إذا نَثَرَهُ وصَبَّهُ. وأصْلُهُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَنُقِلَتْ إلى السّاكِنِ قَبْلَها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، ولِأنَّها زائِدَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْها الضَّمَّةُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَتْ) في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا﴾، لِلْإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ في الماضِي. ووَجْهُ مُخالَفَتِهِ لِأُسْلُوبِ (تَرْجُفُ) أنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ كُثُبًا أمْرٌ عَجِيبٌ غَيْرُ مُعْتادٍ، فَلَعَلَّهُ يَسْتَبْعِدُهُ السّامِعُونَ، وأمّا رَجْفُ الأرْضِ فَهو مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ هَذا الرَّجْفَ المَوْعُودَ بِهِ أعْظَمُ ما عُرِفَ جِنْسُهُ.
73:15–16Page 574
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥
Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.
فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦
But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ نُقِلَ الكَلامُ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ .
والمُناسَبَةُ لِذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى وعِيدِهِمْ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ وهَجْرِهِمْ هَجْرًا جَمِيلًا إذْ قالَ لَهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] إلى قَوْلِهِ (﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]) .
فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولا يُعَدُّ هَذا الخِطابُ مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ الكَلامَ نُقِلَ إلى غَرَضٍ غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي كانَ قَبْلَهُ.
فالخِطابُ فِيهِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى كِلا المَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ الجُمْهُورِ ومَذْهَبِ السَّكّاكِيِّ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أمْثالَهم مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهو مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا أوَّلُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ لِلتَّهْدِيدِ بِمَصِيرِ أمْثالِهِمْ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٢٧٣
واخْتِيرَ لَهم ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -،؛ لِأنَّ الجامِعَ بَيْنَ حالِ أهْلِ مَكَّةَ وحالِ أهْلِ مِصْرَ في سَبَبِ الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ هو مَجْمُوعُ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وما يَمْلَأُ نُفُوسَهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ عَلى الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ أنَّ مِثْلَهم لا يُطِيعُ مِثْلَهُ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقَدْ قالَ أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] . وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ لِأبِي جَهْلٍ وهو زَعِيمُ المُناوِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤَلِّبِينَ عَلَيْهِ وأشَدُّ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ كُفْرًا.
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ)؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
ونَكَّرَ رَسُولًا؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ المَعْنِيَّ بِهِ في هَذا الكَلامِ، ولِأنَّ مَناطَ التَّهْدِيدِ والتَّنْظِيرِ لَيْسَ شَخْصَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو صِفَةُ الإرْسالِ.
وأُدْمِجَ في التَّنْظِيرِ والتَّهْدِيدِ وصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِكَوْنِهِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا: الشَّهادَةُ بِتَبْلِيغِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ وصْفُ (شاهِدًا) مُوافِقًا لِاسْتِعْمالِ الوَصْفِ بِاسْمِ الفاعِلِ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلَيْكُمُ الآنَ بِمُعاوَدَةِ الدَّعْوَةِ والإبْلاغِ.
وأمّا شَهادَةُ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ فَهي شَهادَةٌ بِصِدْقِ المُسْلِمِينَ في شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ بِأنَّ رُسُلَهم أبْلَغُوا إلَيْهِمْ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما ورَدَ تَفْصِيلُ تَفْسِيرِها في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْكِيرُ (رَسُولًا) المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِالإرْسالِ لا بِشَخْصِ المُرْسَلِ إذِ التَّشْبِيهُ تَعَلَّقَ بِالإرْسالِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ كَإرْسالِنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا.
وتَفْرِيعُ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ هو الغَرَضُ مِن هَذا الخَبَرِ وهو التَّهْدِيدُ بِأنْ يَحِلَّ بِالمُخاطِبِينَ لَمّا عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ مِثْلَ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ.
صفحة ٢٧٤
وفِي إظْهارِ اسْمِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ﴾) دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِ لِلنِّداءِ عَلَيْهِ بِفَظاعَةِ عِصْيانِهِ الرَّسُولَ.
ولَمّا جَرى ذِكْرُ الرَّسُولِ المُرْسَلِ إلى فِرْعَوْنَ أوَّلَ مَرَّةٍ جِيءَ بِهِ في ذِكْرِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ مُعَرَّفًا بِلامِ العَهْدِ وهو العَهْدُ الذِّكْرِيُّ، أيِ: الرَّسُولُ المَذْكُورُ آنِفًا فَإنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ كانَ مَدْلُولُها عَيْنَ الأُولى.
والأخْذُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ مَجازًا؛ لِأنَّهُ لَمّا أزالَهم مِنَ الحَياةِ أشْبَهَ فِعْلُهُ أخْذَ الآخِذِ شَيْئًا مِن مَوْضِعِهِ وجَعْلِهِ عِنْدَهُ.
والوَبِيلُ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن وبُلَ المَكانُ، إذا وخِمَ هَواؤُهُ أوْ مَرْعى كَلَئِهِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
إلى كَلَإٍ مُسْتَوْبِلٍ مُتَوَخِّمٍ
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِسَيِّءِ العاقِبَةِ شَدِيدَ السُّوءِ، وأُرِيدَ بِهِ الغَرَقُ الَّذِي أصابَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences