Ibn 'AshurAl‑Qiyamah · 75:1–13

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

القيامة

Al-Qiyamah

The Resurrection · Meccan · 40 ayahs

75:1–4Page 577

لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ١

I swear by the Day of Resurrection

وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢

And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣

Does man think that We will not assemble his bones?

بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤

Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.

( ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسِبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالقَسَمِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ أمْرٌ مُهِمٌّ لِتَسْتَشْرِفَ لَهُ نَفْسُ السّامِعِ كَما تَقَدَّمَ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِن أقْسامِ القُرْآنِ.

وكَوْنُ القَسَمِ بِيَوْمِ القِيامَةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِأنَّ غَرَضَ السُّورَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ.

وفِيهِ أيْضًا كَوْنُ المُقْسَمِ بِهِ هو المُقْسَمَ عَلى أحْوالِهِ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَكانَتِهِ عِنْدَ المُقْسِمِ في قَوْلِ أبِي تَمامٍ:

وثَناياكِ إنَّهَـا إغْـرِيضُ ولَئالٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ

صفحة ٣٣٨

كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ١]) في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.

وصِيغَةُ (لا أُقْسِمُ) صِيغَةُ قَسَمٍ، أدْخَلَ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ (أقْسَمَ) لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ حُرْمَةِ المُقْسَمِ بِهِ بِحَيْثُ يُوهِمُ لِلسّامِعِ أنَّ المُتَكَلِّمَ يُهِمُّ أنْ يُقْسِمَ بِهِ ثُمَّ يَتْرُكُ القَسَمَ مَخافَةَ الحِنْثِ بِالمُقْسَمِ بِهِ فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِهِ، أيْ ولا أُقْسِمُ بِأعَزَّ مِنهُ عِنْدِي، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ تَأْكِيدِ القَسَمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]) في سُورَةِ الواقِعَةِ.

وفِيهِ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ. وهَذا لَمْ نَذْكُرْهُ فِيما مَضى ولَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ.

والقَسَمُ (﴿بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾) بِاعْتِبارِهِ ظَرْفًا لِما يَجْرِي فِيهِ مِن عَدْلِ اللَّهِ وإفاضَةِ فَضْلِهِ وما يَحْضُرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ والنُّفُوسِ المُبارَكَةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (يَوْمِ القِيامَةِ) غَيْرُ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ [البقرة: ٨٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجَوابُ القَسَمِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾) لِأنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ إذِ التَّقْدِيرُ: لَنَجْمَعَنَّ عِظامَ الإنْسانِ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ.

وفِي الكَشّافِ: قالُوا إنَّهُ (أيْ لا أُقْسِمُ) في الإمامِ بِغَيْرِ ألِفٍ وتَبَرَّأ مِنهُ بِلَفْظِ (قالُوا) لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْمَوْجُودِ في المَصاحِفِ. وقَدْ نُسِبَ إلى البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَأُقْسِمُ) الأوَّلُ دُونَ ألِفٍ وهي رِوايَةٌ عَنْهُ ذَكَرَها الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ في غَيْثِ النَّفْعَ ولَمْ يَذْكُرْها الشّاطِبِيُّ. واقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى نِسْبَتِها إلى ابْنِ كَثِيرٍ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ قَسَمٍ. والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ خِلافُ ذَلِكَ، وعَطَفَ قَوْلَهَ (ولا أُقْسِمُ) تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، وتَعْرِيفُ (النَّفْسِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ الأنْفُسِ اللَّوّامَةِ. والمُرادُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ. ووَصْفُ اللَّوّامَةِ مُبالَغَةٌ لِأنَّها تُكْثِرُ لَوْمَ صاحِبِها عَلى التَّقْصِيرِ في التَّقْوى والطّاعَةِ. وهَذا اللَّوْمُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الِاصْطِلاحِ بِالمُحاسَبَةِ، ولَوْمُها يَكُونُ بِتَفْكِيرِها وحَدِيثِها النَّفْسِيِّ. قالَ الحَسَنُ: ما يُرى المُؤْمِنُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى ما فاتَ ويَنْدَمُ، يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَهُ وعَلى الخَيْرِ لِمَ

صفحة ٣٣٩

لَمْ يَسْتَكْثِرْ مِنهُ، فَهَذِهِ نُفُوسٌ خَيِّرَةٌ حَقِيقَةٌ أنْ تَشْرُفَ بِالقَسَمِ بِها وما كانَ يَوْمُ القِيامَةِ إلّا لِكَرامَتِها.

والمُرادُ اللَّوّامَةُ في الدُّنْيا لَوْمًا تَنْشَأُ عَنْهُ التَّوْبَةُ والتَّقْوى ولَيْسَ المُرادُ لَوْمَ الآخِرَةِ إذْ يَقُولُ (﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]) .

ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِها مَعَ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّها النُّفُوسُ ذاتُ الفَوْزِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وعَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ (لا أُقْسِمُ) مُرادٌ مِنهُ عَدَمُ القَسَمِ فَفَسَّرَ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ بِالَّتِي تَلُومُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾) إلَخْ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ إذْ تَقْدِيرُ الجَوابِ لَنَجْمَعَنَّ عِظامَكم ونَبْعَثْكم لِلْحِسابِ.

وتَعْرِيفُ (الإنْسانُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ووُقُوعُهُ في سِياقِ الإنْكارِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ يَقْتَضِي العُمُومَ، وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ مَنظُورٌ فِيهِ إلى غالِبِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إذْ كانَ المُؤْمِنُونَ قَلِيلًا. فالمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ الكافِرُ.

وجُمْلَةُ (﴿أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾) مُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفِ (أنْ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ النُّونِ الَّتِي هي أُخْتُ (إنْ) المَكْسُورَةِ.

واسْمُ (أنْ) ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ.

والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ (أنْ) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، فَسِيبَوَيْهِ يَجْعَلُ (أنْ) مَعَ اسْمِها وخَبَرِها سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ فِعْلِ الظَّنِّ. والأخْفَشُ يَجْعَلُ (أنْ) مَعَ جُزْءَيْها في مَقامِ المَفْعُولِ الأوَّلِ - أيْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ - ويُقَدَّرُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وذَلِكَ أنَّ مِن خَواصِّ أفْعالِ القُلُوبِ جَوازَ دُخُولِ (أنْ) المَفْتُوحَةِ المُهْمَزَةِ بَعْدَها فَيَسْتَغْنِي الفِعْلُ بِـ (أنْ) واسْمِها وخَبَرِها عَنْ مَفْعُولَيْهِ.

وجِيءَ بِحَرْفِ (لَنْ) الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِحِكايَةِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ اسْتِحالَةَ جَمْعِ العِظامِ بَعْدَ رِمامِها وتَشَتُّتِها.

قالَ القُرْطُبِيُّ: نَزَلَتْ في عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ - الصَّوابُ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ - قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَدِيٌّ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ألا قُلْتَ: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لا يُخَصِّصُ الإنْسانَ بِهَذا السّائِلِ.

صفحة ٣٤٠

والعِظامُ: كِنايَةٌ عَنِ الجَسَدِ كُلِّهِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِحِكايَةِ أقْوالِهِ (﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ( ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩]) (﴿إذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]) فَهُمُ احْتَجُّوا بِاسْتِحالَةِ قَبُولِ العِظامِ لِلْإعادَةِ بَعْدَ البِلى، عَلى أنَّ اسْتِحالَةَ إعادَةِ اللَّحْمِ والعَصَبِ والفُؤادِ بِالأوْلى. فَإثْباتُ إعادَةِ العِظامِ اقْتَضى أنَّ إعادَةَ بَقِيَّةِ الجِسْمِ مُساوٍ لِإعادَةِ العَظْمِ وفي ذَلِكَ كِفايَةٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مَعَ الإيجازِ.

ثُمَّ إنْ كانَتْ إعادَةُ الخَلْقِ بِجَمْعِ أجْزاءِ أجْسامِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ مِن ذَرّاتٍ اللَّهُ أعْلَمُ بِها، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِعُلَمائِنا، فَفِعْلُ (نَجْمَعَ) مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ. وإنْ كانَ البَعْثُ بِخَلْقِ أجْسامٍ أُخْرى عَلى صُوَرِ الأجْسامِ الفانِيَةِ سَواءٌ كانَ خَلْقًا مُسْتَأْنَفًا أوْ مُبْتَدَأً مِن أعْجابِ الأذْنابِ عَلى ما ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ وهُما قَوْلانِ لِعُلَمائِنا. فَفِعْلُ (نَجْمَعَ) مُسْتَعارٌ لِلْخَلْقِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ الجِسْمِ الَّذِي بَلِيَ. ومُناسَبَةُ اسْتِعارَتِهِ مُشاكَلَةُ أقْوالِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أُرِيدُ إبْطالُها لِتَجَنُّبِ الدُّخُولِ مَعَهم في تَصْوِيرِ كَيْفِيَّةِ البَعْثِ، ولِذَلِكَ لا تَرى في آياتِ القُرْآنِ إلّا إجْمالَها ومِن ثَمَّ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في كَيْفِيَّةِ إعادَةِ الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ. واخْتارَ إمامُ الحَرَمَيْنِ التَّوَقُّفَ، وآياتُ القُرْآنِ ورَدَ فِيها ما يَصْلُحُ لِلْأمْرَيْنِ.

و(بَلى) حَرْفُ إبْطالٍ لِلنَّفْيِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ فَمَعْناهُ بَلْ تُجْمَعُ عِظامُهُ عَلى اخْتِلافِ المَحْمَلَيْنِ في مَعْنى الجَمْعِ.

و(قادِرِينَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلِ المَحْذُوفِ بَعْدَ (بَلى) الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنْ لَنْ نَجْمَعَ﴾)، أيْ بَلْ نَجْمَعُها في حالِ قُدْرَتِنا عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَلى) إبْطالًا لِلنَّفْيَيْنِ: النَّفْيِ الَّذِي أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾)، والنَّفْيُ الَّذِي في مَفْعُولِ (يَحْسَبُ)، وهو إبْطالٌ بِزَجْرٍ، أيْ بَلْ لِيَحْسِبْنا قادِرِينَ، لِأنَّ مُفادَ (﴿أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾) أنْ لا نَقْدِرَ عَلى جَمْعِ عِظامِهِ فَيَكُونُ (قادِرِينَ) مَفْعُولًا ثانِيًا لِيَحْسِبْنا المُقَدَّرِ، وعَدَلَ في مُتَعَلِّقِ (قادِرِينَ) عَنْ أنْ يُقالَ: قادِرِينَ عَلى جَمْعِ عِظامِهِ إلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ لِأنَّهُ أوْفَرُ مَعْنًى وأوْفَقُ بِإرادَةِ إجْمالِ كَيْفِيَّةِ البَعْثِ والإعادَةِ.

ولِمُراعاةِ هَذِهِ المَعانِي عُدِلَ عَنْ رَفْعِ: ”قادِرُونَ“، بِتَقْدِيرِ: نَحْنُ قادِرُونَ فَلَمْ يُقْرَأْ بِالرَّفْعِ.

صفحة ٣٤١

والتَّسْوِيَةُ: تَقْوِيمُ الشَّيْءِ وإتْقانُ الخَلْقِ قالَ تَعالى (﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]) وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ (﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨]) . وأُرِيدَ بِالتَّسْوِيَةِ إعادَةُ خَلْقِ البَنانِ مُقَوَّمَةً مُتْقَنَةً، فالتَّسْوِيَةُ كِنايَةٌ عَنِ الخَلْقِ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُهُ فَإنَّهُ ما سُوِّيَ إلّا وقَدْ أُعِيدَ خَلْقُهُ قالَ تَعالى (﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢]) .

والبَنانُ أصابِعُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أوْ أطْرافُ تِلْكَ الأصابِعِ. وهو اسْمُ جَمْعِ بَنانَةٍ.

وإذْ كانَتْ هي أصْغَرَ الأعْضاءِ الواقِعَةِ في نِهايَةِ الجَسَدِ كانَتْ تَسْوِيَتُها كِنايَةً عَنْ تَسْوِيَةِ جَمِيعِ الجَسَدِ لِظُهُورِ أنَّ تَسْوِيَةَ أطْرافِ الجَسَدِ تَقْتَضِي تَسْوِيَةَ ما قَبْلَها كَما تَقُولُ: قَلَعَتِ الرِّيحُ أوْتادَ الخَيْمَةِ كِنايَةً عَنْ قَلْعِها الخَيْمَةَ كُلَّها فَإنَّهُ قَدْ يُكَنّى بِأطْرافِ الشَّيْءِ عَنْ جَمِيعِهِ.

ومِنهُ قَوْلُهم: لَكَ هَذا الشَّيْءُ بِأسْرِهِ، أيْ مَعَ الحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ، كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: هو لَكَ بِرُمَّتِهِ، أيْ بِحَبْلِهِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ.

75:5Page 577

بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ ٥

But man desires to continue in sin.1

( ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾

بَلْ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى ذِكْرِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ فُجُورِهِمْ، فَمَوْقِعُ الجُمْلَةِ بَعْدَ (بَلْ) بِمَنزِلَةِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ، أيْ لَمّا دُعُوا إلى الإقْلاعِ عَنِ الإشْراكِ وما يَسْتَدْعِيهِ مِنَ الآثامِ وأُنْذِرُوا بِالعِقابِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ كانُوا مُصَمِّمِينَ عَلى الاسْتِرْسالِ في الكُفْرِ.

والفُجُورُ: فِعْلُ السُّوءِ الشَّدِيدِ ويُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ، ومِنهُ وُصِفَتِ اليَمِينُ الكاذِبَةُ بِالفاجِرَةِ، فَيَكُونُ فَجَرَ بِمَعْنى كَذَبَ وزْنًا ومَعْنًى، فَيَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا مِثْلَ فِعْلِ كَذَبَ. مُخَفَّفِ الذّالِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ - يَعْنِي الكافِرَ - يُكَذِّبُ بِما أمامَهُ. وعَنِ ابْنَ قُتَيْبَةَ: أنَّ أعْرابِيًّا سَألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى راحِلَةٍ وشَكا دُبُرَ راحِلَتِهِ فاتَّهَمَهُ عُمَرُ فَقالَ الأعْرابِيُّ:

ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ

فاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ

صفحة ٣٤٢

قالَ: يَعْنِي إنْ كانَ نَسَبَنِي إلى الكَذِبِ.

وقَوْلُهُ (﴿يُرِيدُ الإنْسانُ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَمّا في نُفُوسِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن مَحَبَّةِ الِاسْتِرْسالِ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ والفُجُورِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا مُوافِقًا لِسِياقِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) .

وأُعِيدَ لَفْظُ (الإنْسانُ) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ المَقامَ لِتَقْرِيعِهِ والتَّعْجِيبِ مِن ضَلالِهِ.

وكُرِّرَ لَفْظُ (الإنْسانُ) في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ لِذَلِكَ، مَعَ زِيادَةِ ما في تَكَرُّرِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ والمَرَّتَيْنِ الرّابِعَةِ والخامِسَةِ مِن خُصُوصِيَّةٍ لِتَكُونَ تِلْكَ الجُمَلُ الثَّلاثُ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُهُ فِيها مُسْتَقِلَّةً بِمُفادِها.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِيَفْجُرَ) هي اللّامُ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُها بَعْدَ مادَّتِي الأمْرِ والإرادَةِ نَحْوَ (﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]) (﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]) وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

أُرِيدُ لِأنْسى حُبَّها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ مَكانِ

ويَنْتَصِبُ الفِعْلُ بَعْدَها بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ، لِأنَّهُ أصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامِ التَّعْلِيلِ ولِذَلِكَ قِيلَ هي لامُ التَّعْلِيلِ وقِيلَ زائِدَةٌ. وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي قَبْلَ هَذِهِ اللّامِ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأنَّ اللّامَ وما بَعْدَها خَبَرُهُ، أيْ إرادَتَهم لِلْفُجُورِ. واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا مَفْعُولَ لِلْفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَها، ولِهَذا الِاسْتِعْمالِ الخاصِّ بِها. قالَ النَّحاسُ: سَمّاها بَعْضُ القُرّاءِ لامَ أنْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في مَواضِعَ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]) في سُورَةِ النِّساءِ.

وأمامَ: أصْلُهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي هو قُبالَةُ مَن أُضِيفَ هو إلَيْهِ وهو ضِدُّ خَلْفَ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الحِسابِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بْنُ زَيْدٍ: يُكَذِّبُ بِما أمامَهُ سَفَطُ.

وضَمِيرُ (أمامَهُ) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الإنْسانِ، أيْ في مُسْتَقْبَلِهِ، أيْ مِن عُمُرِهِ فَيَمْضِي قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ لا يُقْلِعُ عَمّا هو فِيهِ مِنَ الفُجُورِ فَيُنْكِرُ البَعْثَ فَلا يَزَعُ نَفْسَهُ عَمّا لا يُرِيدُ أنْ يَزَعَها مِنَ الفُجُورِ. وإلى هَذا المَعْنى نَحا ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ.

صفحة ٣٤٣

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمامَهُ) أُطْلِقَ عَلى اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ مَجازًا. وإلى هَذا نَحا ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ وعَبْدُ الرَّحْمانِ بْنُ زَيْدٍ، ويَكُونُ (يَفْجُرَ) بِمَعْنى يُكَذِّبُ، أيْ يُكَذِّبُ بِاليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ.

75:6Page 577

يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ ٦

He asks, "When is the Day of Resurrection?"

( ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾

يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةً بِالَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها لِأنَّ إرادَتَهُ الِاسْتِرْسالَ عَلى الفُجُورِ يَشْتَمِلُ عَلى التَّهَكُّمِ بِيَوْمِ البَعْثِ أوْ عَلى أنَّها بَدَلٌ مُطابِقٌ عَلى تَفْسِيرِ (﴿يَفْجُرَ أمامَهُ﴾ [القيامة: ٥]) بِالتَّكْذِيبِ بِيَوْمِ البَعْثِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ سُؤالِهِمْ عَنْ وقْتِ يَوْمِ القِيامَةِ وهو سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ لِاعْتِقادِهِمُ اسْتِحالَةَ وُقُوعِهِ.

و(أيّانَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ البَعِيدِ لِأنَّ أصْلَها: أنْ آنَ كَذا، ولِذَلِكَ جاءَ في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ مَضْمُومَ النُّونِ وإنَّما فَتَحُوا النُّونَ في اللُّغَةِ الفُصْحى لِأنَّهم جَعَلُوا الكَلِمَةَ كُلَّها ظَرْفًا فَصارَتْ (أيّانَ) بِمَعْنى (مَتى) . وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧]) في الأعْرافِ. فالمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَ تَعْيِينَ وقْتٍ مَعْرُوفٍ مَضْبُوطٍ بَعْدَ السِّنِينَ ونَحْوِها، أوْ بِما يَتَعَيَّنُ بِهِ عِنْدَ السّائِلِينِ مِن حَدَثٍ يَحُلُّ مَعَهُ هَذا اليَوْمَ. فَهو طَلَبُ تَعْيِينِ أمَدٍ لِحُلُولِ يَوْمٍ يَقُومُ فِيهِ النّاسُ.

75:7–13Page 577

فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ ٧

So when vision is dazzled

وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ ٨

And the moon darkens

وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ ٩

And the sun and the moon are joined,

يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠

Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"

كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١

No! There is no refuge.

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢

To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.

يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣

Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2

( ﴿فَإذا بَرَقَ البَصَرُ﴾ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّؤُا الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾

عُدِلَ عَنْ أنْ يُجابُوا بِتَعْيِينِ وقْتٍ لِيَوْمِ القِيامَةِ إلى أنْ يُهَدِّدُوا بِأهْوالِهِ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا جادِّينَ في سُؤالِهِمْ فَكانَ مِن مُقْتَضى حالِهِمْ أنْ يُنْذَرُوا بِما يَقَعُ مِنَ الأهْوالِ

صفحة ٣٤٤

عِنْدَ حُلُولِ هَذا اليَوْمِ مَعَ تَضْمِينِ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ فَإنَّ كَلامَ القُرْآنِ إرْشادٌ وهُدْي ما يَتْرُكُ فُرْصَةً لِلْهَدْيِ والإرْشادِ إلّا انْتَهَزَها، وهَذا تَهْدِيدٌ في ابْتِدائِهِ جاءَ في صُورَةِ التَّعْيِينِ لِوَقْتِ يَوْمِ القِيامَةِ إيهامًا بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ كَأنَّهُ حَمْلٌ لِكَلامِهِمْ عَلى خِلافِ الِاسْتِهْزاءِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى أنْ فَرَّطُوا في التَّوَقِّي مِن ذَلِكَ اليَوْمِ واشْتَغَلُوا بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما «رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ لَهُ: ماذا أعْدَدْتَ لَها» .

فَإنَّ هَذِهِ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ مِمّا يَقَعُ عِنْدَ حُلُولِ السّاعَةِ وقِيامِ القِيامَةِ فَكانَ ذَلِكَ شَيْئًا مِن تَعْيِينِ وقْتِهِ بِتَعْيِينِ أشْراطِهِ.

والفاءُ لِتَفْرِيعِ الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ.

و(بَرِقَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الرّاءِ، ومَعْناهُ: دُهِشَ وبُهِتَ، يُقالُ: بَرِقَ يَبْرُقُ فَهو بَرِقٌ مِن بابِ فَرِحَ فَهو مِن أحْوالِ الإنْسانِ.

وإنَّما أُسْنِدَ في الآيَةِ إلى البَصَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَكانِ البَرْقِ لِأنَّهُ إذا بُهِتَ شَخَصَ بَصَرُهُ. كَما أسْنَدَ الأعْشى البَرْقَ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِهِ:

كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتُّوا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ

وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الرّاءِ مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى اللَّمَعانِ، أيْ لَمَعَ البَصَرُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، ومُضارِعُهُ يَبْرُقُ بِضَمِّ الرّاءِ. وإسْنادُهُ إلى البَصَرِ حَقِيقَةٌ.

ومَآلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وهو الكِنايَةُ عَنِ الفَزَعِ والرُّعْبِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧])، فَلا وجْهَ لِتَرْجِيحِ الطَّبَرِيِّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ ولا مِن جِهَةِ المَعْنى ولا مِن مُقْتَضى التَّفْسِيرِ.

والتَّعْرِيفُ في (البَصَرِ) لِلْجِنْسِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ أبْصارُ النّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ الحاصِلَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى أنَّهم مُتَفاوِتُونَ في الرُّعْبِ الحاصِلِ لَهم عَلى تَفاوُتِهِمْ فِيما يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ مِن طَرائِقِ مَنازِلِهِمْ.

صفحة ٣٤٥

وخُسُوفُ القَمَرِ أُرِيدَ بِهِ انْطِماسُ نُورِهِ انْطِماسًا مُسْتَمِرًّا بِسَبَبِ تَزَلْزُلِهِ مِن مَدارِهِ حَوْلَ الأرْضِ الدّائِرَةِ حَوْلَ الشَّمْسِ بِحَيْثُ لا يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ نُورُها ولا يَلُوحُ لِلنّاسِ نَيِّرًا، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾)، فَهَذا الخُسُوفُ لَيْسَ هو خُسُوفَهُ المُعْتادَ عِنْدَما تَحُولُ الأرْضُ بَيْنَ القَمَرِ وبَيْنَ مُسامَتَتِهِ الشَّمْسَ.

ومَعْنى جَمْعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ: التِصاقُ القَمَرِ بِالشَّمْسِ فَتَلْتَهِمُهُ الشَّمْسُ لِأنَّ القَمَرَ مُنْفَصِلٌ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هي مِنَ الأجْرامِ الدّائِرَةِ حَوْلَ الشَّمْسِ كالكَواكِبِ ويَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلالِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي وضَعَ اللَّهُ عَلَيْها النِّظامَ الشَّمْسِيَّ.

و(إذا بَرَقَ البَصَرُ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (﴿يَقُولُ الإنْسانُ﴾)، وإنَّما قُدِمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالظَّرْفِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ مُجاوَبَةِ قَوْلِهِ (﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦]) .

وطُوِيَ التَّصْرِيحُ بِأنَّ ذَلِكَ حُلُولُ يَوْمِ القِيامَةِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهم (﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَلَّ يَوْمُ القِيامَةِ وحَضَرَتْ أهْوالُهُ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ تَأكَّدَ بِقَوْلِهِ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾) .

و(يَوْمَئِذٍ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَقُولُ) أيْضًا، أيْ يَوْمَ إذْ يَبْرُقُ البَصَرُ ويَخْسِفُ القَمَرُ ويُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَتَنْوِينُ (إذْ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذْ) .

وذُكِرَ (يَوْمَئِذٍ) مَعَ أنَّ قَوْلَهُ (إذا بَرَقَ البَصَرُ) إلَخْ مُغْنٍ عَنْهُ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَ وُقُوعَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ فَيَسْألُونَ عَنْ وقْتِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ حُصُولَ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ في وقْتٍ واحِدٍ.

والإنْسانُ: هو المُتَحَدَّثُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ) ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]، أيْ يَقُولُ الإنْسانُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ: أيْنَ المَفَرُّ.

والمَفَرُّ: بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ مَصْدَرٌ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَنِّي، أيْ لَيْتَ لِي فِرارًا في مَكانِ نَجاةٍ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُهُ.

و(أيْنَ) ظَرْفُ مَكانٍ.

و(كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضَمَّنَهُ (﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾) مِنَ الطَّمَعِ في أنْ يَجِدَ لِلْفِرارِ سَبِيلًا.

صفحة ٣٤٦

والوَزَرُ: المَكانُ الَّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ لِلتَّوَقِّي مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِثْلَ الجِبالِ والحُصُونِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿كَلّا لا وزَرَ﴾) كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى جَوابًا لِمَقالَةِ الإنْسانِ، أيْ لا وزَرَ لَكَ، فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى (المَفَرُّ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ مَقالَةِ الإنْسانِ، أيْ يَقُولُ: أيْنَ المَفَرُّ ؟ ويُجِيبُ نَفْسَهُ بِإبْطالِ طَمَعِهِ فَيَقُولُ (﴿كَلّا لا وزَرَ﴾) أيْ لا وزَرَ لِي، وذَلِكَ بِأنْ نَظَرَ في جِهاتِهِ فَلَمْ يَجِدْ إلّا النّارَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ، فَيَحْسُنُ أنْ يُوصَلَ (﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾) بِجُمْلَةِ (﴿كَلّا لا وزَرَ﴾) .

وأمّا قَوْلُهُ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾) فَهو كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ، فَهو اعْتِراضٌ وإدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِمُلْكِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وفِي إضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إيماءٌ إلى أنَّهُ ناصِرُهُ يَوْمَئِذٍ بِالِانْتِقامِ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَتَهُ.

والمُسْتَقَرُّ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنِ اسْتَقَرَّ إذا قَرَّ في المَكانِ ولَمْ يَنْتَقِلْ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ إلى رَبِّكَ لا إلى مَلْجَأٍ آخَرَ. والمَعْنى: لا مَلْجَأ يَوْمَئِذٍ لِلْإنْسانِ إلّا مُنْتَهِيًا إلى رَبِّكَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]) .

وجُمْلَةُ (﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أثارَهُ قَوْلُهُ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾)، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، أيْ إلى اللَّهِ مَصِيرُهم وفي مَصِيرِهِمْ يُنَبَّأُونَ بِما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا.

ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (الإنْسانُ) الكافِرَ جَرْيًا عَلى سِياقِ الآياتِ السّابِقَةِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ وإنْ كانَ كُلُّ إنْسانٍ يُنَبَّأُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ مِن أهْلِ الخَيْرِ ومِن أهْلِ الشَّرِّ قالَ تَعالى (﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]) الآيَةَ. واخْتِلافُ مَقاماتِ الكَلامِ يَمْنَعُ مِن حَمْلِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الألْفاظِ عَلى مَحْمَلٍ واحِدٍ، فَإنَّ في القُرْآنِ فُنُونًا مِنَ التَّذْكِيرِ لا تَلْزَمُ طَرِيقَةً واحِدَةً. وهَذا مِمّا يَغْفُلُ عَنْ مُراعاتِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في حَمْلِهِمْ مَعانِي الآياتِ المُتَقارِبَةِ المَغْزى عَلى مَحامِلَ مُتَماثِلَةٍ.

صفحة ٣٤٧

وتَنْبِئَةُ الإنْسانِ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِ عَلى ما فَعَلَهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ سُوءًا فَسُوءٌ، إذْ يُقالُ لَهُ: هَذا جَزاءُ الفِعْلَةِ الفُلانِيَّةِ فَيَعْلَمُ مِن ذَلِكَ فِعْلَتَهُ ويَلْقى جَزاءَها، فَكانَ الإنْباءُ مِن لَوازِمِ الجَزاءِ قالَ تَعالى (﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]) ويَحْصُلُ في ذَلِكَ الإنْباءِ تَقْرِيعٌ وفَضْحٌ لِحالِهِ.

والمُرادُ بِـ (ما قَدَّمَ): ما فَعَلَهُ وبِـ (ما أخَّرَ): ما تَرَكَهُ مِمّا أُمِرَ بِفِعْلِهِ أوْ نُهِيَ عَنْ فِعْلِهِ في الحالَيْنِ فَخالَفَ ما كُلِّفَ بِهِ ومِمّا عَلَّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الدُّعاءِ ”«فاغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ» “ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском