Ibn 'AshurNuh · 71:1–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

نوح

Nuh

Noah · Meccan · 28 ayahs

71:1Page 570

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١

Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."

﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِالتَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرٍ، ولا دَفْعِ شَكٍّ عَنْ مُتَرَدِّدٍ في هَذا الكَلامِ. وكَثِيرًا ما يَفْتَتِحُ بُلَغاءُ العَرَبِ أوَّلَ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِهَذا الغَرَضِ ورُبَّما جَعَلُوا (إنَّ) داخِلَةً عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ الآيَةَ.

وذِكْرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَضى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ أنَّ هَذا الِاسْمَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن مادَّةِ النَّوْحِ.

و﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ إلى آخِرِهِ هو مَضْمُونُ ما أُرْسِلَ بِهِ نُوحٌ إلى قَوْمِهِ، فَـ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّها وقَعَتْ بَعْدَ أرْسَلْنا. وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أنَّهُ يُخَوِّفُهم غَضَبَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ عَبَدُوا الأصْنامَ ولَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ ولَمْ يُطِيعُوا ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُنْذِرَهم عَذابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَكُونَ إنْذارُهُ مُقَدَّمًا عَلى حُلُولِ العَذابِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ

صفحة ١٨٧

بِأنْ يُعْلِمَهم بِهَذا العَذابِ، وأنَّ اللَّهَ وقَّتَهُ بِمُدَّةِ بَقائِهِمْ بَعْدَ الشِّرْكِ بَعْدَ إبْلاغِ نُوحٍ إلَيْهِمْ ما أُرْسِلَ بِهِ في مُدَّةٍ يَقَعُ الإبْلاغُ في مِثْلِها، فَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أنْذِرْ لِدَلالَةِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣] .

وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ، فَهي قَبْلِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتَأْكِيدُها بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (قَبْلِ) .

وقَوْمُ نُوحٍ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ كانُوا عامِرِينَ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ، إذْ لا يُوجَدُ غَيْرُهم عَلى الأرْضِ كَما هو ظاهِرُ حَدِيثِ الشَّفاعَةِ وذَلِكَ صَرِيحُ ما في التَّوْراةِ.

والقَوْمُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ يَجْمَعُهم مَوْطِنٌ واحِدٌ أوْ نَسَبٌ واحِدٌ بِرِجالِهِمْ ونِسائِهِمْ وأطْفالِهِمْ.

وإضافَةُ (قَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ (نُوحٍ)؛ لِأنَّهُ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَلَهم مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهِ، ولِأنَّهُ واحِدٌ مِنهم وهم بَيْنَ أبْناءٍ لَهُ وأنْسِباءَ فَإضافَتُهم إلى ضَمِيرِهِ تَعْرِيفٌ لَهم إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ مِن أسْماءِ الأُمَمِ الواقِعَةِ مِن بَعْدُ.

وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ لَهُ: أنْذِرِ النّاسَ إلى قَوْلِهِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ إلْهابًا لِنَفْسِ نُوحٍ لِيَكُونَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى ما فِيهِ نَجاتُهم مِنَ العَذابِ، فَإنَّ فِيهِمْ أبْناءَهُ وقَرابَتَهُ وأحِبَّتَهُ، وهم عَدَدٌ تَكَوَّنَ بِالتَّوالُدِ في بَنِي آدَمَ في مُدَّةِ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِن حُلُولِ جِنْسِ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ. ولَعَلَّ عَدَدَهم يَوْمَ أُرْسِلَ نُوحٍ إلَيْهِمْ لا يَتَجاوَزُ بِضْعَةَ آلافٍ.

71:2–3Page 570

قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢

He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -

أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣

To worship Allāh, fear Him and obey me.

﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] لِأنَّها في مَعْنى البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] لِدَلالَتِها عَلى أنَّهُ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم، وإنَّما أُدْمِجَ فِيهِ فِعْلُ قَوْلِ نُوحٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ فَقالَ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ لِإنْذارِ قَوْمِهِ في حِينِ بُلُوغِ الوَحْيِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ.

صفحة ١٨٨

ولَكَ أنْ تَجْعَلَها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ ماذا فَعَلَ نُوحٌ حِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وهُما مُتَقارِبانِ.

وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ قَوْمَهَ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ، ونِداؤُهم بِعُنْوانِ: أنَّهم قَوْمُهُ، تَمْهِيدٌ لِقَبُولِ نُصْحِهِ إذْ لا يُرِيدُ الرَّجُلُ لِقَوْمِهِ إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ. وتَصْدِيرُ دَعْوَتِهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَتَرَدَّدُونَ في الخَبَرِ.

والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ غَيْرُ جارٍ عَلى القِياسِ، وهو مِثْلُ بَشِيرٍ، ومِثْلُ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، وألِيمٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعِدِ يكَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] . وحَذْفُ مُتَعَلِّقَ نَذِيرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنِّي لَكم نَذِيرٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِي.

والمُبِينُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أبانَ المُتَعَدِّي الَّذِي مُجَرَّدُهُ بانَ، أيْ: مُوَضِّحٌ أوْ مِن أبانَ القاصِرِ، الَّذِي هو مُرادِفُ بانَ المُجَرَّدِ، أيْ: نَذِيرٌ واضِحٌ لَكم أنِّي نَذِيرٌ، لِأنِّي لا أجْتَنِي مِن دَعْوَتِكم فائِدَةً مِن مَتاعِ الدُّنْيا وإنَّما فائِدَةُ ذَلِكَ لَكم، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١١٠] .

وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى عامِلِهِ وهو نَذِيرٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ مِن كَوْنِ النِّذارَةُ لِفائِدَتِهِمْ لا لِفائِدَتِهِ.

فَجَمَعَ في صَدْرِ دَعْوَتِهِ خَمْسَةَ مُؤَكِّداتٍ، وهي: النِّداءُ، وجَعْلُ المُنادى لَفْظَ يا (قَوْمِ) المُضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وافْتِتاحُ كَلامِهِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، واجْتِلابُ لامِ التَّعْلِيلِ، وتَقْدِيمُ مَجْرُورِها.

و(أنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ وصْفَ (نَذِيرٌ) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ونَسُوها بِالتَّمَحُّضِ لِأصْنامِهِمْ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ مُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . وبِذَلِكَ كانَ تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِحالِ قَوْمِ نُوحٍ تَمْثِيلًا تامًّا.

صفحة ١٨٩

واتِّقاءُ اللَّهِ اتِّقاءُ غَضَبِهِ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ. والمُرادُ: حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ مِن بابِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: أكْلُها، أيْ: بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بِهِ. وطاعَتُهم لِنُوحٍ هي امْتِثالُهم لِما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَةِ نُوحٍ إلّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَلَيْسَ في شَرِيعَتِهِ أعْمالٌ تُطْلَبُ الطّاعَةُ فِيها لَكِنْ لَمْ تَخْلُ شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ مِن تَحْرِيمِ الفَواحِشِ مِثْلَ قَتْلِ الأنْفُسِ وسَلْبِ الأمْوالِ، فَقَوْلُهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] يَنْصَرِفُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى ذُنُوبِ الإشْراكِ اعْتِقادًا وسُجُودًا.

وجَزْمُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] في جَوابِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، أيْ: إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكم مِن ذُنُوبِكم. وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ.

وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، وهَذا مِن زِيادَةِ (مِن) في الإيجابِ عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن أيِمَّةِ النَّحْوِ مِثْلَ الأخْفَشِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّي مِنَ البَصْرِيِّينَ وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ وجَمِيعُ نُحاةِ الكُوفَةِ. فَيُفِيدُ أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ في شَرِيعَةِ نُوحٍ مِثْلَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، عِنْدَ مَن أثْبَتَ ذَلِكَ وهو اخْتِيارُ التَّفْتَزانِيِّ، أيْ: يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم، أيْ: ذُنُوبَ الإشْراكِ وما مَعَهُ، فَيَكُونُ الإيمانُ في شَرْعِ نُوحٍ لا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ تَماثُلُ الشَّرائِعِ في جَمِيعِ الأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ، ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ مِن تَفارِيعِ الدِّينِ ولَيْسَتْ مِن أُصُولِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى التَّبْعِيضِ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ دُونَ ما يُذْنِبُونَ مِن بَعْدُ. وهَذا يَتِمُّ ويَحْسُنُ إذا قَدَّرْنا أنَّ شَرِيعَةَ نُوحٍ تَشْتَمِلُ عَلى أوامِرَ ومَنهِيّاتٍ عَمَلِيَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ اقْتِصادًا في الكَلامِ بِالقَدْرِ المُحَقَّقِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] فَهو وعْدٌ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَسْتَوِي النّاسُ في رَغْبَتِهِ، وهو طُولُ البَقاءِ فَإنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ؛ لِأنَّ في جِبِلَّةِ الإنْسانِ حُبُّ البَقاءِ في الحَياةِ عَلى ما في الحَياةِ مِن عَوارِضَ ومُكَدِّراتٍ. وهَذا نامُوسٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في جِبِلَّةِ الإنْسانِ لِتَجْرِيَ أعْمالُ النّاسِ عَلى ما يُعِينُ عَلى حِفْظِ النَّوْعِ. قالَ المَعَرِّيُّ:

وكُلٌّ يُرِيدُ العَيْشَ والعَيْشُ حَتْفُهُ ∗∗∗ ويَسْتَعْذِبُ اللَّذّاتِ وهْيَ سِمامُ

والتَّأْخِيرُ: ضِدُّ التَّعْجِيلِ، وقَدْ أُطْلِقَ التَّأْخِيرُ عَلى التَّمْدِيدِ والتَّوْسِيعِ مِن أجْلِ الشَّيْءِ.

صفحة ١٩٠

وقَدْ أشْعَرَ وعْدُهُ إيّاهم بِالتَّأْخِيرِ أنَّهُ تَأْخِيرُ مَجْمُوعِهِمْ، أيْ: مَجْمُوعُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ جَزاءً لِكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ مِنهم واتَّقاهُ وأطاعَ الرَّسُولَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أنْذَرَهم في خِلالِ ذَلِكَ بِاسْتِئْصالِ القَوْمِ كُلِّهِمْ، وأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وكَما يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] أيْ: سَخِرُوا مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَصْنَعُ الفُلْكَ لِلْوِقايَةِ مِنهُ. وهو أمْرُ الطُّوفانِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّأْخِيرَ المُرادَ هُنا هو عَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ. والمَعْنى: ويُؤَخَّرُ القَوْمُ كُلُّهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو آجالُ إشْخاصِهِمْ وهي مُتَفاوِتَةٌ.

والأجَلُ المُسَمّى: هو الأجَلُ المُعَيَّنُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عِنْدَ خِلْقَةِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم، فالتَّنْوِينُ في (أجَلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيِ: الجِنْسِ، وهو صادِقٌ عَلى آجالٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِعَدَدِ أصْحابِها كَما قالَ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥]

ومَعْنى مُسَمًّى أنَّهُ مُحَدَّدٌ مُعَيَّنٌ وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

فالأجَلُ المُسَمّى: هو عُمُرُ كُلِّ واحِدٍ المُعَيَّنُ لَهُ في ساعَةِ خَلْقِهِ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ ”«أنَّ المَلَكَ يُؤْمَرُ بِكَتْبِ أجَلِ المَخْلُوقِ عِنْدَما يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» “ واسْتُعِيرَتِ التَّسْمِيَةُ لِلتَّعْيِينِ لِشَبَهِ عَدَمِ الِاخْتِلاطِ بَيْنَ أصْحابِ الآجالِ.

والمَعْنى: ويُؤَخِّرُكم فَلا يُعَجِّلُ بِإهْلاكِكم جَمِيعًا فَيُؤَخِّرُ كُلَّ أحَدٍ إلى أجْلِهِ المُعَيَّنِ لَهُ عَلى تَفاوُتِ آجالِهِمْ.

فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى آيَةِ سُورَةِ هُودٍ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] وهي عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

71:4Page 570

يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤

He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."

﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: تَعْلِيلًا لِلرَّبْطِ الَّذِي بَيْنَ الأمْرِ وجَزائِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٣] إلى قَوْلِهِ ويُؤَخِّرْكم إلَخْ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الأمْرِ وجَوابِهِ يُعْطِي بِمَفْهُومِهِ مَعْنى: إنْ لا تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَتَّقُوهُ ولا تُطِيعُونِي لا يَغْفِرْ لَكم ولا يُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَعُلِّلَ هَذا

صفحة ١٩١

الرَّبْطُ والتَّلازُمُ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ وبَيْنَ جَزائِهِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، أيْ: أنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِحُلُولِ العَذابِ بِكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِ إذا جاءَ إبّانُهُ بِاسْتِمْرارِكم عَلى الشِّرْكِ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ساعَتَئِذٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، فَيَكُونُ هَذا حَثًّا عَلى التَّعْجِيلِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ.

فالأجَلُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المُقْتَضِي أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِآجالِ الأُمَمِ المُعَيَّنَةِ لِاسْتِئْصالِهِمْ، وأمّا عَدَمُ تَأْخِيرِ آجالِ الأعْمارِ عِنْدَ حُلُولِها فَمَعْلُومٌ لِلنّاسِ مَشْهُورٌ في كَلامِ الأوَّلِينَ. وفي إضافَةِ (أجَلَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ الأجَلُ المُعْتادُ بَلْ هو أجَلٌ عَيَّنَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ إنْذارًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَحْدِيدِ غايَةِ تَأْخِيرِهِمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أيْ: دُونَ تَأْخِيرِهِمْ تَأْخِيرًا مُسْتَمِرًّا فَيَسْألُ السّامِعُ في نَفْسِهِ عَنْ عِلَّةِ تَنْهِيَةِ تَأْخِيرِهِمْ بِأجَلٍ آخَرَ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .

ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِكِلا الأجَلَيْنِ: الأجَلُ المُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَإنَّ لَفْظَ ”قَبْلِ“ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَهُ أجَلٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، والأجَلُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ صادِقًا عَلى الأجَلِ المُسَمّى وهو أجَلُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ القَوْمِ.

وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ كَشْفٍ، أيِ: الأجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ لِكُلِّ أحَدٍ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إمّا لِاخْتِلافِ المُرادِ بِلَفْظَيِ (الأجَلِ) في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، وإمّا لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ فانْفَكَّتْ جِهَةُ التَّعارُضِ.

صفحة ١٩٢

أمّا مَسْألَةُ تَأْخِيرِ الآجالِ والزِّيادَةِ في الأعْمارِ والنَّقْصِ مِنها وتَوْحِيدِ الأجَلِ عِنْدَنا واضْطِرابِ أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ في هَلْ لِلْإنْسانِ أجَلٌ واحِدٌ أوْ أجَلانِ ؟ فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرى تَرْتَبِطُ بِأصْلَيْنِ: أصْلِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِما سَيَكُونُ، وأصْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْأسْبابِ وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتُها عَلَيْها.

فَأمّا ما في عِلْمِ اللَّهِ فَلا يَتَغَيَّرُ قالَ تَعالى ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ، والنّاسُ لا يَطَّلِعُونَ عَلى ما في عِلْمِ اللَّهِ.

وأمّا وُجُودُ الأسْبابِ كُلِّها كَأسْبابِ الحَياةِ، وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتِها عَلَيْها فَيَتَغَيَّرُ بِإيجادِ اللَّهِ مُغَيِّراتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ إكْرامًا لِبَعْضِ عِبادِهِ أوْ إهانَةً لِبَعْضٍ آخَرَ. وفي الحَدِيثِ ”«صَدَقَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» “ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ. وعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ في عُمُرِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولْيَصِلْ رَحِمَهُ» وسَنَدُهُ جَيِّدٌ، فَآجالُ الأعْمارِ المُحَدَّدَةِ بِالزَّمانِ أوْ بِمِقْدارِ قُوَّةِ الأعْضاءِ وتَناسُبِ حَرَكَتِها قابِلَةٌ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وآجالُ العُقُوباتِ الإلَهِيَّةِ المُحَدَّدَةِ بِحُصُولِ الأعْمالِ المُعاقَبِ عَلَيْها بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أوْ فِيهِ مُهْلَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلتَّأْخِيرِ وهي ماصْدَقَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] عَلى أظْهَرِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وما في عِلْمِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ لا يُخالِفُ ما يَحْصُلُ في الخارِجِ.

فالَّذِي رَغَّبَ نُوحٌ قَوْمَهُ فِيهِ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ آجالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَلَوْ فَعَلُوهُ تَأخَّرَتْ آجالُهم وبِتَأْخِيرِها يَتَبَيَّنُ أنْ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَعْمَلُونَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ آجالَهم تَطُولُ، وإذْ لَمْ يَفْعَلُوهُ فَقَدْ كَشَفَ لِلنّاسِ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ اللَّهَ قاطِعُ آجالِهِمْ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءُ ﷺ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ إلى ما خُلِقَ لَهُ» وقَدِ اسْتَعْصى فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَخَلَطُوا بَيْنَ ما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ وما أظْهَرَهُ قَدَرُ اللَّهَ في الخارِجِ الوُجُودِيِّ.

وفِي إقْحامِ فِعْلِ (كُنْتُمْ) قَبْلَ (تَعْلَمُونَ) إيذانٌ بِأنَّ عَمَلَهم بِذَلِكَ المُنْتَفِي لِوُقُوعِهِ شَرْطًا لِحَرْفِ (لَوْ) مُحَقَّقٌ انْتِفاؤُهُ كَما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

صفحة ١٩٣

وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: لَأيْقَنْتُمْ أنَّهُ لا يُؤَخَّرُ.

71:5–6Page 570

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥

He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.

فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦

But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].

( ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِيَ إلّا فِرارًا﴾ .

جُرِّدَ فِعْلُ (قالَ) هُنا مِنَ العاطِفِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ جَوابِ نُوحٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوابِ الَّذِي يُتَلَقّى بِهِ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ بِإبْلاغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِ وتَمامِ حِرْصِهِ في ذَلِكَ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ وحُصُولِ يَأْسِهِ مِنهم، فَجَعَلَ مُراجَعَتَهُ رَبَّهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ مُسْتَفادَةٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ بِمَنزِلَةِ المُراجَعَةِ في المَقامِ الواحِدِ بَيْنَ المُتَحاوِرِينَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ قالَ رَبِّ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ ماذا أجابَ قَوْمُ نُوحٍ دَعْوَتَهُ، فَكانَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ ما يَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ مَعَ زِيادَةِ مُراجَعَةِ نُوحٍ رَبَّهُ تَعالى.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الشِّكايَةُ والتَّمْهِيدُ لِطَلَبِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِهِ عالِمٌ بِمَدْلُولِ الخَبَرِ. وذَلِكَ ما سَيُفْضِي إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآياتِ.

وفائِدَةُ حِكايَةِ ما ناجى بِهِ نُوحٌ رَبَّهُ إظْهارُ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، وانْتِصارُ اللَّهِ لَهُ، والإتْيانُ عَلى مُهِمّاتٍ مِنَ العِبْرَةِ بِقِصَّتِهِ، بِتَلْوِينٍ لِحِكايَةِ أقْوالِهِ وأقْوالِ قَوْمِهِ وقَوْلِ اللَّهِ لَهُ. وتِلْكَ ثَمانِ مَقالاتٍ هي:

١ - ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] إلَخْ.

٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] إلَخْ.

٣ - ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلَخْ.

٤ - ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠] إلَخْ.

٥ - ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] إلَخْ.

صفحة ١٩٤

٦ - ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] إلَخْ.

٧ - ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] إلَخْ.

٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح: ٢٨] إلَخْ.

وجَعَلَ دَعْوَتَهُ مَظْرُوفَةً في زَمَنَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الهَوادَةِ في حِرْصِهِ عَلى إرْشادِهِمْ، وأنَّهُ يَتَرَصَّدُ الوَقْتَ الَّذِي يَتَوَسَّمُ أنَّهم فِيهِ أقْرَبُ إلى فَهْمِ دَعْوَتِهِ مِنهم في غَيْرِهِ، مِن أوْقاتِ النَّشاطِ وهي أوْقاتُ النَّهارِ، ومِن أوْقاتِ الهَدُوِّ وراحَةِ البالِ وهي أوْقاتُ اللَّيْلِ.

ومَعْنى (﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾) أنَّ دُعائِي لَهم بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وبِطاعَتِهِمْ لِي لَمْ يَزِدْهم ما دَعَوْتُهم إلَيْهِ إلّا بُعْدًا مِنهُ، فالفِرارُ مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ الإعْراضِ، أيْ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إيّاهم قُرْبًا مِمّا أدْعُوهم إلَيْهِ.

واسْتِثْناءُ الفِرارِ مِن عُمُومِ الزِّياداتِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي قُرْبًا مِنَ الهُدى لَكِنْ زادَهم فِرارًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] .

وإسْنادُ زِيادَةِ الفِرارِ إلى الدُّعاءِ مَجازٌ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ إيّاهم كانَ سَبَبًا في تَزايُدِ إعْراضِهِمْ وقُوَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِشِرْكِهِمْ.

وهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ المُسَمّى في عِلْمِ البَدِيعِ تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، أوْ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وهو هُنا تَأْكِيدُ إعْراضِهِمُ المُشَبَّهِ بِالِابْتِعادِ بِصُورَةٍ تُشْبِهُ ضِدَّ الإعْراضِ.

ولَمّا كانَ فِرارُهم مِنَ التَّوْحِيدِ ثابِتًا لَهم مِن قَبْلُ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.

وتَصْدِيرُ كَلامِ نُوحٍ بِالتَّأْكِيدِ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

71:7Page 570

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧

And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.

﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾

صفحة ١٩٥

(كُلَّما) مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ كَلِمَةِ (كُلَّ) وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ هي إلَيْهِ، وكَلِمَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ وهي حَرْفٌ يُفِيدُ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. وقَدْ يُرادُ بِذَلِكَ المَصْدَرِ زَمانُ حُصُولِهِ فَيَقُولُونَ (ما) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ اسْمِ الزَّمانِ.

والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يُظْهِرُوا مَخِيلَةً مِنَ الإصْغاءِ إلى دَعْوَتِهِ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الإعْراضِ والصُّدُودِ عَنْ دَعْوَتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِكَلِمَةِ (كُلَّما) الدّالَّةِ عَلى شُمُولِ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن دَعَواتِهِ مُقْتَرِنَةً بِدَلائِلِ الصَّدِّ عَنْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] .

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ دَعَوْتُهم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٣] .

والتَّقْدِيرُ: كُلَّما دَعَوْتُهم إلى عِبادَتِكَ وتَقْواكَ وطاعَتِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِتَغْفِرَ) لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ: دَعَوْتُهم بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ فَهو سَبَبُ المَغْفِرَةِ، فالدَّعْوَةُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةٌ بِالغُفْرانِ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ بِفِعْلِ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهُمْ﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ.

وجُمْلَةُ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهُمْ﴾ خَبَرُ (إنَّ)، والرّابِطُ ضَمِيرُ (دَعَوْتُهم) .

وجَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ يَمْنَعُ بُلُوغَ أصْواتِ الكَلامِ إلى المَسامِعِ.

وأُطْلِقَ اسْمُ الأصابِعِ عَلى الأنامِلِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي يُجْعَلُ في الأُذُنِ الأنْمُلَةُ لا الأُصْبُعُ كُلُّهُ فَعَبَّرَ عَنِ الأنامِلِ بِالأصابِعِ لِلْمُبالَغَةِ في إرادَةِ سَدِّ المَسامِعِ بِحَيْثُ لَوْ أمْكَنَ لَأدْخَلُوا الأصابِعَ كُلَّها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ: جَعْلُها غِشاءً، أيْ: غِطاءً عَلى أعْيُنِهِمْ، تَعْضِيدًا لِسَدِّ آذانِهِمْ بِالأصابِعِ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَهُ ولا يَنْظُرُوا إشاراتِهِ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ الغِشاءُ عَلى غِطاءِ العَيْنَيْنِ، قالَ تَعالى ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . والسِّينُ والتّاءُ في اسْتَغْشَوْا لِلْمُبالَغَةِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ

صفحة ١٩٦

يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ قَوْمِ نُوحٍ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يُظْهِرَ كَراهِيَةً لِكَلامِ مَن يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ويَجْعَلَ مِن ثَوْبِهِ ساتِرًا لِعَيْنَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الإعْراضِ عَنْ قَبُولِ كَلامِهِ ورُؤْيَةِ مَقامِهِ بِحالِ مَن يَسُكُّ سَمْعَهُ بِأنْمُلَتَيْهِ ويَحْجُبُ عَيْنَيْهِ بِطَرْفِ ثَوْبِهِ.

وجُعِلَتِ الدَّعْوَةُ مُعَلَّلَةً بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم لِأنَّها دَعْوَةٌ إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ وطاعَةُ أمْرِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ.

وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَعَجُّبٌ مِن خَلْقِهِمْ إذْ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّعْوَةِ لِما فِيهِ نَفْعُهم فَكانَ مُقْتَضى الرَّشادِ أنْ يَسْمَعُوها ويَتَدَبَّرُوها.

والإصْرارُ: تَحْقِيقُ العَزْمِ عَلى فِعْلٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّرِّ وهو الشَّدُّ عَلى شَيْءٍ والعَقْدُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أصَرُّوا لِظُهُورِهِ، أيْ: أصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.

واسْتَكْبَرُوا مُبالَغَةٌ في تَكَبَّرُوا، أيْ: جَعَلُوا أنْفُسَهم أكْبَرَ مِن أنْ يَأْتَمِرُوا لِواحِدٍ مِنهم (قالُوا ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِئَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧]) .

وتَأْكِيدُ اسْتَكْبَرُوا بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ. وتَنْوِينُ اسْتِكْبارًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: اسْتِكْبارًا شَدِيدًا لا يَفَلُّهُ حَدُّ الدَّعْوَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском