Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الانسان
Al-Insan
The Man · Medinan · 31 ayahs
76:1Page 578
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١
Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾
اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ والِاسْتِفْهامُ مِن أقْسامِ الخِطابِ وهو هُنا مُوَجَّهٌ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ومُسْتَعْمَلٍ في تَحْقِيقِ الأمْرِ المُقَرَّرِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ الفَهْمِ، والتَّقْرِيرُ يَقْتَضِي حُصُولَ العِلْمِ بِما تَقَرَّرَ بِهِ وذَلِكَ إيماءٌ إلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ أنْ يَعْتَرِفَ الإنْسانُ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الرُّبُوبِيَّةِ إبْطالًا لِإشْراكِ المُشْرِكِينَ.
وتَقْدِيمُ هَذا الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِن تَشْوِيقٍ إلى مَعْرِفَةِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.
فَجُمْلَةُ (﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾) تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها وهي (﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]) إلَخْ.
صفحة ٣٧٢
و(هَلْ) حَرْفٌ يُفِيدُ الِاسْتِفْهامَ ومَعْنى التَّحْقِيقِ، وقالَ جَمْعٌ: أصْلُ (هَلْ) إنَّها في الِاسْتِفْهامِ مَثَلٌ (قَدْ) في الخَبَرِ، وبِمُلازِمَةِ (هَلْ) الِاسْتِفْهامَ كَثُرَ في الكَلامِ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مَعَها فَكانَتْ فِيهِ بِمَعْنى (قَدْ)، وخُصَّتْ بِالِاسْتِفْهامِ فَلا تَقَعُ في الخَبَرِ، ويَتَطَرَّقُ إلى الِاسْتِفْهامِ بِها ما يَتَطَرَّقُ إلى الِاسْتِفْهامِ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ حَمْلَ الِاسْتِفْهامِ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ هَذا المَعْنى.
والمَعْنى: هَلْ يُقِرُّ كُلُّ إنْسانٍ مَوْجُودٍ أنَّهُ كانَ مَعْدُومًا زَمانًا طَوِيلًا، فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ، أيْ لَمْ يَكُنْ يُسَمّى ولا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِذاتِهِ - وإنْ كانَ قَدْ يُذْكَرُ بِوَجْهِ العُمُومِ في نَحْوِ قَوْلِ النّاسِ: المَعْدُومُ مُتَوَقِّفٌ وُجُودُهُ عَلى فاعِلٍ. وقَوْلُ الواقِفِ: حُبِسْتُ عَلى ذُرِّيَّتِي، ونَحْوَهُ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ ذِكْرًا لِمُعَيَّنٍ ولَكِنَّهُ حُكْمٌ عَلى الأمْرِ المُقَدَّرِ وجُودُهُ - . وهم لا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِتَوْجِيهِ هَذا التَّقْرِيرِ إلى كُلِّ سامِعٍ.
وتَعْرِيفُ (الإنْسانُ) لِلِاسْتِغْراقِ مِثْلُ قَوْلِهِ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣]) الآيَةَ، أيْ هَلْ أتى عَلى كُلِّ إنْسانٍ حِينٌ كانَ فِيهِ مَعْدُومًا.
والدَّهْرُ: الزَّمانُ الطَّوِيلُ أوِ الزَّمانُ المُقارِنُ لِوُجُودِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ.
والحِينُ: مِقْدارٌ مُجْمَلٌ مِنَ الزَّمانِ يُطْلَقُ عَلى ساعَةٍ وعَلى أكْثَرَ، وقَدْ قِيلَ إنَّ أقْصى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الحِينُ أرْبَعُونَ سَنَةً ولا أحْسَبُهُ.
وجُمْلَةُ (﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِـ (حِينٌ) بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ رابِطٍ بِمَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ لَفْظِ (حِينٌ) عَلى أنَّ العائِدَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ حُذِفَ مَعَ جارِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]) إذِ التَّقْدِيرُ: لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، فالتَّقْدِيرُ هُنا: لَمْ يَكُنْ فِيهِ الإنْسانُ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ كانَ مَعْدُومًا في زَمَنٍ سَبَقَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الإنْسانِ، وحُذِفَ العائِدُ كَحَذْفِهِ في تَقْدِيرِ النَّعْتِ.
صفحة ٣٧٣
والشَّيْءُ: اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ.
والمَذْكُورُ: المُعَيَّنُ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُذْكَرُ، أيْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ ويُخْبَرُ عَنْهُ بِالأخْبارِ والأحْوالِ. ويَتَعَلَّقُ لَفْظُهُ الدّالُّ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ.
فَأمّا المَعْدُومُ فَلا يُذَكَرُ لِأنَّهُ لا تَعَيُّنَ لَهُ فَلا يُذْكَرُ إلّا بِعُنْوانِهِ العامِّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولَيْسَ هَذا هو المُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا.
ولِهَذا نَجْعَلُ مَذْكُورًا وصْفًا لِـ ”شَيْئًا“ أُرِيدَ بِهِ تَقْيِيدُ (شَيْئًا)، أيْ شَيْئًا خاصًّا وهو المَوْجُودُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمِهِ المُعَيَّنِ لَهُ.
76:2Page 578
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢
Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.
﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُتَرَتِّبٌ عَلى التَّقْرِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]) لِما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ.
والتَّقْرِيرُ يَقْتَضِي الإقْرارَ بِذَلِكَ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فالسّامِعُ يَتَشَوَّفُ لِما يَرِدُ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيرِ فَقِيلَ لَهُ إنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا فَأوْجَدَ نُطْفَةً كانَتْ مَعْدُومَةً ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مِنها إنْسانًا، فَثَبَتَ تَعَلُّقُ الخَلْقِ بِالإنْسانِ بَعْدَ عَدَمِهِ.
وتَأْكِيدُ الكَلِمِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ حَيْثُ عَبَدُوا أصْنامًا لَمْ يَخْلُقُوهم.
والمُرادُ بِـ ”الإنْسانَ“ مِثْلُ ما أُرِيدَ بِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان: ١]) أيْ كُلُّ نَوْعِ الإنْسانِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ كَيْفِيَّةُ خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةِ التَّناسُلِ لِما في تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ مِن دَقائِقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى النُّطْفَةِ في سُورَةِ القِيامَةِ.
وأمْشاجٌ: مُشْتَقٌّ مِنَ المَشْجِ وهو الخَلْطُ، أيْ نُطْفَةٌ مَخْلُوطَةٌ قالَ تَعالى (﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]) وذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنى الخَلْطِ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ هُنا.
صفحة ٣٧٤
وصِيغَةُ أمْشاجٍ ظاهِرُها صِيغَةُ جَمْعٍ وعَلى ذَلِكَ حَمَلَها الفَرّاءُ وابْنُ السِّكِّيتِ والمُبَرَّدُ، فَهي إمّا جَمْعُ مِشْجٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِوَزْنِ عَدْلٍ، أيْ مَمْشُوجٍ، أيْ مَخْلُوطٍ مِثْلَ ذِبْحٍ، وهَذا ما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ في اللِّسانِ والقامُوسِ، أوْ جَمْعُ مَشَجٍ بِفَتْحَتَيْنِ مِثْلَ سَبَبٍ وأسْبابٍ أوْ جَمْعُ مَشِجٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مِثْلَ كَتِفٍ وأكْتافٍ.
والوَجْهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ: أنَّ (أمْشاجٍ) مُفْرَدٌ كَقَوْلِهِمْ: بُرْمَةُ أعْشارٍ وبُرْدُ أكْياشٍ - بِهَمْزَةٍ وكافٍ وتَحْتِيَّةٍ وألِفٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ الَّذِي أُعِيدَ غَزْلُهُ مَرَّتَيْنِ - . قالَ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أمْشاجُ جَمْعَ مَشِجٍ بَلْ هُما - أيْ مَشِجٌ وأمْشاجٌ - مِثْلانِ في الإفْرادِ اهـ. وقالَ بَعْضُ الكاتِبِينَ: إنَّهُ خالَفَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ. وأشارَ البَيْضاوِيُّ إلى ذَلِكَ، وأحْسَبُ أنَّهُ لَمْ يَرَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ صَرِيحًا في مَنعِ أنْ يَكُونَ (أمْشاجٍ) مُفْرَدًا لِأنَّهُ أثْبَتَ الإفْرادَ في كَلِمَةِ أنْعامٍ والزَّمَخْشَرِيُّ مَعْرُوفٌ بِشِدَّةِ مُتابَعَةِ سِيبَوَيْهِ.
فَإذا كانَ (أمْشاجٍ) في هَذِهِ الآيَةِ مُفْرَدًا كانَ عَلى صُورَةِ الجَمْعِ كَما في الكَشّافِ. فَوَصْفُ نُطْفَةٍ بِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى تَأْوِيلٍ، وإذا كانَ جَمْعًا كَما جَرى عَلَيْهِ كَلامُ الفَرّاءِ وابْنِ السِّكِّيتِ والمُبَرِّدِ، كانَ وصْفُ النُّطْفَةِ بِهِ بِاعْتِبارِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النُّطْفَةُ مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةِ الخَواصِّ، - فَلِذَلِكَ يَصِيرُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ النُّطْفَةِ عُضْوًا - فَوَصَفَ النُّطْفَةَ بِجَمْعِ الِاسْمِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ شَدِيدَةِ الِاخْتِلاطِ.
وهَذِهِ الأمْشاجُ مِنها ما هو أجْزاءٌ كِيمْيائِيَّةٌ نَباتِيَّةٌ أوْ تُرابِيَّةٌ ومِنها ما هو عَناصِرُ قُوى الحَياةِ.
وجُمْلَةُ (نَبْتَلِيهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ طَوْرَ العَقْلِ والتَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الحالُ كَقَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا.
وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الحالُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ (خَلَقْنا) وبَيْنَ (﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾) لِأنَّ الِابْتِلاءَ، أيِ التَّكْلِيفُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ امْتِثالُهُ أوْ عِصْيانُهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ هِدايَتِهِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقَعَ (نَبْتَلِيهِ) بَعْدَ جُمْلَةِ (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣])، ولَكِنَّهُ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الِابْتِلاءِ الَّذِي هو سَبَبُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
صفحة ٣٧٥
وجِيءَ بِجُمْلَةِ (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]) بَيانًا لِجُمْلَةِ (نَبْتَلِيهِ) تَفَنُّنًا في نَظْمِ الكَلامِ.
وحَقِيقَةُ الِابْتِلاءِ: الِاخْتِبارُ لِتُعْرَفَ حالُ الشَّيْءِ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ يُظْهِرُ تَفاوُتَ المُكَلَّفِينَ بِهِ في الوَفاءِ بِإقامَتِهِ.
وفُرِّعَ عَلى خَلْقِهِ مِن نُطْفَةٍ أنَّهُ جَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي كانَتْ أصْلَ تَفْكِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ وصْفُهُ بِالسَّمِيعِ البَصِيرِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ ولَمْ يَقُلْ فَجَعَلْناهُ: سامِعًا مُبْصِرًا، لِأنَّ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ أكْثَرُ تَحْصِيلًا وتَمْيِيزًا في المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ مِن سَمْعِ وبَصَرِ الحَيَوانِ، فَبِالسَّمْعِ يَتَلَقّى الشَّرائِعَ ودَعْوَةَ الرُّسُلِ وبِالبَصَرِ يَنْظُرُ في أدِلَّةِ وُجُودِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ.
وهَذا تَخَلُّصٌ إلى ما مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ الإنْسانَ مِن جَعْلِهِ تِجاهَ التَّكْلِيفِ واتِّباعِ الشَّرائِعِ وتِلْكَ خَصِيصِيِّةُ الإنْسانِ الَّتِي بِها ارْتَكَزَتْ مَدَنِيَّتُهُ وانْتَظَمَتْ جامِعاتُهُ، ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]) الآياتُ.
76:3Page 578
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣
Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.
﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ ما نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ (نَبْتَلِيهِ) ولِتَفْصِيلِ جُمْلَةِ (﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢])، وتَخَلُّصٌ إلى الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ والوَعْدِ عَلى الشُّكْرِ.
وهِدايَةُ السَّبِيلِ: تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْشِدِ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ الجادَّةُ إلى ما فِيهِ النَّفْعُ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ إلى العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي سَبَبُ فَوْزِهِ بِالنَّعِيمِ الأبَدِيِّ، بِحالِ مَن يَدُلُّ السّائِرَ عَلى الطَّرِيقِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَقْصِدِهِ مِن سَيْرِهِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ يَنْحَلُّ إلى تَشْبِيهاتِ أجْزاءِ الحالَةِ المُرَكَّبَةِ المُشَبَّهَةِ بِأجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، فاللَّهُ تَعالى كالهادِي، والإنْسانُ يُشْبِهُ السّائِرَ المُتَحَيِّرَ في الطَّرِيقِ، وأعْمالُ الدِّينِ تُشْبِهُ الطَّرِيقَ، وفَوْزُ المُتَتَبِّعِ لِهَدْيِ اللَّهِ يُشْبِهُ البُلُوغَ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ.
وفِي هَذا النِّداءِ عَلى أنَّ اللَّهَ أرْشَدَ الإنْسانَ إلى الحَقِّ وأنَّ بَعْضَ النّاسِ أدْخَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ضَلالَ الِاعْتِقادِ ومَفاسِدَ الأعْمالِ فَمَن بَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ فَهو الشّاكِرُ
صفحة ٣٧٦
وغَيْرُهُ الكَفُورُ، وذَلِكَ تَقْسِيمٌ بِحَسَبِ حالِ النّاسِ في أوَّلِ البَعْثَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَن خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وأخَرَ سَيِّئًا.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ القُرْآنُ باطِلٌ.
و(﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في هَدَيْناهُ، وهو ضَمِيرُ (الإنْسانَ) .
و(إمّا) حَرْفُ تَفْصِيلٍ، وهو حَرْفٌ بَسِيطٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مُرَكَّبٌ مِن حَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ و(ما) النّافِيَةِ. وقَدْ تَجَرَّدَتْ (إنْ) بِالتَّرْكِيبِ عَلى الشَّرْطِيَّةِ كَما تَجَرَّدَتْ (ما) عَنِ النَّفْيِ، فَصارَ مَجْمُوعُ (إمّا) حَرْفَ تَفْصِيلٍ ولا عَمَلَ لَها في الِاسْمِ بَعْدَها ولا تَمْنَعُ العامِلَ الَّذِي قَبْلَها عَنِ العَمَلِ في مَعْمُولِهِ الَّذِي بَعْدَها فَهي في ذَلِكَ مِثْلُ (ال) حَرْفِ التَّعْرِيفِ. وقَدَّرَ بَعْضُ النُّحاةِ (إمّا) الثّانِيَةَ حَرْفَ عَطْفٍ وهو تَحَكُّمٌ إذْ جَعَلُوا الثّانِيَةَ عاطِفَةً وهي أُخْتُ الأُولى، وإنَّما العاطِفُ الواوُ وإمّا مُقْحَمَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ ومَعْمُولِهِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
هُما خُطَّتا إمّا إسَـارٌ ومِـنَّةٌ وإمّا دَمٌ والمَوْتُ بِالحُرِّ أجْدَرُ
فَإنَّ الِاسْمَيْنِ بَعْدَ (إمّا) في المَوْضِعَيْنِ مِنَ البَيْتِ مَجْرُورانِ بِالإضافَةِ ولِذَلِكَ حُذِفَتِ النُّونُ مِن قَوْلِهِ: هُما خُطَّتا، وذَلِكَ أفْصَحُ كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي: أمّا مَن جَرَّ (إسارٍ) فَإنَّهُ حَذَفَ النُّونَ لِلْإضافَةِ ولَمْ يَعْتَدْ (إمّا) فاصِلًا بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ وعَلى هَذا تَقُولُ: هُما إمّا غُلاما زَيْدٍ وإمّا عَمْرٍو وأجْوَدُ مِن هَذا أنْ تَقُولَ: هُما خُطَّتا إسارٍ ومِنَّةٍ وإمّا خُطَّتا دَمٍ ثُمَّ قالَ: وأمّا الرَّفْعُ فَطَرِيقُ المَذْهَبِ، وظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن حَذَفَ النُّونَ لِغَيْرِ الإضافَةِ فَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ، إلَخْ.
ومُقْتَضى كَلامِهِ أنَّ البَيْتَ رُوِيَ بِالوَجْهَيْنِ الجَرِّ والرَّفْعِ وقَرِيبٌ مِنهُ كَلامُ المَرْزُوقِيِّ وزادَ فَقالَ: وحَذْفُ النُّونِ إذا رُفِعَتْ ”إسارٌ“ اسْتِطالَةٌ لِلِاسْمِ كَأنَّهُ اسْتَطالَ خُطَّتا بِبَدَلِهِ وهو قَوْلُهُ: إمّا إسارٌ، إلَخْ.
والمَعْنى: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ في حالِ أنَّهُ مُتَرَدِّدٌ أمْرُهُ بَيْنَ أحَدِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ
صفحة ٣٧٧
وصْفِ شاكِرٍ ووَصْفِ كَفُورٍ، فَأحَدُ الوَصْفَيْنِ عَلى التَّرْدِيدِ مُقارِنٌ لِحالِ إرْشادِهِ إلى السَّبِيلِ، وهي مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ، أيْ عَقِبُ التَّبْلِيغِ والتَّأمُّلِ، فَإنْ أخَذَ بِالهُدى كانَ شاكِرًا وإنْ أعْرَضَ كانَ كَفُورًا كَمَن لَمْ يَأْخُذْ بِإرْشادِ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ فَيَأْخُذْ في طَرِيقٍ يَلْقى بِهِ السِّباعَ أوِ اللُّصُوصَ، وبِذَلِكَ تَمَّ التَّمْثِيلُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾) .
76:4Page 578
إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤
Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.
﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلًا وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾
أُرِيدَ التَّخَلُّصُ إلى جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ الشّاكِرِ والكَفُورِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]) يُثِيرُ تَطَلُّعَ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ آثارِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ المُتَرَدِّدِ حالُهُ بَيْنَهُما، فابْتُدِئَ بِجَزاءِ الكافِرِ لِأنَّ ذِكْرَهُ أقْرَبُ.
وأكَّدَ الخَبَرَ عَنِ الوَعِيدِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ إذا أكَّدَ كَلامَهُ بِمُؤَكَّدٍ فَقَدْ آذَنَ بِأنَّهُ لا هَوادَةَ لَهُ في وعِيدِهِ.
وأصْلُ أعْتَدْنا أعْدَدْنا، بِدالِينِ، أيْ هَيَّأْنا لِلْكافِرِينَ، يُقالُ: اعْتَدَّ كَما يُقالُ: أعَدَّ، قالَ تَعالى (﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]) .
وقَدْ تَرَدَّدَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ في أنَّ أصْلَ الفِعْلِ بِدالِينِ أوْ بِتاءٍ ودالٍ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِأيِّهِما الأصْلُ لِكَثْرَةِ وُرُودِ فِعْلِ أعَدَّ وفِعْلِ اعْتَدَّ في الكَلامِ والأظْهَرُ أنَّهُما فِعْلانِ نَشَآ مِن لُغَتَيْنِ غَيْرَ أنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّ الفِعْلَ ذا التّاءِ بِعُدَّةِ الحَرْبِ فَقالُوا: عَتادُ الحَرْبِ ولَمْ يَقُولُوا عَدادُ.
وأمّا العُدَّةُ بِضَمِّ العَيْنِ فَتَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُعَدُّ ويُهَيَّأُ، يُقالُ: أعَدَّ لِكُلِّ حالٍ عُدَّةً. ويُطْلَقُ العَتادُ عَلى ما يُعَدُّ مِنَ الأُمُورِ.
والأكْثَرُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ الإدْغامُ جِيءَ بِالفِعْلِ الَّذِي عَيْنُهُ دالٌ وإذا وُجِدَ مُقْتَضى فَكِّ الإدْغامِ لِمُوجِبٍ مِثْلِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ جِيءَ بِالفِعْلِ الَّذِي عَيْنُهُ تاءٌ.
والسَّلاسِلُ: القُيُودُ المَصْنُوعَةُ مِن حَلَقِ الحَدِيدِ يُقَيَّدُ بِها الجُناةُ والأسْرى.
والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلْقَةٌ كَبِيرَةٌ مِن حَدِيدٍ تُوضَعُ في رَقَبَةِ
صفحة ٣٧٨
المُقَيَّدِ، وتُناطُ بِها السِّلْسِلَةُ قالَ تَعالى (﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]) فالأغْلالُ والسَّلاسِلُ تُوضَعُ لَهم عِنْدَ سَوْقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ.
والسَّعِيرُ: النّارُ المُسَعَّرَةُ، أيِ الَّتِي سَعَّرَها المُوقِدُونَ بِزِيادَةِ الوَقُودِ لِيَشْتَدَّ التِهابُها فَهو في الأصْلِ وصْفٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ جُعِلَ عِلْمًا عَلى جَهَنَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ.
وكُتِبَ (سَلاسِلًا) في المُصْحَفِ الإمامِ في جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلى الأمْصارِ بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ الثّانِيَةِ ولَكِنَّ القُرّاءَ اخْتَلَفُوا في قِراءَتِهِ، فَنافِعٌ والكِسائِيُّ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ قَرَءُوا (سَلاسِلًا) مُنَوَّنًا في الوَصْلِ ووَقَفُوا عَلَيْهِ كَما يُوقِفُ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ، وإذْ كانَ حَقُّهُ أنْ يُمْنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ عَلى صِيغَةِ مُنْتَهى الجَمْعِ تَعَيَّنَ أنَّ قِراءَتَهُ بِالتَّنْوِينِ لِمُراعاةِ مُزاوَجَتِهِ مَعَ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ وهُما (﴿أغْلالًا﴾ [يس: ٨]) و(﴿سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧])، والمُزاوَجَةُ طَرِيقَةٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، ومِنها قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِنِساءٍ «ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ» فَجَعَلَ ”مَأْزُوراتٍ“ مَهْمُوزًا وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِالواوِ لَكِنَّهُ هُمِزَ لِمُزاوَجَةِ مَأْجُوراتٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ المَلَكَيْنِ الكافِرَ «فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ» وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ولا تَلَوْتَ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ أوِ القَلّاحُ:
هَتّاكُ أخْبِـيَةٍ ولّاجُ أبَـوِبَةٍ يُخالِطُ البِرُّ مِنهُ الجِدَّ واللِّينا
فَقَوْلُهُ ”أبْوِبَةٍ“ جَمْعُ بابٍ وحَقُّهُ أنْ يَقُولَ أبْوابٍ.
وهَذِهِ القِراءَةُ مَتِينَةٌ يُعَضِّدُها رَسْمُ المُصْحَفِ وهي جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ فَصِيحَةٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ تَنْوِينٍ في الوَصْلِ.
واخْتَلَفُوا في قِراءَتِهِ إذا وقَفُوا عَلَيْهِ فَأكْثَرُهم قَرَأهُ في الوَقْفِ بِدُونِ ألِفٍ فَيَقُولُ (سَلاسِلَ) في الوَقْفِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالألِفِ عَلى اعْتِبارِهِ مُنَوَّنًا في الوَصْلِ.
قَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ في الوَقْفِ بِجَوازِ الوَجْهَيْنِ بِالألِفِ وبِتَرْكِها.
فَأمّا الَّذِينَ لَمْ يُنَوِّنُوا (سَلاسِلا) في الوَصْلِ ووَقَفُوا عَلَيْهِ بِألِفٍ بَعْدَ لامِهِ الثّانِيَةِ
صفحة ٣٧٩
وهُما أبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ فَمُخالَفَةُ رِوايَتِهِمْ لِرَسْمِ المُصْحَفِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّ الرَّسْمَ جَرى عَلى اعْتِبارِ حالَةِ الوَقْفِ وذَلِكَ كَثِيرٌ فَكِتابَةُ الألِفِ بَعْدَ اللّامِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى إشْباعِ الفَتْحَةِ عِنْدَ الوَقْفِ لِمُزاوَجَةِ الفَواصِلِ في الوَقْفِ لِأنَّ الفَواصِلَ كَثِيرًا ما تُعْطى أحْكامَ القَوافِي والأسْجاعِ.
وبَعْدُ فالقِراءاتُ رِواياتٌ مَسْمُوعَةٌ ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اعْتَذَرَ عَنِ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ (سَلاسِلًا) بِأنَّهُ مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ الأداءِ كالمَدِّ والإمالَةِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وأنَّ الِاخْتِلافَ في ذَلِكَ لا يُنافِي التَّواتُرَ.
76:5–6Page 578
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥
Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦
A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].
﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها﴾ تَفْجِيرًا ) هَذا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (﴿إنّا أعَتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلًا﴾ [الإنسان: ٤]) إلَخْ. فَإنَّ مَن عَرَفَ ما أُعِدَّ لِلْكَفُورِ مِنَ الجَزاءِ يَتَطَلَّعُ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لِلشّاكِرِ مِنَ الثَّوابِ.
وأُخِّرَ تَفْصِيلُهُ عَنْ تَفْصِيلِ جَزاءِ الكَفُورِ مَعَ أنَّ شاكِرًا مَذْكُورٌ قَبْلَ كَفُورًا، عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ لِيَتَّسِعَ المَجالُ لِإطْنابِ الكَلامِ عَلى صِفَةِ جَزاءِ الشّاكِرِينَ وما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ، تَقْرِيبًا لِلْمَوْصُوفِ مِنَ المُشاهَدَةِ المَحْسُوسَةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْ جَزاءِ الشّاكِرِينَ لِدَفْعِ إنْكارِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ خَيْرًا مِنهم في عالَمِ الخُلُودِ، ولِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ البِشارَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.
والأبْرارُ: هُمُ الشّاكِرُونَ، عَبَّرَ عَنْهم بِالأبْرارِ زِيادَةً في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وجَمْعُ بارٍّ أيْضًا مِثْلُ شاهِدٍ وأشْهادٍ، والبارُّ أوِ البَرُّ المُكْثِرُ مِنَ البِرِّ بِكَسْرِ الباءِ وهو فِعْلُ الخَيْرِ، ولِذَلِكَ كانَ البَرُّ مِن أوْصافِ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى (﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]) .
صفحة ٣٨٠
ووَصْفُ بَرٍّ أقْوى مِن بارٍّ في الِاتِّصافِ بِالبِرِّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: اللَّهُ بَرٌّ، ولَمْ يُقَلْ: اللَّهُ بارٌّ.
ويُجْمَعُ بَرٌّ عَلى بَرَرَةٍ. ووَقَعَ في مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: أنَّ بَرَرَةَ أبْلَغُ مِن أبْرارٍ.
وابْتُدِئَ في وصْفِ نَعِيمِهِمْ بِنَعِيمِ لَذَّةِ الشُّرْبِ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ لِما لِلَذَّةِ الخَمْرِ مِنَ الِاشْتِهارِ بَيْنَ النّاسِ، وكانُوا يَتَنافَسُونَ في تَحْصِيلِها.
والكَأْسُ: بِالهَمْزِ الإناءُ المَجْعُولُ لِلْخَمْرِ فَلا يُسَمّى كَأْسًا إلّا إذا كانَ فِيهِ خَمْرٌ، وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ كَأْسًا عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَما سَيَجِيءُ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعالى (﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧]) فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ هُنا آنِيَةُ الخَمْرِ فَتَكُونُ (مِن) لِلِابْتِداءِ وإفْرادُ كَأْسٍ لِلنَّوْعِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تُرادَ الخَمْرُ فَتَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَكَأْسٌ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ وتَنْوِينُهُ لِتَعْظِيمِهِ في نَوْعِهِ.
والمِزاجُ: بِكَسْرِ المِيمِ ما يُمْزَجُ بِهِ غَيْرُهُ، أيْ يُخْلَطُ وكانُوا يَمْزِجُونَ الخَمْرَ بِالماءِ إذا كانَتِ الخَمْرُ مُعَتَّقَةً شَدِيدَةً لِيُخَفِّفُوا مِن حِدَّتِها وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ مَزْجِ الخَمْرِ في أشْعارِ العَرَبِ كَثِيرًا.
وضَمِيرُ مِزاجِها عائِدٌ إلى كَأْسٍ.
فَإذا أُرِيدَ بِالكَأْسِ إناءُ الخَمْرِ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ مِزاجُ ما فِيها، وإذا أُرِيدَتِ الخَمْرُ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
والكافُورُ: زَيِتٌ يُسْتَخْرَجُ مِن شَجَرَةٍ تُشْبِهُ الدِفْلى تَنْبُتُ في بِلادِ الصِّينِ وجاوَةَ يَتَكَوَّنُ فِيها إذا طالَتْ مُدَّتُها نَحْوًا مِن مِائَتَيْ سَنَةٍ فَيُغَلّى حَطَبُها ويُسْتَخْرَجُ مِنهُ زَيْتٌ يُسَمّى الكافُورُ. وهو ثِخِنٌ قَدْ يَتَصَلَّبُ فَيَصِيرُ كالزَّبَدِ وإذا يَقَعُ حَطَبُ شَجَرَةِ الكافُورِ في الماءِ صارَ نَبِيذًا يَتَخَمَّرُ فَيَصِيرُ مُسْكِرًا.
والكافُورُ أبْيَضُ اللَّوْنِ ذَكِيُّ الرّائِحَةِ مُنْعِشٌ.
فَقِيلَ إنَّ المِزاجَ هَنا مُرادٌ بِهِ الماءُ والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ كافُورٌ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ في اللَّوْنِ أوْ ذَكاءِ الرّائِحَةِ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعا بَعْضَ المُفَسِّرِينَ إلى هَذا أنَّ
صفحة ٣٨١
المُتَعارَفَ بَيْنَ النّاسِ في طِيبِ الخَمْرِ أنْ يُوضَعَ المِسْكُ في جَوانِبِ الباطِيَةِ قالَ النّابِغَةُ:
وتُسْقى إذا ما شِئْتَ غَيْرَ مُصَـرَّدِ بِزَوْراءَ في حافاتِها المِسْكُ كارِعُ
ويُخْتَمُ عَلى آنِيَةِ الخَمْرِ بِخاتَمٍ مِن مِسْكٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ (﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥]) . وكانُوا يَجْعَلُونَ الفِلْفِلَ في الخَمْرِ لِحُسْنِ رائِحَتِهِ ولَذْعَةِ حَرارَتِهِ لَذْعَةً لَذِيذَةً في اللِّسانِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صُبِّحْنَ سُلافًا مِن رَحِيقٍ مُفَلْفَلٍ
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا يَمْزِجُونَ الخَمْرَ بِماءٍ فِيهِ الكافُورُ أوْ بِزَيْتِهِ فَيَكُونُ المِزاجُ في الآيَةِ عَلى حَقِيقَتِهِ مِمّا تُمْزَجُ بِهِ الخَمْرُ ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مِن شَأْنِ أهْلِ التَّرَفِ لِأنَّ الكافُورَ ثَمِينٌ وهو مَعْدُودٌ في العُطُورِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ كافُورَ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ لِأجْلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ (﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾) وسَتَعْلَمُ حَقَّ المُرادِ مِنهُ.
وإقْحامُ فِعْلِ (كانَ) في جُمْلَةِ الصِّفَةِ بِقَوْلِهِ (﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾) لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ مِزاجُها لا يُفارِقُها إذْ كانَ مُعْتادُ النّاسِ في الدُّنْيا نُدْرَةَ ذَلِكَ المِزاجِ لِغَلاءِ ثَمَنِهِ وقِلَّةِ وِجْدانِهِ.
وانْتَصَبَ (عَيْنًا) عَنِ البَدَلِ مِن (كافُورًا) أيْ ذَلِكَ الكافُورُ تَجْرِي بِهِ عَيْنٌ في الجَنَّةِ مِن ماءٍ مَحْلُولٍ فِيهِ أوْ مِن زَيْتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]) . وعُدِّيَ فِعْلُ (﴿يَشْرَبُ﴾) بِالباءِ وهي باءُ الإلْصاقِ لِأنَّ الكافُورَ يُمْزَجُ بِهِ شَرابُهم. فالتَّقْدِيرُ: (عَيْنًا) يَشْرَبُ عِبادُ اللَّهِ خَمْرَهم بِها، أيْ مَصْحُوبًا بِمائِها، وذَهَبَ الأصْمَعِيُّ إلى أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾) بِمَعْنى (مِن) التَّبْعِيضِيةِ ووافَقَهُ الفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ، وعَدَّ في كُتُبِهِ ذَلِكَ مِن مَعانِي الباءِ ونُسِبَ إلى الكُوفِيِّينَ.
و(﴿عِبادُ اللَّهِ﴾) مُرادٌ بِهِمْ: الأبْرارُ. وهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ بِإضافَةِ عُبُودِيَّتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ.
صفحة ٣٨٢
والفَجِيرُ: فَتْحُ الأرْضِ عَنِ الماءِ أيِ اسْتِنْباطُ الماءِ الغَزِيرِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى الِاسْتِقاءِ مِنها بِلا حَدٍّ ولا نُضُوبٍ فَكانَ كُلُّ واحِدٍ يَفْجُرُ لِنَفْسِهِ يَنْبُوعًا وهَذا مِن الِاسْتِعارَةِ.
وأُكِّدَ فِعْلُ (﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾) تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences