Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ كَما تُفْتَتَحُ العُهُودُ وصُكُوكُ العُقُودِ بِأدَلِّ كَلِمَةٍ عَلى الغَرَضِ الَّذِي يُرادُ مِنها كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا ما عَهِدَ بِهِ فُلانٌ، وهَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فُلانٌ وفُلانٌ، وقَوْلِ المُوَثِّقِينَ: باعَ أوْ وكَّلَ أوْ تَزَوَّجَ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى الحالِ في إنْشاءِ الرَّسائِلِ والمَواثِيقِ ونَحْوِها.

صفحة ١٠٣

وتَنْكِيرُ بَراءَةٌ تَنْكِيرُ التَّنْوِيعِ، ومَوْقِعُ بَراءَةٌ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّنْوِيعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا النَّوْعَ كافٍ في فَهْمِ المَقْصُودِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢]

والمَجْرُورانِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الفائِدَةِ. أيْ: البَراءَةُ صَدَرَتْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ، و”إلى“ لِلِانْتِهاءِ لِما أفادَهُ حَرْفُ ”مِن“ مِن مَعْنى الِابْتِداءِ. والمَعْنى أنَّ هَذِهِ بَراءَةٌ أصْدَرَها اللَّهُ بِواسِطَةِ رَسُولِهِ إبْلاغًا إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.

والبَراءَةُ الخُرُوجُ والتَّفَصِّي مِمّا يُتْعِبُ ورَفْعُ التَّبِعَةِ. ولَمّا كانَ العَهْدُ يُوجِبُ عَلى المُتَعاهِدِينَ العَمَلَ بِما تَعاهَدُوا عَلَيْهِ ويُعَدُّ الإخْلافُ بِشَيْءٍ مِنهُ غَدْرًا عَلى المُخْلِفِ، كانَ الإعْلانُ بِفَسْخِ العَهْدِ بَراءَةً مِنَ التَّبِعاتِ الَّتِي كانَتْ بِحَيْثُ تَنْشَأُ عَنْ إخْلافِ العَهْدِ، فَلِذَلِكَ كانَ لَفْظُ ”بَراءَةٌ“ هُنا مُفِيدًا مَعْنى فَسْخِ العَهْدِ ونَبْذِهِ لِيَأْخُذَ المُعاهِدُونَ حِذْرَهم. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَنْبِذُونَ العَهْدَ ويَرُدُّونَ الجِوارَ إذا شاءُوا تَنْهِيَةَ الِالتِزامِ بِهِما، كَما فَعَلَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ في رَدِّ جِوارِ أبِي بَكْرٍ عَنْ قُرَيْشٍ، وما فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ في رَدِّ جِوارِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ إيّاهُ قائِلًا رَضِيتُ بِجِوارِ رَبِّي ولا أُرِيدُ أنْ أسْتَجِيرَ غَيْرَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ: ولا تَخُنْهم لِظَنِّكَ أنَّهم يَخُونُونَكَ فَإذا ظَنَنْتَهُ فافْسَخْ عَهْدَكَ مَعَهم.

ولَمّا كانَ الجانِبُ الَّذِي ابْتَدَأ بِإبْطالِ العَهْدِ وتَنْهِيَتِهِ، هو جانِبُ النَّبِيءِ ﷺ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، جُعِلَتْ هَذِهِ البَراءَةُ صادِرَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ الآذِنُ بِها، ومِن رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لَها. وجُعِلَ ذَلِكَ مُنَهًّى إلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّ المَقْصُودَ إبْلاغُ ذَلِكَ الفَسْخِ إلَيْهِمْ وإيصالُهُ لِيَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ فَلا يَكُونَ ذَلِكَ الفَسْخُ غَدْرًا.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: عاهَدْتُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَهَذِهِ البَراءَةُ مَأْمُورُونَ بِإنْفاذِها.

واعْلَمْ أنَّ العَهْدَ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ كانَ قَدِ انْعَقَدَ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ ومَن ظاهَرَهم عَهْدُ الحُدَيْبِيَةِ:

صفحة ١٠٤

أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ إذا جاءَ، وأنْ لا يُخافَ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقَدْ كانَ مُعْظَمُ قَبائِلِ العَرَبِ داخِلًا في عَقْدِ قُرَيْشٍ الواقِعِ في الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَوْمَئِذٍ زُعَماءَ جَمِيعِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن شُرُوطِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ: أنَّ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ دَخَلَ فِيهِ ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ فِيهِ، وكانَ مِن شُرُوطِ الصُّلْحِ وضْعُ الحَرْبِ عَنِ النّاسِ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، فالَّذِينَ عاهَدُوا المُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ النّاسِ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ. وهَذا العَهْدُ، وإنْ كانَ لِفائِدَةِ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقَدْ كانَ عَدِيلُهُ لازِمًا لِفائِدَةِ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، حِينَ صارَ البَيْتُ بِيَدِ المُسْلِمِينَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَزالَ ما زالَ مِنهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وإسْلامِ قُرَيْشٍ وبَعْضِ أحْلافِهِمْ.

وكانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَعْضِ قَبائِلِ المُشْرِكِينَ عُهُودٌ؛ كَما أشارَتْ إلَيْهِ سُورَةُ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] الآيَةَ. وكَما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآيَةَ.

وبَعْضُ هَذِهِ العُهُودِ كانَ لِغَيْرِ أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وبَعْضُها كانَ لِأجَلٍ قَدِ انْقَضى، وبَعْضُها لَمْ يَنْقَضِ أجَلُهُ. فَقَدْ كانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ مُؤَجَّلًا إلى عَشْرِ سِنِينَ في بَعْضِ الأقْوالِ وقِيلَ: إلى أرْبَعِ سِنِينَ، وقِيلَ: إلى سَنَتَيْنِ. وقَدْ كانَ عَهْدُ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَيَكُونُ قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، ولَمْ يَنْقَضِ عَلى بَعْضِها، حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهُ عَلى حُكْمِ الِاسْتِمْرارِ وكانَ بَعْضُ تِلْكَ العُهُودِ مُؤَجَّلًا إلى أجَلٍ لَمْ يَتِمَّ، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ خَفَرُوا بِالعَهْدِ في مُمالاةِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ غَيْرِ المُعاهِدِينَ، وفي إلْحاقِ الأذى بِالمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ لَمّا وقَعَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ أرْجَفَ المُنافِقُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ غُلِبُوا فَنَقَضَ كَثِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ العَهْدَ، ومِمَّنْ نَقَضَ العَهْدَ بَعْضُ خُزاعَةَ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو خُزَيْمَةَ أوْ جُذَيْمَةَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤] فَأعْلَنَ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ هَذِهِ البَراءَةَ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم، وفي ذَلِكَ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ إنْ دامُوا عَلى الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الأرْضَ صارَتْ لِأهْلِ الإسْلامِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدُ ﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣]

صفحة ١٠٥

وإنَّما جُعِلَتِ البَراءَةُ شَأْنًا مِن شُئُونِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُسْنِدَ العَهْدُ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العُهُودَ الَّتِي عَقَدَها النَّبِيءُ ﷺ لازِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وهي بِمَنزِلَةِ ما عَقَدُوهُ بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ عُهُودَ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّما كانَتْ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، في وقْتِ عَدَمِ اسْتِجْماعِ قُوَّتِهِمْ، وأزْمانَ كانَتْ بَقِيَّةُ قُوَّةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وإلّا فَإنَّ أهْلَ الشِّرْكِ ما كانُوا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ تَوْسِعَةً ولا عَهْدًا لِأنَّ مَصْلَحَةَ الدِّينِ تَكُونُ أقْوَمَ إذا شَدَّدَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِ، فالآنَ لَمّا كانَتْ مَصْلَحَةُ الدِّينِ مُتَمَحِّضَةً في نَبْذِ العَهْدِ الَّذِي عاهَدَهُ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ أذِنَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ العَهْدِ، فَلا تَبِعَةَ عَلى المُسْلِمِينَ في نَبْذِهِ، وإنْ كانَ العَهْدُ قَدْ عَقَدَهُ النَّبِيءُ ﷺ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، عَلى نَحْوِ ما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وعَلى نَحْوِ ما قالَ اللَّهُ - تَعالى - في ثَباتِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاثْنَيْنِ مِنَ المُشْرِكِينَ، عَلى أنَّ في الكَلامِ احْتِباكًا، لِما هو مَعْرُوفٌ مِن أنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَصارَ الكَلامُ في قُوَّةِ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومِنكم، إلى الَّذِينَ عاهَدُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وعاهَدْتُمْ، فالقَبائِلُ الَّتِي كانَ لَها عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ جَمَعَها كُلَّها المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . فالتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ المَقْصُودِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ بَراءَةٌ مِنَ العَهْدِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَها بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآيَةَ.

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْنى البَراءَةِ؛ لِأنَّها لَمّا أمَرَ اللَّهُ بِالأذانِ بِها كانَتْ إعْلامًا لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن نَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَضَمِيرُ الخِطابِ في فِعْلِ الأمْرِ مَعْلُومٌ مِنهُ أنَّهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمُ الكَلامُ، وذَلِكَ التِفاتٌ. فالتَّقْدِيرُ: فَلْيَسِيحُوا في الأرْضِ. ونُكْتَةُ هَذا الِالتِفاتِ إبْلاغُ الإنْذارِ إلَيْهِمْ مُباشَرَةً.

ويَجُوزُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مُفَرَّعٍ عَلى البَراءَةِ مِن عُهُودِهِمْ، أيْ فَقُلْ لَهم: سِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ.

صفحة ١٠٦

والسِّياحَةُ حَقِيقَتُها السَّيْرُ في الأرْضِ. ولَمّا كانَ الأمْرُ بِهَذا السَّيْرِ مُفَرَّعًا عَلى البَراءَةِ مِنَ العَهْدِ، ومُقَرِّرًا لِحُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ السَّيْرُ بِأمْنٍ دُونَ خَوْفٍ في أيِّ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ، فَكانَ المَعْنى: فَسِيحُوا آمِنِينَ حَيْثُما شِئْتُمْ مِنَ الأرْضِ.

وهَذا تَأْجِيلٌ خاصٌّ بَعْدَ البَراءَةِ كانَ ابْتِداؤُهُ مِن شَوّالٍ وقْتَ نُزُولِ ”بَراءَةٌ“ ونِهايَتُهُ نِهايَةُ مُحَرَّمٍ في آخِرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المُتَوالِيَةِ، وهي: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وأُجِّلَ النّاسُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ أُذِّنَ فِيهِمْ لِيَرْجِعَ كُلُّ قَوْمٍ إلى مَأْمَنِهِمْ. وقالَ بَعْضُهم: هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ تَبْتَدِئُ مِن عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ وتَنْتَهِي في عاشِرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] أيْ مِن ذَلِكَ العامِ تَنْهِيَةً لِذَلِكَ الأجَلِ رُوعِيَ فِيها المُدَّةُ الكافِيَةُ لِرُجُوعِ النّاسِ إلى بِلادِهِمْ، وذَلِكَ نِهايَةُ المُحَرَّمِ.

وقِيلَ: الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم في جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، أيْ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُشْرِكِينَ أمْنٌ إلّا في الأشْهُرِ الحُرُمِ وعَلى هَذا فَلَيْسَ في الآيَةِ تَأْجِيلٌ خاصٌّ لِتَأْمِينِهِمْ ولَكِنَّهُ التَّأْمِينُ المُقَرِّرُ لِلْأشْهُرِ الحُرُمِ فَيَكُونُ المَعْنى: البَراءَةُ مِنَ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَهم فِيما زادَ عَلى الأمْنِ المُقَرِّرِ لِلْأشْهُرِ الحُرُمِ. وحَكى السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الآنِفِ أنَّهُ قِيلَ أنَّهُ أرادَ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ العامِ وأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أجَلًا لِمَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوَّلُها يَوْمُ النَّحْرِ مِن ذَلِكَ العامِ.

وفِي هَذا الأمْرِ إيذانٌ بِفَرْضِ القِتالِ في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وبِأنَّ ما دُونَ تِلْكَ الأشْهُرِ حَرْبٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وسَيَقَعُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.

* * *

﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَسِيحُوا داخِلٌ في حُكْمِ التَّفْرِيعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْبَأهم بِالأمانِ في أرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَقَّبَهُ بِالتَّخْوِيفِ مِن بَأْسِ اللَّهِ احْتِراسًا مِن تَطَرُّقِ الغُرُورِ، وتَهْدِيدًا بِأنْ لا

صفحة ١٠٧

يَطْمَئِنُّوا مِن أنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وإنْ قَبَعُوا في دِيارِهِمْ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِـ واعْلَمُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ وعْيُهُ، والتَّدَبُّرُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

والمُعْجِزُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أعْجَزَ فُلانًا إذا جَعَلَهُ عاجِزًا عَنْ عَمَلٍ ما، فَلِذَلِكَ كانَ بِمَعْنى الغالِبِ والفائِتِ، الخارِجِ عَنْ قُدْرَةِ أحَدٍ، فالمَعْنى: أنَّكم غَيْرُ خارِجِينَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أمَّنَكم وإذا شاءَ أوْقَعَكم في الخَوْفِ والبَأْسِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] فَهو داخِلٌ في عَمَلِ واعْلَمُوا فَمَقْصُودٌ مِنهُ وعْيُهُ والعِلْمُ بِهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وكانَ ذِكْرُ الكافِرِينَ إخْراجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ: لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: وإنَّ اللَّهَ مُخْزِيكم، ووَجْهُ تَخْرِيجِهِ عَلى الإظْهارِ الدَّلالَةُ عَلى سَبَبِيَّةِ الكُفْرِ في الخِزْيِ.

والإخْزاءُ: الإذْلالُ. والخِزْيُ بِكَسْرِ الخاءِ الذُّلُّ والهَوانُ، أيْ مُقَدِّرٌ لِلْكافِرِينَ الإذْلالَ: بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وعَذابِ الآخِرَةِ، ما دامُوا مُتَلَبِّسِينَ بِوَصْفِ الكُفْرِ.

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] ومَوْقِعُ لَفْظِ ”أذانٌ“ كَمَوْقِعِ لَفْظِ ”بَراءَةٌ“ في التَّقْدِيرِ، وهَذا إعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ بِأنَّ عَهْدَهُمُ انْتُقِضَ.

والأذانُ اسْمُ مَصْدَرِ آذَنَهُ: إذا أعْلَمَهُ بِإعْلانٍ، مِثْلَ العَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ، والأمانِ بِمَعْنى الإيمانِ، فَهو بِمَعْنى الإيذانِ.

صفحة ١٠٨

وإضافَةُ الأذانِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ تَشْرِيعٌ وحُكْمٌ في مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وهَذا أمْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَأْذَنُوا المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ البَراءَةِ، لِئَلّا يَكُونُوا غادِرِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] . والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُشْرِكِينَ لِأنَّ العِلْمَ بِهَذا النِّداءِ يُهِمُّ النّاسَ كُلَّهم.

ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: قِيلَ هو يَوْمُ عَرَفَةَ؛ لِأنَّهُ يَوْمُ مُجْتَمَعِ النّاسِ في صَعِيدٍ واحِدٍ وهَذا يُرْوى عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ وفي الحَدِيثِ «الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وقِيلَ: هو يَوْمُ النَّحْرِ لِأنَّ النّاسَ كانُوا في يَوْمِ مَوْقِفِ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، ويَقِفُ بَقِيَّةُ النّاسِ بِعَرَفَةَ، وكانُوا جَمِيعًا يَحْضُرُونَ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ ذَلِكَ الِاجْتِماعَ الأكْبَرَ، ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّعْلِيلَ إلى مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ. وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ أبِي أوْفى، والزُّهْرِيِّ، ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: لا نَشُكُّ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي تُرْمى فِيهِ الجَمْرَةُ، ويُنْحَرُ فِيهِ الهَدْيُ، ويَنْقَضِي فِيهِ الحَجُّ، مَن أدْرَكَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الفَجْرِ أدْرَكَ الحَجَّ. وأقُولُ أنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ شُغْلٍ بِعِبادَةٍ مِن وُقُوفٍ بِالمَوْقِفِ ومِن سَماعِ الخُطْبَةِ. فَأمّا يَوْمُ مِنًى فَيَوْمُ عِيدِهِمْ.

و”الأكْبَرِ“ بِالجَرِّ نَعْتٌ لِلْحَجِّ، بِاعْتِبارِ تَجْزِئَتِهِ إلى أعْمالٍ، فَوَصَفَ الأعْظَمَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ بِالأكْبَرِ ويَظْهَرُ مِنِ اخْتِلافِهِمْ في المُرادِ مِنَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَمِن ثَمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ مِنهُ.

وهَذا الكَلامُ إنْشاءٌ لِهَذا الأذانِ، مُوَقَّتًا بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الأمْرِ، إذِ المَعْنى: آذِنُوا النّاسَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِيئانِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

صفحة ١٠٩

والمُرادُ بِـ ”النّاسِ“ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ ضَمَّهُمُ المَوْسِمُ، ومَن يَبْلُغُهُ ذَلِكَ مِنهم: مُؤْمِنُهم ومُشْرِكُهم. لِأنَّ هَذا الأذانَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ المُسْلِمُ والمُشْرِكُ، إذْ كانَ حُكْمُهُ يَلْزَمُ الفَرِيقَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِـ ”أذانٌ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو باءُ التَّعْدِيَةِ أيْ إعْلامُ بِهَذِهِ البَراءَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] فَإعادَتُها هُنا لِأنَّ هَذا الإعْلامَ لِلْمُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ وغَيْرِهِمْ، تَقْرِيرًا لِعَدَمِ غَدْرِ المُسْلِمِينَ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ إعْلامٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

وجاءَ التَّصْرِيحُ بِفِعْلِ البَراءَةِ مَرَّةً ثانِيَةً دُونَ إضْمارٍ ولا اخْتِصارٍ بِأنْ يُقالَ: وأذانٌ إلى النّاسِ بِذَلِكَ، أوْ بِها، أوْ بِالبَراءَةِ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ وإطْنابٍ لِأجْلِ اخْتِلافِ أفْهامِ السّامِعِينَ فِيما يَسْمَعُونَهُ، فَفِيهِمُ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ، فَفي الإطْنابِ والإيضاحِ قَطْعٌ لِمَعاذِيرِهِمْ واسْتِقْصاءٌ في الإبْلاغِ لَهم.

وعُطِفَ ورَسُولُهُ بِالرَّفْعِ، عِنْدَ القُرّاءِ كُلِّهِمْ: لِأنَّهُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ السّامِعَ يَعْلَمُ مِنَ الرَّفْعِ أنَّ تَقْدِيرَهُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفي هَذا الرَّفْعِ مَعْنًى بَلِيغٌ مِنَ الإيضاحِ لِلْمَعْنى مَعَ الإيجازِ في اللَّفْظِ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ قُرْآنِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدِ اهْتَدى بِها ضابِئُ بْنُ الحارِثِ في قَوْلِهِ:

ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِهَـا لَـغَـرِيبُ

بِرَفْعِ ”قَيّارٌ“ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ غُرْبَةَ جَمَلِهِ المُسَمّى ”قَيّارًا“ غُرْبَةً أُخْرى غَيْرَ تابِعَةٍ لِغُرْبَتِهِ.

ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ: ما في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قِراءَةُ ورَسُولِهِ بِالجَرِّ ولَمْ تَصِحَّ نِسْبَتُها إلى الحَسَنِ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ جَرُّ ورَسُولِهِ ولا عامِلَ يَقْتَضِي جَرَّهُ، ولَكِنَّها ذاتُ قِصَّةٍ طَرِيفَةٍ: أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا قَرَأ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ بِجَرِّ ”ورَسُولِهِ“ فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنْ كانَ اللَّهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ. وإنَّما أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى القارِئِ، فَلَبَّبَهُ الرَّجُلُ إلى عُمَرَ فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا الأسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ سَمِعَ ذَلِكَ فَرَفَعَ

صفحة ١١٠

الأمْرَ إلى عَلِيٍّ. فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ وضْعِ النَّحْوِ، وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ في ذِكْرِ سَبَبِ وضْعِ عِلْمِ النَّحْوِ.

وهَذا الأذانُ قَدْ وقَعَ في الحِجَّةِ الَّتِي حَجَّها أبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ، إذْ ألْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ بِأبِي بَكْرٍ، مُوافِيًا المَوْسِمَ لِيُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةٌ“ فَأذَّنَ بِها عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، مِن أوَّلِها إلى ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً مِنها. كَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. ولَعَلَّ قَوْلَهُ: أوْ أرْبَعِينَ آيَةً. شَكٌّ مِنَ الرّاوِي، فَما ورَدَ في رِوايَةِ النَّسائِيِّ، أيْ عَنْ جابِرٍ: أنَّ عَلِيًّا قَرَأ عَلى النّاسِ ”بَراءَةٌ“ حَتّى خَتَمَها، فَلَعَلَّ مَعْناهُ حَتّى خَتَمَ ما نَزَلَ مِنها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالبَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ سُورَةَ ”بَراءَةٌ“ لَمْ يَتِمَّ نُزُولُها يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ هي آخِرُ آيَةٍ مِن سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

وإنَّما ألْحَقَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ بِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِأنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّ العَرَبَ لا يَرَوْنَ أنْ يَنْقُضَ أحَدٌ عَهْدَهُ مَعَ مَن عاهَدَهُ إلّا بِنَفْسِهِ أوْ بِرَسُولٍ مِن ذِي قَرابَةِ نَسَبِهِ، فَأرادَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ لا يَتْرُكَ لِلْمُشْرِكِينَ عُذْرًا في عِلْمِهِمْ بِنَبْذِ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

ورُوِيَ: أنَّ عَلِيًّا بَعَثَ أبا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ في مَنازِلِ قَبائِلِ العَرَبِ مِن مِنًى، يَصِيحُ بِآياتِ ”بَراءَةٌ“ حَتّى صَحِلَ صَوْتُهُ. وكانَ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ يَقُولُونَ لِعَلِيٍّ سَتَرَوْنَ بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ فَإنَّهُ لا عَهْدَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ عَمِّكَ إلّا الطَّعْنُ والضَّرْبُ.

* * *

﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهْوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾

التَّفْرِيعُ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَيَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ حالَتانِ: حالَةُ التَّوْبَةِ وحالَةُ التَّوَلِّي.

صفحة ١١١

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُوذِنُوا بِالبَراءَةِ، والمَعْنى: فَإنْ آمَنتُمْ فالإيمانُ خَيْرٌ لَكم مِنَ العَهْدِ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ فِيهِ النَّجاةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والعَهْدَ فِيهِ نَجاةُ الدُّنْيا لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالتَّوَلِّي: الإعْراضُ عَنِ الإيمانِ. وأُرِيدَ بِفِعْلِ ”تَوَلَّيْتُمْ“ مَعْنى الِاسْتِمْرارِ، أيْ إنْ دُمْتُمْ عَلى الشِّرْكِ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، أيِ اعْلَمُوا أنَّكم قَدْ وقَعْتُمْ في مُكْنَةِ اللَّهِ، وأوْشَكْتُمْ عَلى العَذابِ.

وجُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِما تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ الجُمْلَةُ مِن مَعْنى الأمْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَآذِنُوا النّاسَ بِبَراءَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وبِأنَّ مَن تابَ مِنهم فَقَدْ نَجا ومَن أعْرَضَ فَقَدْ أوْشَكَ عَلى العَذابِ، ثُمَّ قالَ: وبَشِّرِ المُعْرِضِينَ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ.

والبِشارَةُ أصْلُها الإخْبارُ بِما فِيهِ مَسَرَّةٌ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ هُنا لِلْإنْذارِ، وهو الإخْبارُ بِما يَسُوءُ، عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ القَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ، وفَيْءِ الأمْوالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] فَإنَّ تَعْذِيبَهم يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْضُهُ بِالقَتْلِ، وبَعْضُهُ بِالأسْرِ والسَّبْيِ وغُنْمِ الأمْوالِ، أيْ: أنْذِرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّكَ مُقاتِلُهم وغالِبُهم بَعْدَ انْقِضاءِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском