Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:4–6
9:4Page 187
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤
Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .
اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] ومِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] لِأنَّ شَأْنَ الِاسْتِثْناءِ إذا ورَدَ عَقِبَ جُمَلٍ أنْ
صفحة ١١٢
يَرْجِعَ إلى ما تَحْتَوِيهِ جَمِيعُها مِمّا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ، فَهو اسْتِثْناءٌ لِهَؤُلاءِ مِن حُكْمِ نَقْضِ العَهْدِ، ومِن حُكْمِ الإنْذارِ بِالقِتالِ، المُتَرَتِّبِ عَلى النَّقْضِ، فَهَذا الفَرِيقُ مِنَ المُشْرِكِينَ باقُونَ عَلى حُرْمَةِ عَهْدِهِمْ وعَلى السِّلْمِ مَعَهم.
والمَوْصُولُ هُنا يَعُمُّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ الصِّلَةُ، وقَدْ بَيَّنَ مَدْلُولَ الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾
وحَرْفُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإخْلالِ بِأقَلِّ شَيْءٍ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ أهَمُّ مِنَ الوَفاءِ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ لِأنَّ عَدَمَ الإخْلالِ بِأقَلِّ شَيْءٍ نادِرُ الحُصُولِ.
والنَّقْصُ لِشَيْءٍ إزالَةُ بَعْضِهِ، والمُرادُ: أنَّهم لَمْ يُفَرِّطُوا في شَيْءٍ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ. وفي هَذا العَطْفِ إيذانٌ بِالتَّنْوِيهِ بِهَذا الِانْتِفاءِ لِأنَّ ”ثُمَّ“ إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أفادَتْ مَعْنى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أيْ بُعْدِ مَرْتَبَةِ المَعْطُوفِ مِن مَرْتَبَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بُعْدَ كَمالٍ وارْتِفاعِ شَأْنٍ. فَإنَّ مِن كَمالِ العَهْدِ الحِفاظَ عَلى الوَفاءِ بِهِ.
وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ احْتَفَظُوا بِعَهْدِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، ووَفَّوْا بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَلَمْ يَكِيدُوا المُسْلِمِينَ بِكَيْدٍ، ولا ظاهَرُوا عَلَيْهِمْ عَدُوًّا سِرًّا، فَهَؤُلاءِ أُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يَنْقُضُوا عَهْدَهم إلى المُدَّةِ الَّتِي عُوهِدُوا عَلَيْها. ومِن هَؤُلاءِ: بَنُو ضَمْرَةَ، وحَيّانِ مِن بَنِي كِنانَةَ: هم بَنُو جُذَيْمَةَ، وبَنُو الدِّيلِ. ولا شَكَّ أنَّهم مِمَّنْ دَخَلُوا في عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ.
وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا: أنَّ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِالبَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ هم ضِدُّ أُولَئِكَ، وهم قَوْمٌ نَقَصُوا مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ، أيْ كادُوا وغَدَرُوا سِرًّا، أوْ ظاهَرُوا العَدُوَّ بِالمَدَدِ والجَوْسَسَةِ.
ومِن هَؤُلاءِ: قُرَيْظَةُ أمَدُّوا المُشْرِكِينَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وبَنُو بَكْرٍ، عَدَوْا عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ. فَعُبِّرَ عَنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ لِأنَّهم لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ عَلَنًا، ولا أبْطَلُوهُ، ولَكِنَّهم أخَلَّوْا بِهِ، مِمّا اسْتَطاعُوا أنْ يَكِيدُوا ويَمْكُرُوا ولِأنَّهم نَقَضُوا بَعْضَ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ.
صفحة ١١٣
وذِكْرُ كَلِمَةِ ”شَيْئًا“ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الِانْتِقاصِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ عامَّةٌ، فَإذا وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ أفادَتِ انْتِفاءَ كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَوْجُودٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُها مُشْتَقًّا مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الظَّهْرُ، أيْ صُلْبُ الإنْسانِ أوِ البَعِيرِ؛ لِأنَّ الظَّهْرَ بِهِ قُوَّةُ الإنْسانِ في المَشْيِ والتَّغَلُّبِ، وبِهِ قُوَّةُ البَعِيرِ في الرِّحْلَةِ والحَمْلِ، يُقالُ: بَعِيرٌ ظَهِيرٌ، أيْ قَوِيٌّ عَلى الرِّحْلَةِ، مِثْلَ المُعِينِ لِأحَدٍ عَلى عَمَلٍ بِحالِ مَن يُعْطِيهِ ظَهْرَهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يُعِيرُهُ ظَهْرَهُ ويُعِيرُهُ الآخَرُ ظَهْرَهُ، فَمِن ثَمَّ جاءَتْ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ، ومِثْلُهُ المُعاضَدَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العَضُدِ، والمُساعَدَةُ مِنَ السّاعِدِ، والتَّأْيِيدُ مِنَ اليَدِ، والمُكاتَفَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الكَتِفِ، وكُلُّها أعْضاءُ العَمَلِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الظُّهُورِ، وهو مَصْدَرٌ ضِدُّ الخَفاءِ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا انْتَصَرَ عَلى غَيْرِهِ ظَهَرَ حالُهُ لِلنّاسِ، فَمُثِّلَ بِالشَّيْءِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ خَفاءٍ، ولِذَلِكَ يُعَدّى بِحَرْفِ ”عَلى“ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] وقالَ ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقالَ ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] أيْ مُعِينٌ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”فَأتِمُّوا“ تَفْرِيعٌ عَلى ما أفادَهُ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ إلَخْ، وهو أنَّهم لا تَشْمَلُهُمُ البَراءَةُ مِنَ العَهْدِ.
والمُدَّةُ: الأجَلُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَدِّ لِأنَّ الأجَلَ مَدٌّ في زَمَنِ العَمَلِ، أيْ تَطْوِيلٌ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: مادَ القَوْمُ غَيْرَهم، إذا أجَّلُوا الحَرْبَ إلى أمَدٍ، وإضافَةُ المُدَّةِ إلى ضَمِيرِ المُعاهِدِينَ لِأنَّها مُنْعَقِدَةٌ مَعَهم، فَإضافَتُها إلَيْهِمْ كَإضافَتِها إلى المُسْلِمِينَ ولَكِنْ رَجَّحَ هُنا جانِبَهم لِأنَّ انْتِفاعَهم بِالأجَلِ أصْبَحَ أكْثَرَ مِنِ انْتِفاعِ المُسْلِمِينَ بِهِ، إذْ صارَ المُسْلِمُونَ أقْوى مِنهم، وأقْدَرَ عَلى حَرْبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإتْمامِ العَهْدِ إلى الأجَلِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّقْوى، أيْ مِنِ امْتِثالِ الشَّرْعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ المُتَّقِينَ عَقِبَ الأمْرِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ مِنَ التَّقْوى.
صفحة ١١٤
ثُمَّ إنَّ قَبائِلَ العَرَبِ كُلَّها رَغِبَتْ في الإسْلامِ فَأسْلَمُوا في تِلْكَ المُدَّةِ فانْتَهَتْ حُرْمَةُ الأشْهُرِ الحُرُمِ في حُكْمِ الإسْلامِ.
9:5Page 187
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] فَإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ أرْبَعَةً تَبْتَدِئُ مِن وقْتِ نُزُولِ ”بَراءَةٌ“ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ تَفْرِيعًا مُرادًا مِنهُ زِيادَةُ قَيْدٍ عَلى قَيْدِ الظَّرْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أيْ: فَإذا انْتَهى أجَلُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وانْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ إلَخْ لِانْتِهاءِ الإذْنِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وإنْ كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ مُرادًا بِها الأشْهُرُ الحُرُمُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ الإذْنِ بِالأمْنِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، المُقْتَضِي أنَّهُ لا أمْنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَيَكُونُ تَأْجِيلًا لَهم إلى انْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ مِن سَنَةِ عَشْرٍ، ثُمَّ تَحْذِيرًا مِن خَرْقِ حُرْمَةِ شَهْرِ رَجَبٍ، وكَذَلِكَ يَسْتَمِرُّ الحالُ في كُلِّ عامٍ إلى نَسْخِ تَأْمِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]
وانْسِلاخُ الأشْهُرِ انْقِضاؤُها وتَمامُها وهو مُطاوِعُ سَلْخٍ. وهو في الأصْلِ اسْتِعارَةٌ مِن سَلْخِ جِلْدِ الحَيَوانِ، أيْ إزالَتُهُ. ثُمَّ شاعَ هَذا الإطْلاقُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً.
والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ وهو سَماعِيٌّ لِأنَّ ”فُعُلًا“ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ إنَّما يَنْقاسُ في الِاسْمِ الرُّباعِيِّ ذِي مَدٍّ زائِدٍ. وحَرامٌ صِفَةٌ. وقالَ الرَّضِيُّ في بابِ الجَمْعِ مِن شَرْحِ الشّافِيَةِ: إنَّ جُمُوعَ التَّكْسِيرِ أكْثَرُها مُحْتاجٌ إلى السَّماعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] سُورَةُ البَقَرَةِ. وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ ورَجَبٌ.
صفحة ١١٥
وانْسِلاخُها انْقِضاءُ المُدَّةِ المُتَتابِعَةِ مِنها، وقَدْ بَقِيَتْ حُرْمَتُها ما بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبِيلَةٌ، لِمَصْلَحَةِ الفَرِيقَيْنِ، فَلَمّا آمَنَ جَمِيعُ العَرَبِ بَطَلَ حُكْمُ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ المَحارِمِ الإسْلامِيَّةِ أغْنَتْ عَنْها.
والأمْرُ في ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ لِلْإذْنِ والإباحَةِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَأْمُوراتِ عَلى حِدَةٍ، أيْ فَقَدْ أُذِنَ لَكم في قَتْلِهِمْ وفي أخْذِهِمْ، وفي حِصارِهِمْ، وفي مَنعِهِمْ مِنَ المُرُورِ بِالأرْضِ الَّتِي تَحْتَ حُكْمِ الإسْلامِ، وقَدْ يَعْرِضُ الوُجُوبُ إذا ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ، ومِن صُوَرِ الوُجُوبِ ما يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] والمَقْصُودُ هُنا: أنَّ حُرْمَةَ العَهْدِ قَدْ زالَتْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ شُرِعُ الجِهادُ والإذْنُ فِيهِ والإشارَةُ إلى أنَّهم لا يُقْبَلُ مِنهم غَيْرُ الإسْلامِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ آياتِ المُوادَعَةِ والمُعاهَدَةِ. وقَدْ عَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ وعَمَّتِ البِقاعَ إلّا ما خَصَّصَتْهُ الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
والأخْذُ: الأسْرُ.
والحَصْرُ: المَنعُ مِن دُخُولِ أرْضِ الإسْلامِ إلّا بِإذْنٍ مِنَ المُسْلِمِينَ.
والقُعُودُ مَجازٌ في الثَّباتِ في المَكانِ، والمُلازَمَةِ لَهُ؛ لِأنَّ القُعُودَ ثُبُوتٌ شَدِيدٌ وطَوِيلٌ. فَمَعْنى القُعُودِ في الآيَةِ المُرابَطَةُ في مَظانِّ تَطَرُّقِ العَدُوِّ المُشْرِكِينَ إلى بِلادِ الإسْلامِ، وفي مَظانِّ وُجُودِ جَيْشِ العَدُوِّ وعُدَّتِهِ.
والمَرْصَدُ مَكانُ الرَّصْدِ. والرَّصْدُ: المُراقَبَةُ وتَتَبُّعُ النَّظَرِ.
و”كُلَّ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَعْمِيمِ المَراصِدِ المَظْنُونِ مُرُورُهم بِها، تَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِن إضاعَتِهِمُ الحِراسَةَ في المَراصِدِ فَيَأْتِيهِمُ العَدُوُّ مِنها، أوْ مِنَ التَّفْرِيطِ في بَعْضِ مَمارِّ العَدُوِّ فَيَنْطَلِقُ الأعْداءُ آمِنِينَ فَيَسْتَخِفُّوا بِالمُسْلِمِينَ ويَتَسامَعُ جَماعاتُ المُشْرِكِينَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَيْسُوا بِذَوِي بَأْسٍ ولا يَقَظَةٍ، فَيُؤَوَّلُ مَعْنى ”كُلَّ“ هُنا إلى مَعْنى الكَثْرَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاجْتِهادِ في اسْتِقْصاءِ المَراصِدِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَـرْعَـوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
صفحة ١١٦
وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِتَضْمِينِ اقْعُدُوا مَعْنى ”الزَمُوا“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، وإمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ لِأنَّهُ مِن حَقِّ فِعْلِ القُعُودِ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِـ ”في“ الظَّرْفِيَّةِ فَشُبِّهَ بِالظَّرْفِ وحُذِفَتْ ”في“ لِلتَّوَسُّعِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ”كُلَّ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
* * *
﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهُمْ﴾
والتَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ هي الإيمانُ، أيْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا صادِقًا، بِأنْ أقامُوا الصَّلاةَ الدّالَّةَ إقامَتُها عَلى أنَّ صاحِبَها لَمْ يَكُنْ كاذِبًا في إيمانِهِ، وبِأنْ آتَوُا الزَّكاةَ الدّالَّ إيتاؤُها عَلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا؛ لِأنَّ بَذْلَ المالِ لِلْمُسْلِمِينَ أمارَةُ صِدْقِ النِّيَّةِ فِيما بُذِلَ فِيهِ. فَإقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ شَرْطٌ في كَفِّ القِتالِ عَنْهم إذا آمَنُوا، ولَيْسَ في هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ جُزْءٌ مِنَ الإيمانِ.
وحَقِيقَةُ ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتْرُكُوا طَرِيقَهُمُ الَّذِي يَمُرُّونَ بِهِ، أيِ اتْرُكُوا لَهم كُلَّ طَرِيقٍ أُمِرْتُمْ بِرَصْدِهِمْ فِيهِ أيِ اتْرُكُوهم يَسِيرُونَ مُجْتازِينَ أوْ قادِمِينَ عَلَيْكم، إذْ لا بَأْسَ عَلَيْكم مِنهم في الحالَتَيْنِ، فَإنَّهم صارُوا إخْوانَكم، كَما قالَ في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]
وهَذا المُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ هُنا تَمْثِيلًا في عَدَمِ الإضْرارِ بِهِمْ ومُتارَكَتِهِمْ، يُقالُ: خَلِّ سَبِيلِي، أيْ: دَعْنِي وشَأْنِي، كَما قالَ جَرِيرٌ:
خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يَبْنِي المَنَـارَ بِـهِ وأبْرِزْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اضْطَرَّكَ القَدَرُ
صفحة ١١٧
وهُوَ مُقابِلٌ لِلتَّمْثِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ أُرِيدَ بِهِ حَثُّ المُسْلِمِينَ عَلى عَدَمِ التَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ لِلَّذِينَ يُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ لِما فَرَطَ مِنهم، فالمَعْنى اغْفِرُوا لَهم لِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم وهو غَفُورٌ رَحِيمٌ، أوِ اقْتَدُوا بِفِعْلِ اللَّهِ إذْ غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِنهم كَما تَعْمَلُونَ فَكُونُوا أنْتُمْ بِتِلْكَ المَثابَةِ في الإغْضاءِ عَمّا مَضى.
9:6Page 187
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ فَإنْ تابُوا لِتَفْصِيلِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لِتَخْصِيصِ عُمُومِهِ، أيْ إلّا مُشْرِكًا اسْتَجارَكَ لِمَصْلَحَةٍ: لِلسِّفارَةِ عَنْ قَوْمِهِ أوْ لِمَعْرِفَةِ شَرائِعِ الإسْلامِ. وصِيغَ الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الشَّرْطِ لِتَأْكِيدِ حُكْمِ الجَوابِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنْ تَقَعَ الرَّغْبَةُ في الجِوارِ مِن جانِبِ المُشْرِكِينَ.
وجِيءَ بِحِرَفِ ”إنْ“ الَّتِي شَأْنُها أنْ يَكُونَ شَرْطُها نادِرَ الوُقُوعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا شَرْطٌ فَرْضِيٌّ لِكَيْلا يَزْعُمَ المُشْرِكُونَ أنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن لِقاءِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَتَّخِذُوهُ عُذْرًا لِلِاسْتِمْرارِ عَلى الشِّرْكِ إذا غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ. ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا إنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وهَذا لا يُعارِضُ ما رَأيْناهُ مِن أنَّ الشَّرْطَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ إلَخْ، شَرْطٌ فَرْضِيٌّ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مَقالَةَ هَذا الرَّجُلِ وقَعَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ. عَلى أنَّ هَذا المَرْوِيَّ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ.
وجِيءَ بِلَفْظِ ”أحَدٌ“ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ لَفْظِ مُشْرِكٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلى عُمُومِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ مِثْلُها في سِياقِ النَّفْيِ إذا لَمْ تُبْنَ عَلى الفَتْحِ احْتَمَلَتْ إرادَةَ
صفحة ١١٨
عُمُومِ الجِنْسِ واحْتَمَلَتْ بَعْضَ الأفْرادِ، فَكانَ ذِكْرُ ”أحَدٌ“ في سِياقِ الشَّرْطِ تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ بِمَنزِلَةِ البِناءِ عَلى الفَتْحِ في سِياقِ النَّفْيِ بِـ ”لا“ .
و”أحَدٌ“ أصْلُهُ واحِدٌ لِأنَّ هَمْزَتَهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الجُزْئِيِّ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُ واحِدٌ، كَما اسْتُعْمِلَ لَهُ ”فَرْدٌ“ في اصْطِلاحِ العُلُومِ، فَمَعْنى ﴿أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشْرِكٌ.
وتَقْدِيمُ ”أحَدٌ“ عَلى اسْتَجارَكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ، لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ فَيَقَعُ المُسْنَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ السّامِعِ مَوْقِعَ التَّمَكُّنِ.
وساغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِأنَّ المُرادَ النَّوْعُ، أوْ لِأنَّ الشَّرْطَ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ في إفادَةِ العُمُومِ، ولا مانِعَ مِن دُخُولِ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلى المُبْتَدَأِ لِأنَّ وُقُوعَ الخَبَرِ فِعْلًا مُقْنِعٌ لِحَرْفِ الشَّرْطِ في اقْتِضائِهِ الجُمْلَةالفِعْلِيَّةَ، فَيُعْلَمُ أنَّ الفاعِلَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِغَرَضٍ ما. ولِذَلِكَ شاعَ عِنْدَ النُّحاةِ أنَّهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنَّما هو تَقْدِيرُ اعْتِبارٍ. ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلى إفادَةِ العُمُومِ ومِن تَقْدِيمِ ﴿أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَلى الفِعْلِ، تَأْكِيدُ بَذْلِ الأمانِ لِمَن يَسْألُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا كانَ لِلِقائِهِ النَّبِيءَ ﷺ ودُخُولِهِ بِلادَ الإسْلامِ مَصْلَحَةٌ، ولَوْ كانَ أحَدٌ مِنَ القَبائِلِ الَّتِي خانَتِ العَهْدَ، لِئَلّا تَحْمِلَ خِيانَتُهُمُ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَخُونُوهم أوْ يَغْدِرُوا بِهِمْ فَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» .
والِاسْتِجارَةُ: طَلَبُ الجِوارِ، وهو الكَوْنُ بِالقُرْبِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا شائِعًا في الأمْنِ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يَسْتَقِرُّ بِمَكانٍ إلّا إذا كانَ آمِنًا، فَمِن ثَمَّ سَمَّوُا المُؤْمِنَ جارًا، والحَلِيفَ جارًا، وصارَ فِعْلُ ”أجارَ“ بِمَعْنى ”أمَّنَ“، ولا يُطْلَقُ بِمَعْنى جَعَلَ شَخْصًا جارًا لَهُ. والمَعْنى: إنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَأْمَنَكَ فَأمِّنْهُ.
ولَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الِاسْتِجارَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الغَرَضِ وهو مَوْكُولٌ إلى مَقاصِدِ العُقَلاءِ فَإنَّهُ لا يَسْتَجِيرُ أحَدٌ إلّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
ولَمّا كانَتْ إقامَةُ المُشْرِكِ المُسْتَجِيرِ عِنْدَ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تَخْلُو مِن عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ وإسْماعِهِ القُرْآنَ، سَواءٌ كانَتِ اسْتَجارَتُهُ لِذَلِكَ أمْ لِغَرَضٍ آخَرَ،
صفحة ١١٩
لِما هو مَعْرُوفٌ مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الحِرْصِ عَلى هَدْيِ النّاسِ - جَعَلَ سَماعَ هَذا المُسْتَجِيرِ القُرْآنَ غايَةً لِإقامَتِهِ الوَقْتِيَّةِ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الغايَةُ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ إيجازًا، وهو ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ إقامَةُ المُسْتَجِيرِ مِن تَفاوُضٍ في مُهِمٍّ، أوْ طَلَبِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، فَإذا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ فَقَدْ تَمَّتْ أغْراضُ إقامَتِهِ لِأنَّ بَعْضَها مِن مَقْصِدِ المُسْتَجِيرِ وهو حَرِيصٌ عَلى أنْ يَبْدَأ بِها، وبَعْضَها مِن مَقْصِدِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو لا يَتْرُكُهُ يَعُودُ حَتّى يُعِيدَ إرْشادَهُ، ويَكُونَ آخِرُ ما يَدُورُ مَعَهُ في آخِرِ أزْمانِ إقامَتِهِ إسْماعَهُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى.
وكَلامُ اللَّهِ: القُرْآنُ، أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّهُ كَلامٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ لِيَدُلَّ عَلى مُرادِهِ مِنَ النّاسِ وأبْلَغَهُ إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَلَمْ يَكُنْ مِن تَأْلِيفِ مَخْلُوقٍ ولَكِنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ بِدُونِ صُنْعِ أحَدٍ، بِخِلافِ الحَدِيثِ القُدُسِيِّ.
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ اسْتِمْرارِ إجارَتِهِ في أرْضِ الإسْلامِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَكانَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ، ولَوْ بَلَغَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَحَرْفُ ”ثُمَّ“ هُنا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ اهْتِمامًا بِإبْلاغِهِ مَأْمَنَهُ.
ومَعْنى ﴿أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أمْهِلْهُ ولا تُهِجْهُ حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ، فَلَمّا كانَ تَأْمِينُ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيّاهُ سَبَبًا في بُلُوغِهِ مَأْمَنَهُ، جُعِلَ التَّأْمِينُ إبْلاغًا فَأُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا يَتَضَمَّنُ أمْرَ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِسُوءٍ حَتّى يَبْلُغَ بِلادَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتَكَلَّفُ تَرْحِيلَهُ ويَبْعَثُ مَن يُبَلِّغُهُ، فالمَعْنى: اتْرُكْهُ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ، كَما يَقُولُ العَرَبُ لِمَن يُبادِرُ أحَدًا بِالكَلامِ قَبْلَ إنْهاءِ كَلامِهِ: أبْلِعْنِي رِيقِي، أيْ أمْهِلْنِي لَحْظَةً مِقْدارَ ما أبْلَعُ رِيقِي ثُمَّ أُكَلِّمُكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُلْتُ لِبَعْضِ أشْياخِي: أبْلَعْنِي رِيقِي فَقالَ قَدْ أبَلَعْتُكَ الرّافِدَيْنِ. يَعْنِي دِجْلَةَ والفُراتَ.
والمَأْمَنُ مَكانُ الأمْنِ، وهو المَكانُ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ المُسْتَجِيرُ أمْنَهُ السّابِقَ، وذَلِكَ هو دارُ قَوْمِهِ حَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَنالَهُ بِسُوءٍ. وقَدْ أُضِيفَ المَأْمَنُ إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِ
صفحة ١٢٠
لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَكانُ الأمْنِ الخاصِّ بِهِ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ مَقَرُّهُ الأصْلِيُّ، بِخِلافِ دارِ الجِوارِ فَإنَّها مَأْمَنٌ عارِضٌ لا يُضافُ إلى المُجارِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالوَفاءِ لَهم بِالإجارَةِ إلى أنْ يَصِلُوا دِيارَهم، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: أمَرْنا بِذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، فالإشارَةُ إلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أيْ لا تُؤاخِذْهم في مُدَّةِ اسْتِجارَتِهِمْ بِما سَبَقَ مِن أذاهم لِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. وهَذِهِ مَذَمَّةٌ لَهم بِأنَّ مِثْلَهم لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ. وأوْفِ لَهم بِهِ إلى أنْ يَصِلُوا دِيارَهم لِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الإرْشادِ والهُدى، فَكانَ اسْمُ الإشارَةِ أصْلَحَ طُرُقِ التَّعْرِيفِ في هَذا المَقامِ، جَمْعًا لِلْمَعانِي المَقْصُودَةِ، وأوْجَزَهُ.
وفِي الكَلامِ تَنْوِيهٌ بِمَعالِي أخْلاقِ المُسْلِمِينَ وغَضٌّ مِن أخْلاقِ أهْلِ الشِّرْكِ وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الغَضِّ الإشْراكُ الَّذِي يُفْسِدُ الأخْلاقَ، ولِذَلِكَ جُعِلُوا قَوْمًا لا يَعْلَمُونَ دُونَ أنْ يُقالَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْيَ العِلْمِ مُطَّرِدٌ فِيهِمْ، فَيُشِيرُ إلى أنَّ سَبَبَ اطِّرادِهِ فِيهِمْ هو نَشْأتُهُ عَنِ الفِكْرَةِ الجامِعَةِ لِأشْتاتِهِمْ، وهي عَقِيدَةُ الإشْراكِ.
والعِلْمُ في كَلامِ العَرَبِ، بِمَعْنى العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ، وأنَّ عَقِيدَةَ الشِّرْكِ مُضادَّةٌ لِذَلِكَ، أيْ كَيْفَ يَعْبُدُ ذُو الرَّأْيِ حَجَرًا صَنَعَهُ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences