Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:7–12
9:7Page 188
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] ثُمَّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] الَّتِي كانَتْ تَدَرُّجًا في إبْطالِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن عُهُودٍ سابِقَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ
صفحة ١٢١
الَّذِينَ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى دَخِيلَةِ الأمْرِ، فَلَعَلَّ بَعْضَ قَبائِلِ العَرَبِ مِنَ المُشْرِكِينَ يَتَعَجَّبُ مِن هَذِهِ البَراءَةِ، ويَسْألُ عَنْ سَبَبِها، وكَيْفَ أُنْهِيَتِ العُهُودُ وأُعْلِنْتِ الحَرْبُ، فَكانَ المَقامُ مَقامَ بَيانِ سَبَبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ أمْرانِ: بُعْدُ ما بَيْنَ العَقائِدِ، وسَبْقُ الغَدْرِ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ ”كَيْفَ“ إنْكارِيٌّ؛ إنْكارًا لِحالَةِ كِيانِ العَهْدِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الإسْلامِ، أيْ: دَوامُ العَهْدِ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ الَّذِينَ عاهَدُوهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وما بَعْدَهُ فَفِعْلَ ”يَكُونُ“ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ . ولَيْسَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى وُقُوعِ العَهْدِ، فَإنَّ العَهْدَ قَدِ انْعَقَدَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وسَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وسُمِّيَ رِضا المُؤْمِنِينَ بِهِ يَوْمَئِذٍ سَكِينَةً في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]
والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَكُونَ لَكم عَهْدٌ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ، لِلْبَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ دِينِ التَّوْحِيدِ ودِينِ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفاقُ أهْلَيْهِما، أيْ فَما كانَ العَهْدُ المُنْعَقِدُ مَعَهم إلّا أمْرًا مُوَقَّتًا بِمَصْلَحَةٍ. فَفي وصْفِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإنْكارِ عَلى دَوامِ العَهْدِ مَعَهم.
وهَذا يُؤَيِّدُ ما فَسَّرْنا بِهِ وجْهَ إضافَةِ البَراءَةِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإسْنادَ العَهْدِ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ١]
ومَعْنى ”عِنْدَ“ الِاسْتِقْرارُ المَجازِيُّ، بِمَعْنى الدَّوامِ أيْ إنَّما هو عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، وقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عاهَدُوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، إذْ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ والرِّجالِ عَلى خُزاعَةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ داخِلَةً في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ التَّجْهِيزِ لِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ.
واسْتِثْناءُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ٤] مِن مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ بِـ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ لا يَكُونُ عَهْدُ المُشْرِكِينَ إلّا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
والَّذِينَ عاهَدُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ: هم بَنُو ضَمْرَةَ، وبَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ الدِّيلِ، مِن كِنانَةَ؛ وبَنُو بَكْرٍ مِن كِنانَةَ.
صفحة ١٢٢
فالمَوْصُولُ هُنا لِلْعَهْدِ، وهم أخَصُّ مِنَ الَّذِينَ مَضى فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤]
والمَقْصُودُ مِن تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ: التَّنْوِيهُ بِخَصْلَةِ وفائِهِمْ بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ. ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ في عُمْرَةِ القَضاءِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ودَخَلُوا في الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ مَعَ قُرَيْشٍ بِخُصُوصِهِمْ، زِيادَةً عَلى دُخُولِهِمْ في الصُّلْحِ الأعَمِّ، ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَهم، ولا ظاهَرُوا عَدُوًّا عَلى المُسْلِمِينَ، إلى وقْتِ نُزُولِ ”بَراءَةٌ“ . عَلى أنَّ مُعاهَدَتَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ أبْعَدُ عَنْ مَظِنَّةِ النَّكْثِ لِأنَّ المُعاهَدَةَ عِنْدَهُ أوْقَعُ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ مِنَ الحَلِفِ المُجَرَّدِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]
ولَيْسَ المُرادُ كُلَّ مَن عاهَدَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَما قَدْ يَتَوَهَّمُهُ المُتَوَهِّمُ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِأنْ يُعاهِدَ فَرِيقًا آخَرَ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ. فالتَّقْدِيرُ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فاسْتَقِيمُوا لَهم ما اسْتَقامُوا لَكم، أيْ ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم. والظّاهِرُ أنَّ اسْتِثْناءَ هَؤُلاءِ لِأنَّ لِعَهْدِهِمْ حُرْمَةً زائِدَةً لِوُقُوعِهِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَوْلَ الكَعْبَةِ.
و”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، والفاءُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها فاءُ التَّفْرِيعِ. والفاءُ الواقِعَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ فاءُ جَوابِ الشَّرْطِ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ إذا قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ قَدْ يُشْرَبُ مَعْنى الشَّرْطِ فَتَدْخُلُ الفاءُ في جَوابِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] لِوُجُوبِ جَعْلِ الفاءِ غَيْرَ تَفْرِيعِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَها العَطْفُ بِالواوِ، وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» “ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وقَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ أنْ يُجاهِدَ وسَألَهُ الرَّسُولُ «ألَكَ أبَوانِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» في رِوايَتِهِ بِفاءَيْنِ.
والِاسْتِقامَةُ حَقِيقَتُها عَدَمُ الِاعْوِجاجِ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ ”اسْتَجابَ“ و”اسْتَحَبَّ“، وإذا قامَ الشَّيْءُ انْطَلَقَتْ قامَتُهُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْوِجاجٌ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ
صفحة ١٢٣
لِحُسْنِ المُعامَلَةِ وتَرْكِ القِتالِ؛ لِأنَّ سُوءَ المُعامَلَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِالتِواءُ والِاعْوِجاجُ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى ضِدِّهِ الِاسْتِقامَةُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. ومَوْقِعُ ”إنَّ“ أوَّلَها لِلِاهْتِمامِ. وهو مُؤْذِنٌ بِالتَّعْلِيلِ لِأنَّ ”إنَّ“ في مِثْلِ هَذا تُغْنِي غَناءَ ”فاءٍ“ وقَدْ أنْبَأ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ أنَّ الِاسْتِقامَةَ لَهم مِنَ التَّقْوى وإلّا لَمْ تَكُنْ مُناسِبَةً لِلْإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ. عَقِبَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ لَهم، وهَذا مِنَ الإيجازِ. ولِأنَّ في الِاسْتِقامَةِ لَهم حِفْظًا لِلْعَهْدِ الَّذِي هو مِن قَبِيلِ اليَمِينِ.
9:8Page 188
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .
و”كَيْفَ“ هَذِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ”كَيْفَ“ الَّتِي في الآيَةِ قَبْلَها، فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] إخْبارًا عَنْ دَخائِلِهِمْ.
وفِي إعادَةِ الِاسْتِفْهامِ إشْعارٌ بِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ لَها مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِتَوَجُّهِ الإنْكارِ عَلى دَوامِ العَهْدِ لِلْمُشْرِكِينَ، حَتّى كَأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِالإنْكارِ. لا مُجَرَّدَ قَيْدٍ لِلْأمْرِ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإنْكارُ ابْتِداءً، فَيَؤُولُ المَعْنى الحاصِلُ مِن هَذا النَّظْمِ إلى إنْكارِ دَوامِ العَهْدِ مَعَ المُشْرِكِينَ في ذاتِهِ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ، وإلى إنْكارِ دَوامِهِ بِالخُصُوصِ في هَذِهِ الحالَةِ. وهي حالَةُ ما يُبْطِنُونَهُ مِن نِيَّةِ الغَدْرِ إنْ ظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، مِمّا قامَتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ والأماراتُ، كَما فَعَلَتْ هَوازِنُ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ. فَجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧]
وضَمِيرُ يَظْهَرُوا عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] ومَعْنى ﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ [الكهف: ٢٠] إنْ يَنْتَصِرُوا. وتَقَدَّمَ بَيانُ هَذا الفِعْلِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤] . والمَعْنى: لَوِ انْتَصَرَ المُشْرِكُونَ، بَعْدَ ضَعْفِهِمْ، وبَعْدَ أنْ جَرَّبُوا مِنَ العَهْدِ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في قُوَّتِكم، لَنَقَضُوا العَهْدَ. وضَمِيرُ ”عَلَيْكم“ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٢٤
ومَعْنى ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ لا يُوَفُّوا ولا يُراعُوا، يُقالُ: رَقَبَ الشَّيْءَ: إذا نَظَرَ إلَيْهِ نَظَرَ تَعَهُّدٍ ومُراعاةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الرَّقِيبُ، وسُمِّيَ المَرْقَبُ، مَكانُ الحِراسَةِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى المُراعاةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ لِأنَّ مَن أبْطَلَ العَمَلَ بِشَيْءٍ فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ وصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ.
والإلُّ: الحِلْفُ والعَهْدُ؛ ويُطْلَقُ الإلُّ عَلى النَّسَبِ والقَرابَةِ. وقَدْ كانَتْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ أنْسابٌ وقَراباتٌ، فَيَصِحُّ أنْ يُرادَ هُنا كِلا مَعْنَيَيْهِ.
والذِّمَّةُ ما يَمُتُّ بِهِ مِنَ الأواصِرِ مِن صُحْبَةٍ وخُلَّةٍ وجِوارٍ مِمّا يَجِبُ في المُرُوءَةِ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى. يُقالُ: في ذِمَّتِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ بِهِ وأحْفَظُهُ.
* * *
﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، أيْ هم يَقُولُونَ لَكم ما يُرْضِيكم، كَيْدًا ولَوْ تَمَكَّنُوا مِنكم لَمْ يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً. مَن يَسْمَعُ كَلامًا فَيَأْباهُ.
والإبايَةُ: الِامْتِناعُ مِن شَيْءٍ مَطْلُوبٍ وإسْنادُ الإبايَةِ إلى القُلُوبِ اسْتِعارَةٌ، فَقُلُوبُهم لَمّا نَوَتِ الغَدْرَ شُبِّهَتْ بِمَن يُطْلَبُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَأْبى.
وجُمْلَةُ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن واوِ الجَماعَةِ في ”يُرْضُونَكم“ مَقْصُودٌ مِنها الذَّمُّ بِأنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفٌ، مَعَ ذَلِكَ، بِالخُرُوجِ عَنْ مَهْيَعِ المُرُوءَةِ والرُّجْلَةِ، إذْ نَجِدُ أكْثَرَهم خالِعِينَ زِمامَ الحَياءِ، فَجَمَعُوا المَذَمَّةَ الدِّينِيَّةَ والمَذَمَّةَ العُرْفِيَّةَ. فالفِسْقُ هُنا الخُرُوجُ عَنِ الكَمالِ العُرْفِيِّ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ الخُرُوجَ عَنْ مَهْيَعِ الدِّينِ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لِجَمِيعِهِمْ لا لِأكْثَرِهِمْ، ولِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِن وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ.
9:9Page 188
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
صفحة ١٢٥
﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ المُشْعِرِ اسْتِئْنافُهُ بِعَجِيبِ حالِهِمْ، في صَدِّ اسْتِقْلالِهِ بِالأخْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ وصَفَ القُرْآنُ فِيها المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ما وصَفَ بِهِ أهْلَ الكِتابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: مِنَ الِاشْتِراءِ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ لَمْ يُوصَفُوا بِمِثْلِ هَذا في آيَةٍ أُخْرى نَزَلَتْ بَعْدَها لِأنَّ نُزُولَها كانَ في آخِرِ عَهْدِ المُشْرِكِينَ بِالشِّرْكِ إذْ لَمْ تَطُلْ مُدَّةٌ حَتّى دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، سَنَةَ الوُفُودِ وما بَعْدَها، وفِيها دَلالَةٌ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ، بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وظُهُورِ الإسْلامِ عَلى مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ، لَيْسَ لَهُمُ امْتِراءٌ في صِحَّةِ الإسْلامِ ونُهُوضِ حُجَّتِهِ، ولَكِنَّهم بَقُوا عَلى الشِّرْكِ لِمَنافِعَ يَجْتَنُونَها مِن عَوائِدِ قَوْمِهِمْ: مِن غاراتٍ يَشُنُّها بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ومَحَبَّةِ الأحْوالِ الجاهِلِيَّةِ مِن خَمْرٍ ومَيْسِرٍ وزِنًى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَذَمّاتِ واللَّذّاتِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ آثَرُوهُ عَلى الهُدى والنَّجاةِ في الآخِرَةِ. فَلِكَوْنِ آياتِ صِدْقِ القُرْآنِ أصْبَحَتْ ثابِتَةً عِنْدَهم جُعِلَتْ مِثْلَ مالٍ بِأيْدِيهِمْ، وفَرَّطُوا فِيهِ لِأجْلِ اقْتِناءِ مَنافِعَ قَلِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ مُثِّلَ حالُهم بِحالِ مَنِ اشْتَرى شَيْئًا بِشَيْءٍ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ، وهي دَلائِلُ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، وأعْظَمُها القُرْآنُ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ والحِجاجِ والإعْجازِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ باءُ التَّعْوِيضِ. وشَأْنُها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما هو عِوَضٌ يَبْذُلُهُ مالِكُهُ لِأخْذِ مُعَوَّضٍ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ آياتُ اللَّهِ كالشَّيْءِ المَمْلُوكِ لَهم لِأنَّها تَقَرَّرَتْ دَلالَتُها عِنْدَهم ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْها واسْتَبْدَلُوها بِاتِّباعِ هَواهم.
والتَّعْبِيرُ عَنِ العِوَضِ المُشْتَرى بِاسْمِ ثَمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَبْذُولًا لا مُقْتَنًى جارٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِمَنافِعِ أهْوائِهِمْ بِالثَّمَنِ المَبْذُولِ فَحَصَلَ مِن فِعْلِ ”اشْتَرَوْا“ ومِن لَفْظِ ”ثَمَنًا“ اسْتِعارَتانِ بِاعْتِبارَيْنِ.
صفحة ١٢٦
وجُمْلَةُ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ إيثارَهُمُ البَقاءَ عَلى كُفْرِهِمْ يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ أنْ يَصُدُّوا النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، فَمُثِّلَ حالُهم بِحالِ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقٍ تُبَلِّغُ إلى المَقْصُودِ.
ومَفْعُولُ ”صَدُّوا“ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: صَدُّوا كُلَّ قاصِدٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا، فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِيَظْهَرَ اسْتِقْلالُها بِالأخْبارِ، وأنَّها لا يَنْبَغِي أنْ تُعْطَفَ في الكَلامِ، إذِ العَطْفُ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ بِمَنزِلَةِ التَّكْمِلَةِ لِلْمَعْطُوفَةِ عَلَيْها.
وافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الذَّمِّ لَهم.
و”ساءَ“ مِن أفْعالِ الذَّمِّ، مِن بابِ ”بِئْسَ“، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ، وعُبِّرَ عَنْ عَمَلِهِمْ بِـ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ دَأْبٌ لَهم ومُتَكَرِّرٌ مِنهم.
9:10Page 188
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] لِأنَّ انْتِفاءَ مُراعاةِ الإلِّ والذِّمَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ سُوءُ عَمَلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتُدِئَ بِهِ لِلِالتِمامِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وقَدْ أفادَتْ مَعْنًى أعَمَّ وأوْسَعَ مِمّا أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] لِأنَّ إطْلاقَ الحُكْمِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] يُفِيدُ أنَّ عَدَمَ مُراعاتِهِمْ حَقَّ الحِلْفِ والعَهْدِ خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ، سَواءً كانُوا أقْوِياءَ أمْ مُسْتَضْعَفِينَ، وإنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ إيمانِهِمْ. والإلُّ والذِّمَّةُ تَقَدَّما قَرِيبًا.
* * *
صفحة ١٢٧
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ لِمُناسَبَةِ أنَّ إثْباتَ الِاعْتِداءِ العَظِيمِ لَهم نَشَأ عَنِ الحِقْدِ، الشَّيْءِ الَّذِي أضْمَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِشَيْءٍ إلّا لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]
والقَصْرُ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ في اعْتِدائِهِمْ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَظِيمٌ باطِنِيٌّ عَلى قَوْمٍ حالَفُوهم وعاهَدُوهم، ولَمْ يُلْحِقُوا بِهِمْ ضُرًّا مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ: هُمُ المُعْتَدُونَ لا أنْتُمْ لِأنَّهم بَدَءُوكم بِنَقْضِ العَهْدِ في قَضِيَّةِ خُزاعَةَ وبَنِي الدِّيلِ مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ مِمّا كانَ سَبَبًا في غَزْوَةِ الفَتْحِ.
9:11Page 188
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ تَفْرِيعُ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ لِتَعْقِيبِ الشِّدَّةِ بِاللِّينِ إنْ هم أقْلَعُوا عَنْ عَداوَةِ المُسْلِمِينَ بِأنْ دَخَلُوا في الإسْلامِ لِقَصْدِ مَحْوِ أثَرِ الحَنَقِ عَلَيْهِمْ إذا هم أسْلَمُوا. أعْقَبَ بِهِ جُمْلَةَ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] إلى قَوْلِهِ: ”المُعْتَدُونَ“ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ تَدارُكَهم أمْرَهم هَيِّنٌ عَلَيْهِمْ. وفَرَّعَ عَلى التَّوْبَةِ أنَّهم يَصِيرُونَ إخْوانًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِذِكْرِ عَداوَتِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ جُعِلَتْ تَوْبَتُهم سَبَبًا لِلْأُخُوَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بِخِلافِ مَقامِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] حَيْثُ إنَّ المُعَقَّبَ بِالتَّوْبَةِ هُنالِكَ هو الأمْرُ بِقِتالِهِمْ والتَّرَصُّدِ لَهم، فَناسَبَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى تَوْبَتِهِمْ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهم بِسُوءٍ. وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ تَوْبَتَهم تُوجِبُ أمْنَهم وأُخُوَّتَهم.
ومِن لَطائِفِ الآيَتَيْنِ أنْ جُعِلَتِ الأُخُوَّةُ مَذْكُورَةً ثانِيًا لِأنَّها أخَصُّ الفائِدَتَيْنِ مِن تَوْبَتِهِمْ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأُخْتِها في أصْلِ الحُكْمِ.
وقَوْلُهُ: ”فَإخْوانُكم“ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: فَهم إخْوانُكم. وصِيغَ هَذا الخَبَرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيمانَهم يَقْتَضِي ثَباتَ الأُخُوَّةِ ودَوامَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم يَعُودُونَ كالمُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ مِن قَبْلُ في أصْلِ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ.
صفحة ١٢٨
والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُطْلِقَتِ الأُخُوَّةُ هُنا عَلى المَوَدَّةِ والصَّداقَةِ.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي الدِّينِ﴾ مَجازِيَّةٌ: تَشْبِيهًا لِلْمُلابَسَةِ القَوِيَّةِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ زِيادَةً في الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِنَ الإسْلامِ وأنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
* * *
﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] أنَّهُ تَضَمَّنَ أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا بِآياتِ اللَّهِ ونَبَذُوها عَلى عِلْمٍ بِصِحَّتِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] وبِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن فَرْضِ تَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ إذا أقْلَعُوا عَنْ إيثارِ الفَسادِ عَلى الصَّلاحِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ جامِعًا لِلْحالَيْنِ، دالًّا عَلى أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] آياتٌ واضِحَةٌ مُفَصَّلَةٌ، وأنَّ عَدَمَ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ بِها لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيها ولَكِنَّها إنَّما يَهْتَدِي بِها قَوْمٌ يَعْلَمُونَ، فَإنْ آمَنُوا فَقَدْ كانُوا مِن قَوْمٍ يَعْلَمُونَ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنِ اشْتَرَوْا بِها ثَمَنًا قَلِيلًا فَلَيْسُوا مِن قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فَنُزِّلَ عِلْمُهم حِينَئِذٍ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِانْعِدامِ أثَرِ العِلْمِ، وهو العَمَلُ بِالعِلْمِ، وفِيهِ نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِمُساواتِهِمْ لِغَيْرِ أهْلِ العُقُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ إذْ أُرِيدَ بِهِ: لِقَوْمٍ ذَوِي عِلْمٍ وعَقْلٍ.
وعُطِفَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ لِأنَّهُ بِهِ أعْلَقُ؛ لِأنَّهم إنْ تابُوا فَقَدْ صارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَصارُوا مِن قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، إذْ ساوَوُا المُسْلِمِينَ في الِاهْتِداءِ بِالآياتِ المُفَصَّلَةِ.
ومَعْنى التَّفْصِيلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
9:12Page 188
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢
And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.
صفحة ١٢٩
﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أيِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾
لَمّا اسْتَوْفى البَيانَ لِأصْنافِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِالبَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِإبْطانِهِمُ الغَدْرَ، والَّذِينَ أمَرَ بِإتْمامِ عَهْدِهِمْ إلى مُدَّتِهِمْ ما اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ [التوبة: ٤] الآياتِ، والَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ عَطَفَ عَلى أُولَئِكَ بَيانَ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ بِنَكْثِ العَهْدِ، ويُعْلِنُونَ بِما يُسْخِطُ المُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا حالٌ مُضادٌّ لِحالِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٨]
والنَّكْثُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] في الأعْرافِ.
وعَبَّرَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ بِنَكْثِ الأيْمانِ تَشْنِيعًا لِلنَّكْثِ؛ لِأنَّ العَهْدَ كانَ يُقارِنُهُ اليَمِينُ عَلى الوَفاءِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ العَهْدُ حِلْفًا.
وزِيدَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ زِيادَةً في تَسْجِيلِ شَناعَةِ نَكْثِهِمْ: بِتَذْكِيرِ أنَّهُ غَدْرٌ لِعَهْدٍ، وحَنْثٌ بِاليَمِينِ.
والطَّعْنُ حَقِيقَتُهُ خَرْقُ الجِسْمِ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ كالرُّمْحِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى الثَّلْبِ. والنِّسْبَةُ إلى النَّقْصِ، بِتَشْبِيهِ عِرْضِ المَرْءِ، الَّذِي كانَ مُلْتَئِمًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، بِالجَسَدِ السَّلِيمِ. فَإذا أُظْهِرَتْ نَقائِصُهُ بِالثَّلْبِ والشَّتْمِ شُبِّهَ بِالجِلْدِ الَّذِي أُفْسِدَ التِحامُهُ.
والأمْرُ، هُنا: لِلْوُجُوبِ، وهي حالَةٌ مِن أحْوالِ الإذْنِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَفي هَذِهِ الحالَةِ يَجِبُ قِتالُهم ذَبًّا عَنْ حُرْمَةِ الدِّينِ، وقَمْعًا لِشَرِّهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يَتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ.
وأئِمَّةٌ جَمْعُ إمامٍ، وهو ما يُجْعَلُ قُدْوَةً في عَمَلٍ يُعْمَلُ عَلى مِثالِهِ، أوْ عَلى مِثالِ عَمَلِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ [القصص: ٥] أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ، وقالَ لَبِيدٌ:
ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها
صفحة ١٣٠
والإمامُ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ عَلى شَكْلِهِ، أوْ قَدْرِهِ، مَصْنُوعٌ، فَأئِمَّةُ الكُفْرِ، هُنا: الَّذِينَ بَلَغُوا الغايَةَ فِيهِ، بِحَيْثُ صارُوا قُدْوَةً لِأهْلِ الكُفْرِ.
والمُرادُ بِأئِمَّةِ الكُفْرِ: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ، فَوُضِعَ هَذا الِاسْمُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ حِينَ لَمْ يُقَلْ: فَقاتِلُوهم، لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِبُلُوغِهِمْ هَذِهِ المَنزِلَةَ مِنَ الكُفْرِ، وهي أنَّهم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ أضْمَرُوا النَّكْثَ يَبْقُونَ مُتَرَدِّدِينَ بِإظْهارِهِ، فَإذا ابْتَدَأ بَعْضُهم بِإظْهارِ النَّقْضِ اقْتَدى بِهِمُ الباقُونَ، فَكانَ النّاقِضُونَ أئِمَّةً لِلْباقِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِقِتالِهِمْ بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ لِأجْلِ اسْتِخْفافِهِمْ بِالأيْمانِ الَّتِي حَلَفُوها عَلى السَّلْمِ، فَغَدَرُوا. وفِيهِ بَيانٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَيْلا يَشْرَعُوا في قِتالِهِمْ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى حِكْمَةِ الأمْرِ بِهِ، فَيَكُونُ قِتالُهم لِمُجَرَّدِ الِامْتِثالِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلا يَكُونُ لَهم مِنَ الغَيْظِ عَلى المُشْرِكِينَ ما يُشَحِّذُ شِدَّتَهم عَلَيْهِمْ.
ونَفْيُ الأيْمانِ لَهم: نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ الحَقِّ لِلْيَمِينِ، وهي قَصْدُ تَعْظِيمِهِ والوَفاءِ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُوفُوا بِأيْمانِهِمْ، نَزَلَتْ أيْمانُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ لِفُقْدانِ أخَصِّ أخَواصِّها وهو العَمَلُ بِما اقْتَضَتْهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ. أيِّمَةَ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِمَدٍّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أيْمانَ عَلى أنَّهُ جَمَعُ يَمِينٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أيْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، ومَن لا إيمانَ لَهُ لا عَهْدَ لَهُ لِانْتِفاءِ الوازِعِ.
وعَطْفُ ﴿وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ عَطْفُ قَسِيمٍ عَلى قَسِيمِهِ، فالواوُ فِيهِ بِمَعْنى أوْ. فَإنَّهُ إذا حَصَلَ أحَدُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ: الَّذَيْنِ هُما نَكْثُ الأيْمانِ، والطَّعْنُ في الدِّينِ، كانَ حُصُولُ أحَدِهِما مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ، أيْ دُونَ مُصالَحَةٍ، ولا عَهْدٍ، ولا هُدْنَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
وذِكْرُ طَعْنِهِمْ في دِينِ المُسْلِمِينَ يُنْبِئُ بَأنَّ ذَلِكَ الطَّعْنَ كانَ مِن دَأْبِهِمْ في مُدَّةِ المُعاهَدَةِ، فَأُرِيدَ صَدُّهم عَنِ العَوْدِ إلَيْهِ. ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّهُ كانَ مَشْرُوطًا عَلى المُشْرِكِينَ
صفحة ١٣١
فِي عُقُودِ المُصالَحَةِ والمُعاهَدَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَطْعَنُوا في الإسْلامِ، في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ هَذا شَرْطًا عَلَيْهِمْ مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ أصْبَحُوا في قُوَّةٍ.
وقَوْلُهُ: (﴿فَقاتِلُوا أيمَّةَ الكُفْرِ﴾) أمْرٌ لِلْوُجُوبِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ (﴿فَقاتِلُوا أيمَّةَ الكُفْرِ﴾) أيْ قِتالَهم لِرَجاءِ أنْ يَنْتَهُوا، وظاهِرٌ أنَّ القِتالَ يُفْنِي كَثِيرًا مِنهم، فالِانْتِهاءُ المَرْجُوُّ انْتِهاءُ الباقِينَ أحْياءً بَعْدَ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها.
ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ يَنْتَهُونَ ولا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِانْتِهاءُ عَنْ نَكْثِ العَهْدِ؛ لِأنَّ عَهْدَهم لا يُقْبَلُ بَعْدَ أنْ نَكَثُوا لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾، ولا أنْ يَكُونَ الِانْتِهاءُ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ طَعْنُهم في دِينِنا حاصِلًا في مُدَّةِ قِتالِهِمْ فَلا جَدْوى لِرَجاءِ انْتِهائِهِمْ عَنْهُ، وإنْ كانَ بَعْدَ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إذْ لا غايَةَ لِتَنْهِيَةِ القَتْلِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ: لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ عَنِ الكُفْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لا اتِّصالَ لَها بِجُمْلَةِ ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الآيَةَ، بَلْ ناشِئَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ١١] إلى قَوْلِهِ: (﴿أيِمَّةَ الكُفْرِ﴾)
والمَعْنى: المَرْجُوُّ أنَّهم يَنْتَهُونَ عَنِ الشِّرْكِ ويُسْلِمُونَ، وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وبَعْدَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَمْ يَقَعْ نَكْثٌ بَعْدَ ذَلِكَ، ودَخَلَ المُشْرِكُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا في سَنَةِ الوُفُودِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences