Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:1–5

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الشورى

Ash-Shuraa

The Consultation · Meccan · 53 ayahs

42:1–2Page 483

حمٓ ١

Ḥā, Meem.

عٓسٓقٓ ٢

ʿAyn, Seen, Qāf.1

صفحة ٢٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الشُّورى

اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَتُها عِنْدَ السَّلَفِ ﴿حم عسق﴾، وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في عِدَّةٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ.

وتُسَمّى سُورَةَ الشُّورى بِالألِفِ واللّامِ كَما قالُوا سُورَةَ المُؤْمِنِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ، ورُبَّما قالُوا سُورَةَ شُورى بِدُونِ ألْفٍ ولامٍ حِكايَةً لِلَفْظِ القُرْآنِ.

وتُسَمّى سُورَةَ عسق بِدُونِ لَفْظِ حم لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ.

ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذاتِ الِاسْمَيْنِ فَأكْثَرَ. ولَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ شَيْءٌ في تَسْمِيَتِها.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الحَسَنُ بْنُ الحَصّارِ في كِتابِهِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ كَما عَزاهُ إلَيْهِ في الإتْقانِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ أرْبَعِ آياتٍ أُولاها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ الآياتِ.

وعَنْ مُقاتِلٍ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ وهي داخِلَةٌ في

صفحة ٢٤

الآياتِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ الفُرْسِ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] الآيَةَ، نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وفِيهِ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.

نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَهْفِ وقَبْلَ سُورَةِ إبْراهِيمَ وعُدَّتِ التّاسِعَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ الجَعْبَرِيِّ المَرْوِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وإذا صَحَّ أنَّ آيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] نَزَلَتْ في انْحِباسِ المَطَرِ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ كَما قالَ مُقاتِلٌ تَكُونُ السُّورَةُ نَزَلَتْ في حُدُودِ سَنَةِ ثَمانٍ بَعْدَ البَعْثَةِ، ولَعَلَّ نُزُولَها اسْتَمَرَّ إلى سَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ أنْ آمَنَ نُقَباءُ الأنْصارِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أُرِيدَ بِهِ الأنْصارُ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ.

وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ خَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَلاثًا وخَمْسِينَ.

* * *

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ

أوَّلُ أغْراضِها الإشارَةُ إلى تَحَدِّي الطّاعِنِينَ في أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِهِ، فَهَذا التَّحَدِّي لا تَخْلُو عَنْهُ السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالحُرُوفِ الهِجائِيَّةِ المُقَطَّعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلى المُعانِدِينَ بِأنَّ الوَحْيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما هو إلّا كالوَحْيِ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها بِيَوْمِ الحِسابِ.

وأنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لا تُعارَضُ قُدْرَتُهُ ولا يُشَكُّ في حِكْمَتِهِ، وقَدْ خَضَعَتْ لَهُ العَوالِمُ العُلْيا ومَن فِيها وهو فاطِرُ المَخْلُوقاتِ، فَهو يَجْتَبِي مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ فَلا بِدْعَ أنْ يُشَرِّعَ لِلْأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الدِّينِ مِثْلَ ما شَرَّعَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وما أرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إلّا مِنَ البَشَرِ يُوحِي إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْبِقْ أنْ أرْسَلَ مَلائِكَةً لِمُخاطَبَةِ عُمُومِ النّاسِ مُباشَرَةً.

صفحة ٢٥

وأنَّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لا حُجَّةَ لَهم إلّا تَقْلِيدُ أئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُمُ الإشْراكَ وألْقَوْا إلَيْهِمُ الشُّبُهاتِ.

وحَذَّرَهم يَوْمَ الجَزاءِ واقْتِرابَ السّاعَةِ وما سَيَلْقى المُشْرِكُونَ يَوْمَ الحِسابِ مِنَ العَذابِ مَعَ إدْماجِ التَّعْرِيضِ بِالتَّرْغِيبِ فِيما سَيَلْقاهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكَرامَةِ، وأنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا لَعَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَأْتِي عَنِ اللَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّهُ عَلى أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.

وذَكَرَتْ دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ وما هو مِن تِلْكَ الآياتِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ، مِثْلَ دَلِيلِ السَّيْرِ في البَحْرِ وما أُوتِيَهُ النّاسُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.

وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ هو مُتَوَلِّي جَزاءِ المُكَذِّبِينَ وما عَلى الرَّسُولِ ﷺ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ فَما عَلَيْهِ إلّا الِاسْتِمْرارُ عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ القَوِيمِ. ونَبَّهَهم إلى أنَّهُ لا يَبْتَغِي مِنهم جَزاءً عَلى نُصْحِهِ لَهم وإنَّما يَبْتَغِي أنْ يُراعُوا أواصِرَ القَرابَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

وذَكَّرَهم نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وحَذَّرَهم مِنَ التَّسَبُّبِ في قَطْعِها بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، وحَرَّضَهم عَلى السَّعْيِ في أسْبابِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ والمُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ قَبْلَ الفَواتِ، فَقَدْ فازَ المُؤْمِنُونَ المُتَوَكِّلُونَ، ونَوَّهَ بِجَلايِلِ أعْمالِهِمْ وتَجَنُّبِهِمُ التَّعَرُّضَ لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن آياتِ انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّصَرُّفِ المُقْتَضِي انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ إبْطالًا لِلشِّرْكِ.

وخَتَمَها بِتَجَدُّدِ المُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ جاءَهم بِهُدًى عَظِيمٍ مِنَ الدِّينِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَصَدّى لِذَلِكَ في سابِقِ عُمُرِهِ وذَلِكَ أكْبَرُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ ما جاءَ بِهِ أمْرٌ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِهِ فَمَنِ اهْتَدى بِهَدْيِهِ فَقَدْ وافَقَ مُرادَ اللَّهِ.

وخَتَمَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ تَتَضَمَّنُ التَّفْوِيضَ إلى اللَّهِ وانْتِظارَ حُكْمِهِ وهي كَلِمَةُ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ.

* * *

صفحة ٢٦

﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ .

ابْتُدِئَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ عَلى نَحْوِ ما ابْتُدِئَتْ بِهِ أمْثالُها مِثْلَ أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ ابْتِداءَها مُشِيرٌ إلى التَّحَدِّي بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ وأنَّ عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وخُصَّتْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (﴿عسق﴾) عَلى أوائِلِ السُّوَرِ مِن (آلِ حم) ولَعَلَّ ذَلِكَ لِحالٍ كانُوا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الطَّعْنِ في القُرْآنِ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّحَدِّي لَهم بِالمُعارَضَةِ أشَدَّ فَزِيدَ في تَحَدِّيهِمْ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي.

وإنَّما لَمْ تُوصَلِ المِيمُ بِالعَيْنِ كَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالرّاءِ في طالِعَةِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وكَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ الأعْرافِ، وكَما وُصِلَتِ العَيْنُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ المِيمِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ حَرْفٌ واحِدٌ فاتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أوْلى بِخِلافِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ تُشْبِهُ كَلِمَةً فَكانَتْ أوْلى بِالِانْفِصالِ.

42:3Page 483

كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

Thus has He revealed to you, [O Muḥammad], and to those before you - Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

مُوقِعُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: مِثْلَ هَذا الوَحْيِ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ، فالمُشارُ إلَيْهِ: الإيحاءُ المَأْخُوذُ مِن فِعْلِ (يُوحِي) .

وأمّا وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ فَإدْماجٌ. والتَّشْبِيهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى أصْلِهِ، أيْ مِثْلَ وحْيِهِ إلَيْكَ وحْيُهُ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، فالتَّشْبِيهُ مُسْتَعْمَلٌ في كِلْتا طَرِيقَتَيْهِ كَما يُسْتَعْمَلُ المُشْتَرَكُ في مَعْنَيَيْهِ. والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ إثْباتُ التَّسْوِيَةِ، أيْ لَيْسَ وحْيُ اللَّهِ إلَيْكَ إلّا عَلى سُنَّةِ وحْيِهِ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، فَلَيْسَ وحْيُهُ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ بِأوْضَحَ مِن وحْيِهِ إلَيْكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، أيْ ما جاءَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ إنْ هو إلّا مِثْلُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ السّابِقُونَ، فَما إعْراضُ قَوْمِهِ عَنْهُ إلّا كَإعْراضِ الأُمَمِ السّالِفَةِ عَمّا جاءَتْ بِهِ

صفحة ٢٧

رُسُلُهم. فَحَصَلَ هَذا المَعْنى الثّانِي بِغايَةِ الإيجازِ مَعَ حُسْنِ مَوْقِعِ الِاسْتِطْرادِ.

وإجْراءُ وصْفَيِ (العَزِيزِ الحَكِيمِ) عَلى اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ غَيْرِهِما لِأنَّ لِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مَزِيدًا مِنِ اخْتِصاصٍ بِالغَرَضِ المَقْصُودِ مِن أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ.

فَـالعَزِيزُ المُتَصَرِّفُ بِما يُرِيدُ لا يَصُدُّهُ أحَدٌ. و(الحَكِيمُ) يُحَمِّلُ كَلامَهُ مَعانِيَ لا يَبْلُغُ إلى مِثْلِها غَيْرُهُ، وهَذا مِن مُتَمِّماتِ الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ وهو الإشارَةُ إلى تَحَدِّي المُعانِدِينَ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ إلى آخِرِها ابْتِدائِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ (كَذَلِكَ) عَلى (﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾) لِلِاهْتِمامِ بِالمُشارِ إلَيْهِ والتَّشْوِيقِ بِتَنْبِيهِ الأذْهانِ إلَيْهِ، وإذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في الكَلامِ ما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ بِـ (كَذَلِكَ) عُلِمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وهو المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِنَ الفِعْلِ، أيْ كَذَلِكَ الإيحاءِ يُوحِي إلَيْكَ اللَّهُ. وهَذا اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في نَظائِرِ هَذا التَّرْكِيبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأحْسَبُ أنَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ؛ إذْ لَمْ أقِفْ عَلى مِثْلِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.

وما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَنْظِيرِهِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:

كَذَلِكَ خَيْمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خَيْمُ

لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ بَيْتَ زُهَيْرٍ مَسْبُوقٌ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ، وقَدْ فاتَنِي التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ فَعَلَيْكَ بِضَمِّ ما هُنا إلى ما هُنالِكَ.

والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يُوحِي) أيْ إيحاءً كَذَلِكَ الإيحاءِ العَجِيبِ.

والعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الماضِي إلى صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (يُوحِي) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيحاءَهُ إلَيْهِ مُتَجَدِّدٌ لا يَنْقَطِعُ في مُدَّةِ حَياتِهِ الشَّرِيفَةِ لِيَيْأسَ المُشْرِكُونَ مِن إقْلاعِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] إذْ لا غَرَضَ في إفادَةِ مَعْنى التَّجَدُّدِ هُناكَ. وأمّا مُراعاةُ التَّجَدُّدِ هُنا

صفحة ٢٨

فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ هو ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْلَهُ: إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ إدْماجٌ.

ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ صِيغَةَ المُضارِعِ مَنظُورًا فِيها إلى مُتَعَلِّقَيِ الإيحاءِ وهو إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، فَتَجْعَلَ المُضارِعَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ مِنَ الإيحاءِ إلى الرُّسُلِ حَيْثُ اسْتَبْعَدَ المُشْرِكُونَ وُقُوعَهُ فَجُعِلَ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: اللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا وقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ واسْمُ الجَلالَةِ فاعِلٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (يُوحى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ (إلَيْكَ) نائِبُ فاعِلٍ، فَيَكُونُ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ لَمّا قالَ: يُوحى إلَيْكَ، قِيلَ: ومَن يُوحِيهِ، فَقِيلَ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، أيْ يُوحِيهِ اللَّهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ ضِرارِ بْنِ نَهْشَلٍ أوِ الحارِثِ بْنِ نَهِيكٍ:

لَيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

إذْ كانَتْ رِوايَةُ البَيْتِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.

42:4Page 483

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤

To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and He is the Most High, the Most Great.1

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهْوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾

جُمْلَةُ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مُقَرِّرَةٌ لِوَصْفِهِ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) لِأنَّ مَن كانَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مُلْكًا لَهُ تَتَحَقَّقُ لَهُ العِزَّةُ لِقُوَّةِ مَلَكُوتِهِ، وتَتَحَقَّقُ لَهُ الحِكْمَةُ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي خَلْقَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وإتْقانَ ذَلِكَ النِّظامِ الَّذِي تَسِيرُ بِهِ المَخْلُوقاتُ.

ولِكَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُقَرِّرَةً مَعْنى الَّتِي قَبْلَها كانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ فَلَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها.

صفحة ٢٩

وجُمْلَةُ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ عَطْفٌ عَلَيْها مُقَرِّرَةٌ لِما قَرَّرَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلَها فَإنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَلاءِ والعَظَمَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزِيزًا لَتَخَلَّفَ عَلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ، ولا يَكُونُ إلّا حَكِيمًا لَأنَّ عَلاءَهُ يَقْتَضِي سُمُوَّهُ عَنْ سَفاسِفِ الصِّفاتِ والأفْعالِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَظِيمًا لَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِسَفاسِفِ الأُمُورِ ولَتَنازَلَ إلى عَبَثِ الفِعالِ.

والعُلُوُّ هُنا عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو السُّمُوُّ في الكَمالِ بِحَيْثُ كانَ أكْمَلَ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ كامِلٍ. والعَظَمَةُ مَجازِيَّةٌ وهي جَلالَةُ الصِّفاتِ والأفْعالِ.

وأفادَتْ صِيغَةُ الجُمْلَةِ مَعْنى القَصْرِ، أيْ لا عَلِيَّ ولا عَظِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّ مَن عَداهُ لا يَخْلُو عَنِ افْتِقارٍ إلَيْهِ فَلا عُلُوَّ لَهُ ولا عَظَمَةَ. وهَذا قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ آلِهَتِكم فَلا عُلُوَّ لَها كَما تَزْعُمُونَ. قالَ أبُو سُفْيانَ: (اعْلُ هُبَلُ) .

وتَقَدَّمَ مَعْنى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في خِلالِ آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

42:5Page 483

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥

The heavens almost break from above them,1 and the angels exalt [Allāh] with praise of their Lord and ask forgiveness for those on earth. Unquestionably, it is Allāh who is the Forgiving, the Merciful.

( ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها، أيْ يَكادُ السَّماواتُ عَلى عَظَمَتِهِنَّ يَتَشَقَّقْنَ مِن شِدَّةِ تَسَخُّرِهِنَّ فِيما يُسَخِّرُهُنَّ اللَّهُ لَهُ مِن عَمَلٍ لا يُخالِفُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُنَّ، وأيْضًا قَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن كَثْرَةِ ما فِيهِنَّ مِنَ المَلائِكَةِ والكَواكِبِ وتَصارِيفِ الأقْدارِ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أطَّتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَئِطَّ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا فِيهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ» ويُرَجِّحُهُ تَعْقِيبُهُ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ كَما سَيَأْتِي.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ والكِسائِيُّ (يَكادُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَوْقِيَّةٍ وهُما وجْهانِ جائِزانِ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى جَمْعٍ غَيْرِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وخاصَّةً مَعَ عَدَمِ التَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ: (﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠]) .

صفحة ٣٠

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَتَفَطَّرْنَ بِتَحْتِيَّةٍ ثُمَّ فَوْقِيَّةٌ وأصْلُهُ مُضارِعُ التَّفَطُّرِ، وهو مُطاوِعُ التَّفْطِيرِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ الشَّقِّ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِتَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونٍ وهو مُضارِعُ: انْفَطَرَ، مُطاوِعُ الفَطْرِ مَصْدَرِ فَطَرَ الثُّلاثِيِّ، إذا شَقَّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ عَلى القِراءَتَيْنِ قَبُولَ أثَرِ الفاعِلِ؛ إذْ لا فاعِلَ هُنا لِلشَّقِّ وإنَّما المَقْصُودُ الخَبَرُ بِحُصُولِ الفِعْلِ، وهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمُ: انْشَقَّ ضَوْءُ الفَجْرِ، فَلا التِفاتَ هُنا لِما يُقْصَدُ غالِبًا في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِن تَكْرِيرِ الفِعْلِ إذْ لا فاعِلَ لِلشَّقِّ هُنا ولا لِتَكَرُّرِهِ، فاسْتَوَتِ القِراءَتانِ في بابِ البَلاغَةِ، عَلى أنَّ اسْتِعْمالَ صِيَغِ المُطاوَعَةِ في اللُّغَةِ ذُو أنْحاءَ كَثِيرَةٍ واعْتِباراتٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ كَلامُ الرَّضِيِّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ فَوْقِهِنَّ عائِدًا عَلى السَّماواتِ، فَيَكُونَ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ يَتَفَطَّرْنَ بِمَعْنى: أنَّ انْشِقاقَهُنَّ يَحْصُلُ مِن أعْلاهُنَّ، وذَلِكَ أبْلَغُ الِانْشِقاقِ لِأنَّهُ إذا انْشَقَّ أعْلاهُنَّ كانَ انْشِقاقُ ما دُونَهُ أوْلى، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الحَجِّ. وتَكُونُ (مِن) ابْتِدائِيَّةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأرْضِ مِن قَوْلِهِ تَعالى وما في الأرْضِ عَلى تَأْوِيلِ الأرْضِ بِأرَضِينَ بِاعْتِبارِ أجْزاءِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ أوْ بِتَأْوِيلِ الأرْضِ بِسُكّانِها مِن بابِ واسْألِ القَرْيَةَ.

وتَكُونُ (مِن) زائِدَةً زِيادَتَها مَعَ الظُّرُوفِ لِتَأْكِيدِ الفَوْقِيَّةِ، فَيُفِيدُ الظَّرْفُ اسْتِحْضارَ حالَةِ التَّفَطُّرِ وحالَةِ مَوْقِعِهِ، وقَدْ شُبِّهَ انْشِقاقُ السَّماءِ بِانْشِقاقِ الوَرْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] . والوَرْدَةُ تَنْشَقُّ مِن أعْلاها حِينَ يَنْفَتِحُ بِرْعُومُها فَيُوشِكُ إنْ هُنَّ تَفَطَّرْنَ أنْ يَخْرِرْنَ عَلى الأرْضِ، أيْ يَكادُ يَقَعُ ذَلِكَ لِما فَشا في الأرْضِ مِن إشْراكٍ وفَسادٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) ويُرَجِّحُهُ قَوْلُهُ الآتِي ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.

صفحة ٣١

* * *

﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جُمْلَةٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾) لِإفادَتِها تَقْرِيرَ مَعْنى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بَقَوْلِهِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ.

مَرْتَبَةُ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وهو أهْلُ التَّنْزِيهِ والحَمْدِ. ومَرْتَبَةُ الرَّوْحانِيّاتِ وهي المَلائِكَةُ وهي واسِطَةُ المُتَصَرِّفِ القَدِيرِ ومُفِيضِ الخَيْرِ في تَنْفِيذِ أمْرِهِ مِن تَكْوِينٍ وهُدًى وإفاضَةِ خَيْرٍ عَلى النّاسِ، فَهي حِينُ تَتَلَقّى مِنَ اللَّهِ أوامِرَهُ تُسَبِّحُهُ وتَحْمَدُهُ، وحِينَ تَفِيضُ خَيْراتُ رَبِّها عَلى عِبادِهِ تَسْتَغْفِرُ لِلَّذِينِ يَتَقَبَّلُونَها تَقَبُّلَ العَبِيدِ المُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى حُصُولِ ثَمَراتِ إبْلاغِها، وذَلِكَ بِتَأْثِيرِها في نَظْمِ أحْوالِ العالَمِ الإنْسانِيِّ.

ومَرْتَبَةُ البَشَرِيَّةِ المُفَضَّلَةِ بِالعَقْلِ إذْ أكْمَلُهُ الإيمانُ وهي المُرادُ بِـ (مَن في الأرْضِ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском