Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الكوثر
Al-Kawthar
The Abundance · Meccan · 3 ayahs
108:1–2Page 602
إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ ١
Indeed, We have granted you, [O Muḥammad], al-Kawthar.
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ٢
So pray to your Lord and offer sacrifice [to Him alone].
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾
افْتَتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَسْتَتْبِعُ الإشْعارَ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ البِشارَةِ وإنْشاءِ العَطاءِ لا مَساقَ الإخْبارِ بِعَطاءٍ سابِقٍ.
وضَمِيرُ العَظَمَةِ مُشْعِرٌ بِالِامْتِنانِ بِعَطاءٍ عَظِيمٍ.
والكَوْثَرُ: اسْمٌ في اللُّغَةِ لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ صِيغَ عَلى زِنَةِ فَوْعَلٍ، وهي مِن صِيَغِ
صفحة ٥٧٣
الأسْماءِ الجامِدَةِ غالِبًا نَحْوَ الكَوْكَبِ، والجَوْرَبِ، والحَوْشَبِ والدَّوْسَرِ، ولا تَدُلُّ في الجَوامِدِ عَلى غَيْرِ مُسَمّاها، ولَمّا وقَعَ هُنا فِيها مادَّةُ الكُثْرِ كانَتْ صِيغَتُهُ مُفِيدَةً شِدَّةَ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُفْرِطِ في الكَثْرَةِ، وهو أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ وأضْبَطُهُ، ونَظِيرُهُ: جَوْهَرٌ، بِمَعْنى الشُّجاعِ كَأنَّهُ يُجاهِرُ عَدُوَّهُ، والصَّوْمَعَةُ لِاشْتِقاقِها مِن وصْفِ أصْمَعَ وهو دَقِيقُ الأعْضاءِ؛ لِأنَّ الصَّوْمَعَةَ دَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ طُولَها أفْرَطُ مِن غِلَظِها.
ويُوصَفُ الرَّجُلُ صاحِبُ الخَيْرِ الكَثِيرِ بِكَوْثَرٍ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ في رِثاءِ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الأسَدِيِّ:
وصاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنا بِفَقْدِهِ وعِنْدَ الرِّداعِ بَيْتُ آخَرَ كَوْثَرُ
(مَلْحُوبٍ والرُّداعِ) كِلاهُما ماءٌ لِبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَوَصَفَ البَيْتَ بِالكَوْثَرِ، ولاحَظَ الكُمَيْثُ هَذا في قَوْلِهِ في مَدْحِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ:
وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقايِلِ كَوْثَرا
وسُمِّيَ نَهْرُ الجَنَّةِ كَوْثَرًا كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المُتَقَدَّمِ آنِفًا.
وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ الكَوْثَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَفاسِيرَ أعَمُّها أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: الكَوْثَرُ هُنا: النُّبُوءَةُ والكِتابُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو القُرْآنُ، وعَنِ المُغِيرَةِ: أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأُمَّةِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وأنَّهُ نُورُ القَلْبِ، وأنَّهُ الشَّفاعَةُ. وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ المَرْوِيُّ في حَدِيثِ أنَسٍ لا يَقْتَضِي حَصْرَ مَعانِي اللَّفْظِ فِيما ذَكَرَهُ.
وأُرِيدَ مِن هَذا الخَبَرِ بِشارَةُ النَّبِيءِ ﷺ وإزالَةُ ما عَسى أنْ يَكُونَ في خاطِرِهِ مِن قَوْلِ مَن قالَ فِيهِ: هو أبْتَرُ، فَقُوبِلَ مَعْنى الأبْتَرِ بِمَعْنى الكَوْثَرِ، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اعْتِراضٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ
صفحة ٥٧٤
عَلَيْها، فَإنَّ الصَّلاةَ أفْعالٌ وأقْوالٌ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ.
وناسَبَ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ بِالِازْدِيادِ مِمّا عاداهُ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ قالُوا مَقالَتَهُمُ الشَّنْعاءَ: إنَّهُ أبْتَرُ، فَإنَّ الصَّلاةَ لِلَّهِ شُكْرٌ لَهُ وإغاظَةٌ لِلَّذِينِ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] لِأنَّهم إنَّما نَهَوْهُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي لِوَجْهِ اللَّهِ دُونَ العِبادَةِ لِأصْنامِهِمْ، وكَذَلِكَ النَّحْرُ لِلَّهِ.
والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ دُونَ: فَصَلِّ لَنا، لِما في لَفْظِ الرَّبِّ مِنَ الإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِأجْلِ رُبُوبِيَّتِهِ فَضْلًا عَنْ فَرْطِ إنْعامِهِ.
وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ النَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيبِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرُبُّهُ ويَرْأفُ بِهِ.
ويَتَعَيَّنُ أنَّ في تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ مَعَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى أنْ أعْطاهُ الكَوْثَرَ - خُصُوصِيَّةً تُناسِبُ الغَرَضَ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الأمْرَ بِالنَّحْرِ مَعَ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ عَنِ البَيْتِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا، أيْ: قَدَّرَهُ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَإنَّهُ نَزَلَ في أمْرِ الحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفَتْحٌ هَذا ؟ قالَ: نَعَمْ.
وهَذا يَرْجِعُ إلى ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ هَدْيَهُ ويَنْصَرِفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأفادَتْ اللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِرَبِّكَ) أنَّهُ يَخُصُّ اللَّهَ في صَلاتِهِ فَلا يُصَلِّي لِغَيْرِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ لِلْأصْنامِ بِالسُّجُودِ لَها والطَّوافِ حَوْلَها.
وعَطْفُ (وانْحَرْ) عَلى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُتَعَلِّقِهِ مُماثِلًا لِمُتَعَلِّقِ
صفحة ٥٧٥
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أيْ: وأبْصِرْ بِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: وانْحَرْ لَهُ. وهو إيماءٌ إلى إبْطالِ نَحْرِ المُشْرِكِينَ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ، فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَلَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اقْتَرَبَ وقْتُ الحَجِّ وكانَ يَحُجُّ كُلَّ عامٍ قَبْلَ البَعْثَةِ وبَعْدَها وقَدْ تَرَدَّدَ في نَحْرِ هَداياهُ في الحَجِّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ، وهو يَوَدُّ أنْ يُطْعِمَ المَحاوِيجَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَحْضُرُ في المَوْسِمِ ويَتَحَرَّجُ مِن أنْ يُشارِكَ أهْلَ الشِّرْكِ في أعْمالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ لِلَّهِ ويُطْعِمَها المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يَمْنَعُكَ نَحْرُهم لِلْأصْنامِ أنْ تَنْحَرَ أنْتَ ناوِيًا بِما تَنْحَرُهُ أنَّهُ لِلَّهِ.
وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً وكانَ نُزُولُها قَبْلَ فَرْضِ الحَجِّ كانَ النَّحْرُ مُرادًا بِهِ الضَّحايا يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ صَلاةُ العِيدِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وقالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ.
وأخَذُوا مِن وُقُوعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ دَلالَةً عَلى أنَّ الضَّحِيَّةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ بِالنَّحْرِ دُونَ الذَّبْحِ مَعَ أنَّ الضَّأْنَ أفْضَلُ في الضَّحايا وهي لا تُنْحَرُ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُضَحِّ إلّا بِالضَّأْنِ تَغْلِيبٌ لِلَفْظِ النَّحْرِ وهو الَّذِي رُوعِيَ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ الأضْحى يَوْمَ النَّحْرِ، ولِيَشْمَلَ الضَّحايا في البَدَنِ والهَدايا في الحَجِّ أوْ لِيَشْمَلَ الهَدايا الَّتِي عُطِّلَ إرْسالُها في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ويُرَشِّحُ إيثارَ النَّحْرِ رَعْيُ فاصِلَةِ الرّاءِ في السُّورَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أقْوالٌ أُخَرُ في تَفْسِيرِ (انْحَرْ) تَجْعَلُهُ لَفْظًا غَرِيبًا.
﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾
اسْتِئْنافٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِحَرْفِ (إنَّ) إذا لَمْ يَكُنْ لِرَدِّ الإنْكارِ، يَكْثُرُ أنْ يُفِيدَ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واشْتِمالُ الكَلامِ عَلى صِيغَةِ قَصْرٍ وعَلى ضَمِيرِ غائِبٍ وعَلى لَفْظِ الأبْتَرِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ
صفحة ٥٧٦
المَقْصُودَ بِهِ رَدُّ كَلامٍ صادِرٍ مِن مُعَيَّنٍ، وحِكايَةُ لَفْظٍ مُرادٍ بِالرَّدِّ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَّهْمِيَّ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَ بابِ بَنِي سَهْمٍ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ، وأُناسٌ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ، فَلَمّا دَخَلَ العاصِي عَلَيْهِمْ قالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تَتَحَدَّثُ مَعَهُ ؟ فَقالَ: ذَلِكَ الأبْتَرُ. وكانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ ماتَ ابْنُهُ القاسِمُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ، فانْقَطَعَ بِمَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ الذُّكُورُ مِن ولَدِهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وكانُوا يَصِفُونَ مَن لَيْسَ لَهُ ابْنٌ بِأبْتَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ»، فَحَصَلَ القَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ الأبْتَرِ عَلى المَوْصُوفِ، وهو شانِئُ النَّبِيءِ ﷺ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ: هو الأبْتَرُ لا أنْتَ.
والأبْتَرُ: حَقِيقَتُهُ المَقْطُوعُ بَعْضُهُ وغَلَبَ عَلى المَقْطُوعِ ذَنَبُهُ مِنَ الدَّوابِّ، ويُسْتَعارُ لِمَن نَقَصَ مِنهُ ما هو مِنَ الخَيْرِ في نَظَرِ النّاسِ تَشْبِيهًا بِالدّابَّةِ المَقْطُوعِ ذَنَبُها تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ كَما في الحَدِيثِ (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ)، يُقالُ: بَتَرَ شَيْئًا، إذا قَطَعَ بَعْضَهُ، وبَتِرَ بِالكَسْرِ كَفَرِحَ فَهو أبْتَرُ، ويُقالُ لِلَّذِي لا عَقِبَ لَهُ ذُكُورًا: هو أبْتَرُ، عَلى الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهٌ مُتَخَيَّلٌ بِمَحْسُوسٍ، شَبَّهُوهُ بِالدّابَّةِ المَقْطُوعِ ذَنَبُها؛ لِأنَّهُ قُطِعَ أثَرُهُ في تَخَيُّلِ أهْلِ العُرْفِ.
ومَعْنى الأبْتَرِ في الآيَةِ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. وهو رَدٌّ لِقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ أوْ غَيْرِهِ في حَقِّ النَّبِيءِ ﷺ، فَبِهَذا المَعْنى اسْتَقامَ وصْفُ العاصِي أوْ غَيْرِهِ بِالأبْتَرِ دُونَ المَعْنى الَّذِي عَناهُ هو، حَيْثُ لَمَزَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهُ أبْتَرُ، أيْ لا عَقِبَ لَهُ؛ لِأنَّ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ لَهُ عَقِبٌ فابْنُهُ عَمْرٌو الصَّحابِيُّ الجَلِيلُ، وابْنُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الصَّحابِيُّ الجَلِيلُ، ولِعَبْدِ اللَّهِ عَقِبٌ كَثِيرٌ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ في الجَمْهَرَةِ: عَقِبُهُ بِمَكَّةَ وبِالرَّهْطِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ اقْتَضَتْ صِيغَةُ القَصْرِ إثْباتَ صِفَةِ الأبْتَرِ لِشانِئِ النَّبِيءِ ﷺ ونَفْيَها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وهو الأبْتَرُ بِمَعْنى الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.
صفحة ٥٧٧
ولَكِنْ لَمّا كانَ وصْفُ الأبْتَرِ في الآيَةِ جِيءَ بِهِ لِمُحاكاةِ قَوْلِ القائِلِ مُحَمَّدٌ أبْتَرُ إبْطالًا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُرْفُهم في وصْفِ الأبْتَرِ أنَّهُ الَّذِي لاعَقِبَ لَهُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هَذا الإبْطالُ ضَرْبًا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وهو تَلَقِّي السّامِعِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأحَقَّ غَيْرُ ما عَناهُ مِن كَلامِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] . وذَلِكَ بِصَرْفِ مُرادِ القائِلِ عَنِ الأبْتَرِ الَّذِي هو عَدِيمُ الِابْنِ الذَّكَرِ إلى ما هو أجْدَرُ بِالِاعْتِبارِ وهو النّاقِصُ حَظَّ الخَيْرِ، أيْ: لَيْسَ يَنْقُصُ لِلْمَرْءِ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَعُودُ عَلى المَرْءِ بِنَقْصٍ في صِفاتِهِ وخَلائِقِهِ وعَقْلِهِ. وهَبْ أنَّهُ لَمْ يُولَدْ لَهُ البَتَّةَ، وإنَّما اصْطَلَحَ النّاسُ عَلى اعْتِبارِهِ نَقْصًا لِرَغْبَتِهِمْ في الوَلَدِ بِناءً عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أحْوالُهم الِاجْتِماعِيَّةُ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى الجُهُودِ البَدَنِيَّةِ، فَهم يَبْتَغُونَ الوَلَدَ الذُّكُورَ رَجاءَ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عِنْدَ الكِبَرِ، وذَلِكَ أمْرٌ قَدْ يَعْرِضُ وقَدْ لا يَعْرِضُ، أوْ لِمَحَبَّةِ ذِكْرِ المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ وذَلِكَ أمْرٌ وهْمِيٌّ، والنَّبِيءُ ﷺ قَدْ أغْناهُ اللَّهُ بِالقَناعَةِ وأعَزَّهُ بِالتَّأْيِيدِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ لَمْ يَجْعَلْ مِثْلَهُ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، فَتَمَحَّضَ أنَّ كَمالَهُ الذّاتِيَّ بِما عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِ، إذْ جَعَلَ فِيهِ رِسالَتَهُ، وأنَّ كَمالَهُ العَرَضِيَّ بِأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ، إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ.
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الِاسْتِخْدامِ التَّقْدِيرِيِّ؛ لِأنَّ سَوْقَ الإبْطالِ بِطَرِيقِ القَصْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ نَفْيُ وصْفِ الأبْتَرِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولَكِنْ بِمَعْنى غَيْرِ المَعْنى الَّذِي عَناهُ شانِئُهُ فَهو اسْتِخْدامٌ يَنْشَأُ مِن صِيغَةِ القَصْرِ بِناءً عَلى أنْ لَيْسَ الِاسْتِخْدامُ مُنْحَصِرًا في اسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ في غَيْرِ مَعْنى مُعادِهِ، عَلى ما حَقَّقَهُ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ سالِمٌ أبُو حاجِبٍ وجَعَلَهُ وجْهًا في واوِ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]؛ لِأنَّ العَطْفَ بِمَعْنى إعادَةِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وجاءَ المَلَكُ، وهو مَجِيءٌ مُغايِرٌ لِمَعْنى مَجِيءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: وقَدْ سَبَقَنا الخَفاجِيُّ إلى ذَلِكَ، إذْ أجْراهُ في حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ في طِرازِ المَجالِسِ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ الصّالِحِيِّ مِن شُعَراءِ الشّامِ:
وحَدِيثُ حُبِّي لَيْسَ بِال مَنسُوخِ إلّا في الدَّفاتِرِ
والشّانِئُ: المُبْغِضُ، وهو فاعِلٌ مِنَ الشَّناءَةِ وهي البُغْضُ، ويُقالُ فِيهِ: الشَّنَآنُ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مُبْغِضٍ لَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ فَكُلُّهم بُتْرٌ مِنَ الخَيْرِ ما دامَ فِيهِ شَنَآنٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَأمّا مَن أسْلَمُوا مِنهم فَقَدِ انْقَلَبَ بَعْضُهم مَحَبَّةً لَهُ واعْتِزازًا بِهِ.
* * *
صفحة ٥٧٨
صفحة ٥٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
عُنْوِنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ الَّتِي بِأيْدِينا قَدِيمِها وحَدِيثِها وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ الكافِرُونَ) بِإضافَةِ (سُورَةٍ) إلى (الكافِرُونَ) وثُبُوتِ واوِ الرَّفْعِ في (الكافِرُونَ) عَلى حِكايَةِ لَفْظِ القُرْآنِ الواقِعِ في أوَّلِها.
ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وحِرْزِ الأمانِيِّ (سُورَةُ الكافِرِينَ) بِياءِ الخَفْضِ في لَفْظِ (الكافِرِينَ) بِإضافَةِ (سُورَةٍ) إلَيْهِ أنَّ المُرادَ سُورَةُ ذِكْرِ الكافِرِينَ، أوْ نِداءِ الكافِرِينَ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]) .
قالَ في الكَشّافِ والإتْقانِ: وتُسَمّى هي وسُورَةُ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما تُقَشْقِشانِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ: تُبْرِئانِ مِنهُ. يُقالُ: قَشْقَشَ، إذا أزالَ المَرَضَ.
وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الإخْلاصِ فَيَكُونُ هَذانِ الِاسْمانِ مُشْتَرِكَيْنِ بَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) .
وقَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ بَراءَةَ أنَّ سُورَةَ بَراءَةَ تُسَمّى المُقَشْقِشَةَ لِأنَّها تُقَشْقِشُ، أيْ: تُبْرِئُ مِنَ النِّفاقِ فَيَكُونُ هَذا مُشْتَرِكًا بَيْنَ السُّوَرِ الثَّلاثِ فَيُحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ.
وقالَ سَعْدُ اللَّهِ المَعْرُوفُ بِسَعْدِيٍّ عَنْ جَمالٍ القَرّاءِ: إنَّها تُسَمّى سُورَةَ العِبادَةِ. وفي بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ لِلْفَيْرُوزَآبادِيِّ: تُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ في حِكايَةِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
صفحة ٥٨٠
وقَدْ عُدَّتِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الماعُونِ وقَبْلَ سُورَةِ الفِيلِ.
وعَدَدُ آياتِها سِتٌّ.
* * *
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما حَكاهُ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَطُوفُ في الكَعْبَةِ فاعْتَرَضَهُ الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ. وكانُوا ذَوِي أسْنانٍ في قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ سَنَةً، وتَعَبُدْ ما نَعْبُدُ سَنَةً، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في الأمْرِ، فَإنْ كانَ الَّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا نَعْبُدُ كُنّا قَدْ أخَذْنا بِحَظِّهِ مِنهُ، وإنْ كانَ ما نَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا تَعْبُدُ كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ كُلَّها، فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، فَيَئِسُوا مِنهُ عِنْدَ ذَلِكَ»، وإنَّما عَرَضُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم رَأوْا حِرْصَهُ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا، فَطَمِعُوا أنْ يَسْتَزِلُّوهُ إلى الِاعْتِرافِ بِإلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَيَئِسُوا مِنهُ وآذَوْهُ وآذَوْا أصْحابَهُ.
وبِهَذا يُعْلَمُ الغَرَضُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، وأنَّهُ تَأْيِيسُهم مِن أنْ يُوافِقَهم في شَيْءٍ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِالقَوْلِ الفَصْلِ المُؤَكَّدِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأنَّ دِينَ الإسْلامِ لا يُخالِطُ شَيْئًا مِن دِينِ الشِّرْكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences