Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

صفحة ٢٤٩

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ ونِدائِهِ بِوَصْفِهِ مُؤَذِنٌ بِأنَّ الأهَمَّ مِن سَوْقِ هَذِهِ السُّورَةِ يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ .

وقَدْ نُودِيَ فِيها خَمْسَ مَرّاتٍ في افْتِتاحِ أغْراضٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ التَّشْرِيعِ بَعْضُها خاصٌّ بِهِ وبَعْضُها يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ولَهُ مُلابَسَةٌ بِهِ.

فالنِّداءُ الأوَّلُ لِافْتِتاحِ غَرَضِ تَحْدِيدِ واجِباتِ رِسالَتِهِ نَحْوَ رَبِّهِ.

والنِّداءُ الثّانِي لِافْتِتاحِ غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِمَقامِ أزْواجِهِ واقْتِرابِهِ مِن مَقامِهِ.

والنِّداءُ الثّالِثُ لِافْتِتاحِ بَيانِ تَحْدِيدِ تَقَلُّباتِ شُئُونِ رِسالَتِهِ في مُعامَلَةِ الأُمَّةِ.

والنِّداءُ الرّابِعُ في طالِعَةِ غَرَضِ أحْكامِ تَزَوُّجِهِ وسِيرَتِهِ مَعَ نِسائِهِ.

والنِّداءُ الخامِسُ في غَرَضِ تَبْلِيغِهِ آدابَ النِّساءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ومِنَ المُؤْمِناتِ.

فَهَذا النِّداءُ الأوَّلُ افْتُتِحَ بِهِ الغَرَضُ الأصْلِيُّ لِبَقِيَّةِ الأغْراضِ وهو تَحْدِيدُ واجِباتِ رِسالَتِهِ في تَأْدِيَةِ مُرادِ رَبِّهِ تَعالى عَلى أكْمَلِ وجْهٍ دُونَ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ أعْداءُ الدِّينِ أعْمالَهُ، وهو نَظِيرُ النِّداءِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] . الآياتِ.

ونِداءُ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِوَصْفِ النُّبُوءَةِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ تَشْرِيفٌ لَهُ بِفَضْلِ هَذا الوَصْفِ لِيَرْبَأ بِمَقامِهِ عَنْ أنْ يُخاطَبَ بِمِثْلِ ما يُخاطَبُ بِهِ غَيْرُهُ ولِذَلِكَ لَمْ يُنادِ في القُرْآنِ بِغَيْرِ (﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾) أوْ (﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]) بِخِلافِ الإخْبارِ عَنْهُ فَقَدْ يَجِيءُ بِهَذا الوَصْفِ كَقَوْلِهِ: (﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيءَ﴾ [التحريم: ٨]) (﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠]) (﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]) (﴿النَّبِيءُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦])، ويَجِيءُ بِاسْمِهِ العَلَمِ كَقَوْلِهِ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .

وقَدْ يَتَعَيَّنُ إجْراءُ اسْمِهِ العَلَمِ لِيُوصَفَ بَعْدَهُ بِالرِّسالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . وتِلْكَ مَقاماتٌ يُقْصَدُ فِيها تَعْلِيمُ النّاسِ بِأنَّ صاحِبَ ذَلِكَ الِاسْمِ هو رَسُولُ اللَّهِ، أوْ تَلْقِينٌ لَهم بِأنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ

صفحة ٢٥٠

ويَدْعُوهُ بِهِ، فَإنَّ عِلْمَ أسْمائِهِ مِنَ الإيمانِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِي خَمْسَةُ أسْماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي، وأنا العاقِبُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ» . وقَدْ أنْهى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أسْماءَ النَّبِيءِ ﷺ إلى سَبْعَةٍ وسِتِّينَ وأنْهاها السُّيُوطِيُّ إلى ثَلاثِمِائَةٍ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قالَ: أسْماءُ النَّبِيءِ ألْفا اسْمٍ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]) .

والأمْرُ لِلنَّبِيءِ بِتَقْوى اللَّهِ تَوْطِئَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِيَحْصُلَ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ قَصْرُ تَقْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنَّ مَعْنى لا تُطِعْ مُرادِفُ مَعْنى: لا تَتَّقِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، فَإنَّ الطّاعَةَ تَقْوى؛ فَصارَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ مُفِيدًا مَعْنى: يا أيُّها النَّبِيءُ لا تَتَّقِ إلّا اللَّهَ، فَعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ وهي أشْهَرُ في الكَلامِ البَلِيغِ وأوْجَزُ - إلى ذِكْرِ جُمْلَتَيْ أمْرٍ ونَهْيٍ لِقَصْدِ النَّصِّ عَلى أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ أُرِيدَ بِهِ أنْ لا يُطِيعَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِأنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى أنْ يُقالَ: لا تَتَّقِ إلّا اللَّهَ لَما أصاخَتْ إلَيْهِ الأسْماعُ إصاخَةً خاصَّةً لِأنَّ تَقْوى النَّبِيءِ ﷺ رَبَّهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ، فَسَلَكَ مَسْلَكَ الإطْنابِ لِهَذا، كَقَوْلِ السَّمَوْألِ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

فَجاءَ بِجُمْلَتَيْ: إثْباتِ السَّيَلانِ بِقَيْدٍ، ونَفْيِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ القَيْدِ؛ لِلنَّصِّ عَلى أنَّهم لا يَكْرَهُونَ سَيَلانَ دِمائِهِمْ عَلى السُّيُوفِ ولَكِنَّهم لا تَسِيلُ دِماؤُهم عَلى غَيْرِ السُّيُوفِ.

فَإنَّ أصْلَ صِيغَةِ القَصْرِ أنَّها مُخْتَصَرَةٌ مِن جُمْلَتَيْ إثْباتٍ ونَفْيٍ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَتَكْمِلَةٍ لِلَّتِي قَبْلَها عُطِفَتْ عَلَيْها لِاتِّحادِ الغَرَضِ مِنهُما. وقَدْ تَعَيَّنَ بِهَذا أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ اتَّقِ اللَّهَ والنَّهْيَ في قَوْلِهِ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ - مُسْتَعْمَلانِ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو مُلازِمٌ لَهُ مِن تَقْوى اللَّهِ، فَأشْعَرَ ذَلِكَ أنَّ تَشْرِيعًا عَظِيمًا سَيُلْقى إلَيْهِ لا يَخْلُو مَن حَرَجٍ عَلَيْهِ فِيهِ وعَلى بَعْضِ أُمَّتِهِ، وأنَّهُ سَيَلْقى مَطاعِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ.

وفائِدَةُ هَذا الأمْرِ والنَّهْيِ التَّشْهِيرُ لَهم بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَقْبَلُ أقْوالَهم لِيَيْأسُوا

صفحة ٢٥١

مِن ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُدَبِّرُونَ مَعَ المُشْرِكِينَ المَكايِدَ ويُظْهِرُونَ أنَّهم يَنْصَحُونَ النَّبِيءَ ﷺ ويُلِحُّونَ عَلَيْهِ بِالطَّلَباتِ نُصْحًا تَظاهُرًا بِالإسْلامِ.

والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُجاهِرُونَ بِالكُفْرِ لِأنَّهُ قُوبِلَ بِالمُنافِقِينَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا المُشْرِكِينَ كَما هو غالِبُ إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ والأنْسَبُ بِما سَيَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ إلى آخَرِ أحْكامِ التَّبَنِّي، والمُوافِقُ لِما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ضَعْفٍ فِيهِ سَنُبَيِّنُهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا اليَهُودَ كَما يَقْتَضِيهِ ما يُرْوى في سَبَبِ النُّزُولِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى ما يَعُمُّ نَوْعَيِ الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.

والطّاعَةُ: العَمَلُ عَلى ما يَأْمُرُ بِهِ الغَيْرُ أوْ يُشِيرُ بِهِ لِأجْلِ إجابَةٍ مَرْغُوبَةٍ، وماهِيَّتُها مُتَفاوِتَةٌ مَقُولٌ عَلَيْها بِالتَّشْكِيكِ، ووُقُوعُ اسْمِها في سِياقِ النَّهْيِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ أدْنى ماهِيَّتِها، مِثْلَ أنْ يَعْدِلَ عَنْ تَزَوُّجِ مُطَلَّقَةِ مَتْبَنّاهُ لِقَوْلِ المُنافِقِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهى عَنْ تَزَوُّجِ نِساءِ الأبْناءِ وتَزَوَّجَ زَوْجَ ابْنِهِ

زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وهو المَعْنى الَّذِي جاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقَوْلُهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] عَقِبَ قَضِيَّةِ امْرَأةِ زَيْدٍ. ومِثْلَ نَقْضِ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جَعْلِ الظِّهارِ مُوجِبًا مَصِيرَ المُظاهَرَةِ أُمًّا لِلْمُظاهِرِ حَرامًا عَلَيْهِ قُرْبانُها أبَدًا، ولِذَلِكَ أُرْدِفَتِ الجُمْلَةُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالطّاعَةِ لَهُ دُونَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِأنَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فَلا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ الصَّلاحُ. ودُخُولُ إنَّ عَلى الجُمْلَةِ قائِمٌ مَقامَ فاءِ التَّعْلِيلِ ومُغْنٍ غَناءَها عَلى ما بُيِّنَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وشاهِدُهُ المَشْهُورُ قَوْلُ بِشارٍ:

بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ إنَّ ذاكَ النَّجاحُ في التَّبْكِيرِ

وقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ والثَّعْلَبِيُّ والقُشَيْرِيُّ والماوَرْدِيُّ في تَفاسِيرِهِمْ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾“ نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّهُ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ جاءَ إلى المَدِينَةِ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وأبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ مِن قُرَيْشٍ وأذِنَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأمانِ في المَدِينَةِ

صفحة ٢٥٢

وأنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، ثُمَّ جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيَّ ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَتْرُكَ ذِكْرَ آلِهَةِ قُرَيْشٍ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ وهَمَّ عُمَرُ بِقَتْلِ النَّفَرِ القُرَيْشِيِّينَ، فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِأنَّهُ كانَ أعْطاهُمُ الأمانَ، فَأمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيِ اتَّقِ اللَّهَ في حِفْظِ الأمانِ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ وهُمُ النَّفَرُ القُرَشِيُّونَ والمُنافِقِينَ وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ. وهَذا الخَبَرُ لا سَنَدَ لَهُ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أهْلُ النَّقْدِ مِثْلَ الطَّبَرِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ.

33:2Page 418

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

هَذا تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِنَ الوَحْيِ في شَأْنِ أحْكامِ التَّبَنِّي وما يَتَّصِلُ بِها، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الصّالِحِ لِلِاسْتِقْبالِ، وجُرِّدَ مِن عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّهُ قَرِيبٌ مِن زَمَنِ الحالِ. والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ أنَّهُ أمْرٌ بِاتِّباعٍ خاصٍّ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ العامِّ بِاتِّباعِ الوَحْيِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ما سَيُوحى إلَيْهِ قَرِيبًا هو مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ وعَلى المُسْلِمِينَ مِن إبْطالِ حُكْمِ التَّبَنِّي لِأنَّهم ألِفُوهُ واسْتَقَرَّ في عَوائِدِهِمْ وعامَلُوا المُتَبَنِّينَ مُعامَلَةَ الأبْناءِ الحَقِّ.

ولِذَلِكَ ذُيِّلَتْ جُمْلَةُ (﴿واتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾) بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاتِّباعِ وتَأْنِيسًا بِهِ لِأنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما في عَوائِدِكم ونُفُوسِكم فَإذا أبْطَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَإنَّ إبْطالَهُ مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ بِلُزُومِ تَغْيِيرِهِ فَلا تَتَرَيَّثُوا في امْتِثالِ أمْرِهِ في ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّ حَرْفَ التَّوْكِيدِ مُغْنٍ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما مَرَّ آنِفًا.

وفِي إفْرادِ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ واتَّبِعْ وجَمْعِهِ بِما يَشْمَلُهُ وأُمَّتَهُ في قَوْلِهِ بِما تَعْمَلُونَ إيماءً إلى أنَّ فِيما سَيَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ ما يَشْتَمِلُ عَلى تَكْلِيفٍ يَشْمَلُ تَغْيِيرَ حالَةٍ كانَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُشارِكًا لِبَعْضِ الأُمَّةِ في التَّلَبُّسِ بِها وهو حُكْمُ التَّبَنِّي إذْ كانَ النَّبِيءُ مُتَبَنِّيًا زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن قَبْلِ بَعْثَتِهِ.

صفحة ٢٥٣

وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِما تَعْمَلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ والأُمَّةِ لِأنَّ هَذا الأمْرَ أعْلَقُ بِالأُمَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (بِما يَعْمَلُونَ) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ عَلى أنَّهُ راجِعٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ شامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِيُفِيدَ مَعَ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالِاتِّباعِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ بِمُحاسَبَةِ اللَّهِ إيّاهم عَلى ما يُبَيِّتُونَهُ مِنَ الكَيْدِ، وكِنايَةً عَنْ إطْلاعِ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم في هَذا الشَّأْنِ كَما سَيَجِيءُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، أيْ لَنُطْلِعَنَّكَ عَلى ما يَكِيدُونَ بِهِ ونَأْذَنُكَ بِافْتِضاحَ شَأْنِهِمْ.

وهَذا المَعْنى الحاصِلُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ لا يَفُوتُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُخاطَبِينَ يَأْخُذُ حَظَّهُ مِنهُ.

33:3Page 418

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ زِيادَةُ تَمْهِيدٍ وتَوْطِئَةٍ لِتَلَقِّي تَكْلِيفٍ يَتَرَقَّبُ مِنهُ أذًى مِنَ المُنافِقِينَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا نَهى عَنْ تَزَوُّجِ نِساءِ الأبْناءِ وتَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وهو ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]؛ فَأمَرَهُ بِتَقْوى رَبِّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وأتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ وحْيِهِ، وعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِما فِيهِ تَأْيِيدُهُ وهو أنْ يُفَوِّضَ أُمُورَهُ إلى اللَّهِ.

والتَّوَكُّلُ: إسْنادُ المَرْءِ مَهَمَّهُ وشَأْنَهُ إلى مَن يَتَوَلّى عَمَلَهُ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والوَكِيلُ: الَّذِي يُسْنِدُ إلَيْهِ غَيْرُهُ أمْرَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَوْلُهُ: (وكِيلًا) تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ، أيْ كَفى اللَّهُ وكَيْلًا، أيْ وِكالَتُهُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ في سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском