Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الضحى
Ad-Duhaa
The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs
93:1–3Page 596
وَٱلضُّحَىٰ ١
By the morning brightness
وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢
And [by] the night when it covers with darkness,1
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣
Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الوَحْيَ انْقَطَعَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأوْهُ لَمْ يَقُمِ اللَّيْلَ بِالقُرْآنِ بِضْعَ لَيالٍ، فالتَّأْكِيدُ مُنْصَبٌّ عَلى التَّعْرِيضِ المُعَرَّضِ بِهِ لِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلا يَتَرَدَّدُ في وُقُوعِ ما يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ (الضُّحى واللَّيْلِ) أنَّ الضُّحى وقْتُ انْبِثاقِ نُورِ الشَّمْسِ فَهو إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ، وأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ قِيامِ
صفحة ٣٩٥
النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ وهو الوَقْتُ الَّذِي كانَ يَسْمَعُ فِيهِ المُشْرِكُونَ قِراءَتَهُ مِن بُيُوتِهِمُ القَرِيبَةِ مِن بَيْتِهِ أوْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولِذَلِكَ قُيِّدَ اللَّيْلُ بِظَرْفِ (﴿إذا سَجى﴾) . فَلَعَلَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى: (﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣]) .
والضُّحى تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (والضُّحى) بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ مَعَ أنَّ أصْلَ ألِفِهِ الواوُ؛ لِأنَّهم راعَوُا المُناسَبَةَ مَعَ أكْثَرِ الكَلِماتِ المَخْتُومَةِ بِألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ أكْثَرَها مُنْقَلِبَةُ الألِفِ عَنِ الياءِ، ولِأنَّ الألِفَ تَجْرِي فِيها الإمالَةُ في اللُّغاتِ الَّتِي تُمِيلُ الألِفَ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تُمالَ إذا وقَعَتْ مَعَ ألِفٍ تُمالُ لِلْمُناسَبَةِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ كافِيَتِهِ.
ويُقالُ: سَجا اللَّيْلُ سَجْوًا بِفَتْحٍ وسُكُونٍ، وسُجُوًّا بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ الواوِ، إذا امْتَدَّ وطالَ مُدَّةُ ظَلامِهِ مِثْلَ سَجْوِ المَرْءِ بِالغِطاءِ، إذا غُطِّيَ بِهِ جَمِيعُ جَسَدِهِ، وهو واوِيٌّ ورُسِمَ في المُصْحَفِ بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في كِتابَةِ (الضُّحى) .
وجُمْلَةُ (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ إذا كانَ جُمْلَةً مَنفِيَّةً لَمْ تَقْتَرِنْ بِاللّامِ.
والتَّوْدِيعُ: تَحِيَّةُ مَن يُرِيدُ السَّفَرَ.
واسْتُعِيرَ في الآيَةِ لِلْمُفارَقَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ تَشْبِيهًا بِفِراقِ المُسافِرِ في انْقِطاعِ الصِّلَةِ حَيْثُ شَبَّهَ انْقِطاعَ صِلَةِ الكَلامِ بِانْقِطاعِ صِلَةِ الإقامَةِ، والقَرِينَةُ إسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَّصِلُ بِالنّاسِ اتِّصالًا مَعْهُودًا.
وهَذا نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَطَعَ عَنْهُ الوَحْيَ.
وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وما قَلى﴾) لِلْإتْيانِ عَلى إبْطالِ مَقالَتَيِ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ بَعْضُهم: ودَّعَهُ رَبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: قَلاهُ رَبُّهُ، يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
وجُمْلَةُ (﴿وما قَلى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ ولَها حُكْمُها.
صفحة ٣٩٦
والقَلْيُ (بِفَتْحِ القافِ مَعَ سُكُونِ اللّامِ) والقِلى (بِكَسْرِ القافِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ): البُغْضُ الشَّدِيدُ، وسَبَبُ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ فَتْرَةٍ ثانِيَةٍ فَتَرَ فِيها الوَحْيُ بَعْدَ الفَتْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ إثْرَها سُورَةُ المُدَّثِّرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ ”احْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ“ .
واحْتِباسُ الوَحْيِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولاهُما قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوِ المُزَّمِّلِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ سُورَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ أوْ ثَلاثٍ عَلى الخِلافِ في الأسْبَقِ مِن سُورَتَيِ المُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ، وتِلْكَ الفَتْرَةُ هي الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الوَحْيُ. وهي الَّتِي رَأى عَقِبَها جِبْرِيلَ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُدَّةَ انْقِطاعِ الوَحْيِ في الفَتْرَةِ الأُولى كانَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَمْ يَشْعُرْ بِها المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ في مَبْدَأِ نُزُولِ الوَحْيِ قَبْلَ أنْ يَشِيعَ الحَدِيثُ بَيْنَهم فِيهِ وقَبْلَ أنْ يَقُومَ النَّبِيءُ ﷺ بِالقُرْآنِ لَيْلًا.
وثانِيَتُهُما: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِن ثَمانِ سُوَرٍ، أيِ: السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْرَةِ الأُولى، فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ، وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ فَيَتَوافَقُ ذَلِكَ مَعَ عَدَدِها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
والِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُضُوحِهِ لِلرُّواةِ، فالَّذِي نَظُنُّهُ أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ في هَذِهِ المَرَّةِ كانَ لِمُدَّةِ نَحْوٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وأنَّهُ ما كانَ إلّا لِلرِّفْقِ بِالنَّبِيءِ ﷺ كَيْ تَسْتَجِمَّ نَفْسُهُ وتَعْتادَ قُوَّتُهُ تَحَمُّلَ أعْباءِ الوَحْيِ، إذْ كانَتِ الفَتْرَةُ الأُولى أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ كانَتِ الثّانِيَةُ اثَّنى عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَيَكُونُ نُزُولُ سُورَةِ الضُّحى هو النُّزُولَ الثّالِثَ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ يَحْصُلُ الِارْتِياضُ في الأُمُورِ الشّاقَّةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الأمْرُ بِتَكَرُّرِ بَعْضِ الأعْمالِ ثَلاثًا، وبِهَذا الوَجْهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الأخْبارِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وسَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (قَلى) لِدَلالَةِ (ودَّعَكَ) عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٣٩٧
(﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]) وهو إيجازٌ لَفْظِيٌّ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: (فَآوى)، (فَهَدى)، (فَأغْنى) .
93:4Page 596
وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤
And the Hereafter is better for you than the first [life].
﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (والضُّحى) فَهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ بِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الِابْتِدائِيَّةِ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ بَلْ هي ابْتِدائِيَّةٌ فَلَمّا نُفِيَ القِلى بُشِّرَ بِأنَّ آخِرَتَهُ خَيْرٌ مِن أُولاهُ، وأنَّ عاقِبَتَهُ أحْسَنُ مِن بَدْأتِهِ، وأنَّ اللَّهَ خاتِمٌ
وما في تَعْرِيفِ (الآخِرَةَ) و(الأُولى) مِنَ التَّعْمِيمِ يَجْعَلُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَعْنى التَّذْيِيلِ الشّامِلِ لِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ.
والآخِرَةُ: مُؤَنَّثُ الآخِرِ، والأُولى: مُؤَنَّثُ الأوَّلِ، وغَلَبَ لَفْظُ الآخِرَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى الحَياةِ الآخِرَةِ وعَلى الدّارِ الآخِرَةِ كَما غَلَبَ لَفْظُ الأُولى عَلى حَياةِ النّاسِ الَّتِي قَبْلَ انْخِرامِ هَذا العالَمِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا مِن كِلا اللَّفْظَيْنِ كِلا مَعْنَيَيْهِ فَيُفِيدُ أنَّ الحَياةَ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِن هَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ تَبْشِيرًا لَهُ بِالخَيْراتِ الأبَدِيَّةِ، ويُفِيدُ أنَّ حالاتِهِ تَجْرِي عَلى الِانْتِقالِ مِن حالَةٍ إلى أحْسَنَ مِنها، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ الوَصْفَيْنِ جارِيًا عَلى حالَتَيِ التَّغْلِيبِ وحالَتَيِ التَّوْصِيفِ، ويَكُونُ التَّأْنِيثُ في هَذا المَعْنى الثّانِي لِمُراعاةِ مَعْنى الحالَةِ.
ويُومِئُ ذَلِكَ إلى أنَّ عَوْدَةَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ هَذِهِ المَرَّةَ خَيْرٌ مِنَ العَوْدَةِ الَّتِي سَبَقَتْ، أيْ: تَكَفَّلَ اللَّهُ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ عَنْهُ نُزُولُ الوَحْيِ مِن بَعْدُ.
فاللّامُ في (الآخِرَةُ) و(الأُولى) لامُ الجِنْسِ، أيْ: كُلُّ آجِلِ أمْرِهِ هو خَيْرٌ مِن عاجِلِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا وفي الأُخْرى.
واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ الِاخْتِصاصِ، أيْ: خَيْرٌ مُخْتَصٌّ بِكَ وهو شامِلٌ لِكُلِّ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ في ذاتِهِ وفي دِينِهِ وفي أُمَّتِهِ، فَهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَنْشُرَ دِينَ الإسْلامِ وأنْ يُمَكِّنَ أُمَّتَهُ مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي يَأْمُلُها النَّبِيءُ ﷺ لَهم. وقَدْ
صفحة ٣٩٨
رَوى الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوءَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُرِضَ عَلَيَّ ما هو مَفْتُوحٌ لِأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي، فَأنْزَلُ اللَّهُ تَعالى (﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى»﴾) .
93:5Page 596
وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥
And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.
﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ .
هُوَ كَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ كُلِّها وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ أنَّ هَذا العَطاءَ المَوْعُودَ بِهِ مُسْتَمِرٌّ لا يَنْقَطِعُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١]) في سُورَةِ اللَّيْلِ.
وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُعْطِيكَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَرْجُوهُ ﷺ مِن خَيْرٍ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ، فَكانَ مُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْمِيمَ العَطاءِ كَما أفادَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها تَعْمِيمَ الأزْمِنَةِ.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في (فَتَرْضى) لِإفادَةِ كَوْنِ العَطاءِ عاجِلَ النَّفْعِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ رِضى المُعْطى عِنْدَ العَطاءِ فَلا يَتَرَقَّبُ أنْ يَحْصُلَ نَفْعُهُ بَعْدَ تَرَبُّصٍ.
وتَعْرِيفُ (رَبُّكَ) بِالإضافَةِ دُونَ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ لَفْظُ (رَبُّ) مِنَ الرَّأْفَةِ واللُّطْفِ، ولِلتَّوَسُّلِ إلى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإشْعارِ بِعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ وتَشْرِيفِهِ بِإضافَةِ (رَبُّ) إلى ضَمِيرِهِ.
وهُوَ وعْدٌ واسِعُ الشُّمُولِ لِما أُعْطِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِأعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا وما فُتِحَ عَلى الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ومَن بَعْدَهم مِن أقْطارِ الأرْضِ شَرْقًا وغَرْبًا.
واعْلَمْ أنَّ اللّامَ في (﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الضحى: ٤]) وفي (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾) جَزَمَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ لامُ الِابْتِداءِ وقَدَّرَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا. والتَّقْدِيرُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ. وقالَ: إنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخَلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، وحَيْثُ تَعَيَّنَ أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى جُمْلَةٍ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَأِ. واخْتارَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ اللّامَ في (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾) لامُ التَّوْكِيدِ (يَعْنِي: لامَ وُجُوبِ القَسَمِ) . ووافَقَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ. وأشْعَرَ كَلامُهُ
صفحة ٣٩٩
أنَّ وُجُودَ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مانِعٌ مِن لَحاقِ نُونِ التَّوْكِيدِ ولِذَلِكَ تَجِبُ اللّامُ في الجُمْلَةِ. وأقُولُ: في كَوْنِ وُجُودِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ يُوجِبُ كَوْنَ اللّامِ لامَ جَوابِ قَسَمٍ مَحَلُّ نَظَرٍ.
93:6–8Page 596
أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦
Did He not find you an orphan and give [you] refuge?
وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧
And He found you lost and guided [you],
وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ ٨
And He found you poor and made [you] self-sufficient.
﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، أيْ: هو وعْدٌ جارٍ عَلى سَنَنِ ما سَبَقَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِكَ مِن مَبْدَأِ نَشْأتِكَ ولُطْفِهِ في الشَّدائِدِ بِاطِّرادٍ بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الصُّدَفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصُّدَفِ أنْ لا تَتَكَرَّرَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى.
والمَقْصُودُ مِن هَذا إيقاعُ اليَقِينِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ قِياسًا عَلى ما ذَكَّرَهُ بِهِ مِن مُلازَمَةِ لُطْفِهِ بِهِ فِيما مَضى وهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ عَسى أنْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويُسْرِعُوا إلى الإيمانِ، وإلّا فَإنَّ ذَلِكَ مَساءَةٌ تَبْقى في نُفُوسِهِمْ وأشْباحُ رُعْبٍ تُخالِجُ خَواطِرَهم. ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ المَقْصُودِ امْتِنانٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَقْوِيَةٌ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وفِعْلُ (يَجِدْكَ) مُضارِعُ (وجَدَ) بِمَعْنى ألْفى وصادَفَ، وهو الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ. و(يَتِيمًا) حالٌ، وكَذَلِكَ (ضالًّا) و(عائِلًا) . والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ تَيْسِيرِ المَنافِعِ لِلَّذِي تَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ بِحالَةِ مَن وجَدَ شَخْصًا في شِدَّةٍ يَتَطَلَّعُ إلى مَن يُعِينُهُ أوْ يُغِيثُهُ.
واليَتِيمُ: الصَّبِيُّ الَّذِي ماتَ أبُوهُ، وقَدْ كانَ أبُو النَّبِيءِ ﷺ تُوُفِّيَ وهو جَنِينٌ أوْ في أوَّلِ المُدَّةِ مِن وِلادَتِهِ.
والإيواءُ: مَصْدَرُ أوى إلى البَيْتِ، إذا رَجَعَ إلَيْهِ، فالإيواءُ: الإرْجاعُ إلى المَسْكَنِ، فَهَمْزَتُهُ الأُولى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ آوِيًا، وقَدْ أُطْلِقَ الإيواءُ عَلى الكَفالَةِ وكِفايَةِ الحاجَةِ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً، فالمَعْنى: أنْشَأكَ عَلى كَمالِ الإدْراكِ والِاسْتِقامَةِ وكُنْتَ عَلى تَرْبِيَةٍ كامِلَةٍ مَعَ أنَّ شَأْنَ الأيْتامِ أنْ يَنْشَئُوا عَلى نَقائِصَ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يُعْنى بِتَهْذِيبِهِمْ وتَعَهُّدِ أحْوالِهِمُ الخُلُقِيَّةِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “، فَكانَ تَكْوِينُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ عَلى الكَمالِ خَيْرًا مِن تَرْبِيَةِ الأبَوَيْنِ.
صفحة ٤٠٠
والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ سَواءٌ سَلَكَ السّائِرُ طَرِيقًا آخَرَ يُبْلِغُ إلى غَيْرِ المَقْصُودِ أمْ وقَفَ حائِرًا لا يَعْرِفُ أيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ، وهو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ في حَيْرَةٍ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَوْمِكَ، فَأراكَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ وكَرَّهَهُ إلَيْكَ ولا تَدْرِي ماذا تَتَّبِعُ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أنْشَأ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما أرادَ مِن إعْدادِهِ لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ في الإبّانِ، ألْهَمَهُ أنَّ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّرْكِ خَطَأٌ وألْقى في نَفْسِهِ طَلَبَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ لِيَتَهَيَّأ بِذَلِكَ لِقَبُولِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ هُنا اتِّباعَ الباطِلِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفاقِ عُلَمائِنا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في عِصْمَتِهِمْ مِن نَوْعِ الذُّنُوبِ الفَواحِشِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ الشَّرائِعُ في كَوْنِها فَواحِشَ وبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّنافِي بَيْنَ اعْتِبارِ الفِعْلِ فاحِشَةً وبَيْنَ الخُلُوِّ عَنْ وُجُودِ شَرِيعَةٍ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أصْحابِنا نَزَّهُوهم عَنْ ذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى اعْتِبارِ دَلِيلِ العَقْلِ كافِيًا في قُبْحِ الفَواحِشِ عَلى إرْسالِ كَلامِهِمْ في ضابِطِ دَلالَةِ العَقْلِ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُنا أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُنافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسالَتِهِ ولَمْ يَزَلْ عُلَماؤُنا يَجْعَلُونَ ما تَواتَرَ مِن حالِ اسْتِقامَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، بَلْ قَدْ شافَهَ القُرْآنُ بِهِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]) وقَوْلِهِ: (﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]) ولِأنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْحَمُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِي أعْمالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنا.
والعائِلُ: الَّذِي لا مالَ لَهُ، والفَقْرُ يُسَمّى عَيْلَةً، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]) وقَدْ أغْناهُ اللَّهُ غِناءَيْنِ: أعْظَمُهُما غِنى القَلْبِ إذْ ألْقى في قَلْبِهِ قِلَّةَ الِاهْتِمامِ بِالدُّنْيا، وغِنى المالِ حِينَ ألْهَمَ خَدِيجَةَ مُقارَضَتَهُ في تِجارَتِها.
وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ (فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى) لِلْعِلْمِ بِها مِن ضَمائِرِ الخِطابِ قَبْلَها، وحَذْفُها إيجازٌ، وفِيهِ رِعايَةٌ عَلى الفَواصِلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences