Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
المنافقون
Al-Munafiqun
The Hypocrites · Medinan · 11 ayahs
63:1Page 554
إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١
When the hypocrites come to you, [O Muḥammad], they say, "We testify that you are the Messenger of Allāh." And Allāh knows that you are His Messenger, and Allāh testifies that the hypocrites are liars.
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ .
صفحة ٢٣٤
لمّا كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ خُصُومَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومَقالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في شَأْنِ المُهاجِرِينَ. تَعَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِكَذِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وبِنِفاقِهِ فَصِيَغَ الكَلامُ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ المُنافِقِينَ لِتَجَنُّبِ التَّصْرِيحِ بِالمَقْصُودِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ» ومُرادُهُ مَوْلى بَرِيرَةَ لَمّا أرادَ أنْ يَبِيعَها لِعائِشَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ واشْتَرَطَ أنْ يَكُونَ الوَلاءُ لَهُ، وابْتُدِئَ بِتَكْذِيبِ مَن أُرِيدَ تَكْذِيبُهُ في ادِّعائِهِ الإيمانَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ إشْعارًا بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دَخائِلِهِمْ، وهو تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى لِأنَّهم يَقُولُونَ عِباراتٍ كَثِيرَةً تُفِيدُ مَعْنى أنَّهم يَشْهَدُونَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ نُطْقِهِمْ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا تَوَطَّئُوا عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ كُلَّما أعْلَنَ أحَدُهُمُ الإسْلامَ. وهَذا ألْيَقُ بِحِكايَةِ كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ قالُوا دُونَ نَحْوِ: زَعَمُوا.
وإذا ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الماضِي بِقَرِينَةٍ جَعَلَ جُمْلَتَيْها ماضِيَتَيْنِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِفَعْلِ (قالُوا) وهو جَوابُ إذا.
فالمَعْنى: إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
و﴿نَشْهَدُ﴾ خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ الشَّهادَةَ الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ إذْ هي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المُشاهَدَةِ أيِ المُعايَنَةِ. والمُعايَنَةُ أقْوى طُرُقِ العِلْمِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ: أشْهَدُ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ اليَقِينِ في مَعْنى القَسَمِ. وكَثُرَ أنْ يُجابَ بِمِثْلِ ما يُجابُ بِهِ القَسَمُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿نَشْهَدُ﴾ لَيْسَ إنْشاءً. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ جَعَلَهُ صِيغَةَ يَمِينٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ إعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ وإعْلامُ المُسْلِمِينَ بِطائِفَةٍ مُبْهَمَةٍ شَأْنُهُمُ النِّفاقُ لِيَتَوَسَّمُوهم ويَخْتَبِرُوا أحْوالَهم وقَدْ يَتَلَقّى النَّبِيءُ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ تَعْيِينَهم أوْ تَعْيِينَ بَعْضِهِمْ.
صفحة ٢٣٥
والمُنافِقُونَ جَمْعُ مُنافِقٍ وهو الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿نَشْهَدُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ وهَذا الِاعْتِراضُ لِدَفْعِ إيهامِ مَن يَسْمَعُ جُمْلَةَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أنَّهُ تَكْذِيبٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ مَحْفُوفِينَ بِفِئامٍ مِنَ المُنافِقِينَ مَبْثُوثِينَ بَيْنَهم هِجِّيراهم فِتْنَةَ المُسْلِمِينَ فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا دَفَعَ الإيهامِ وهَذا مِنَ الِاحْتِراسِ.
وعُلِّقَ فِعْلُ (يَعْلَمُ) عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ (إنَّ) في أوَّلِ الجُمْلَةِ وقَدْ عَدُّوا (إنَّ) الَّتِي في خَبَرِها لامُ ابْتِداءِ مِنَ المُعَلَّقاتِ لِأفْعالِ القَلْبِ عَنِ العَمَلِ بِناءً عَلى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ هي في الحَقِيقَةِ لامُ جَوابِ القَسَمِ وأنَّ حَقَّها أنْ تَقَعَ قَبْلَ (إنَّ) ولَكِنَّها زُحْلِقَتْ في الكَلامِ كَراهِيَةَ اجْتِماعِ مُؤَكِّدَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهَ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا نَشْهَدُ﴾ .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتُقَوِّيَ الحُكْمَ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (﴿يَشْهَدُ﴾) في الإخْبارِ عَنْ تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم لِلْمُشاكَلَةِ حَتّى يَكُونَ إبْطالُ خَبَرِهِمْ مُساوِيًا لِإخْبارِهِمْ.
والكَذِبُ: مُخالَفَةُ ما يُفِيدُهُ الخَبَرُ لِلْواقِعِ في الخارِجِ، أيِ الوُجُودِ فَمَعْنى كَوْنِ المُنافِقِينَ كاذِبُونَ هُنا أنَّهم كاذِبُونَ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم يَشْهَدُونَ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ لِأنَّ خَبَرَهم ذَلِكَ مُخالِفٌ لِما في أنْفُسِهِمْ فَهم لا يَشْهَدُونَ بِهِ ولا يُوافِقُ قَوْلُهم ما في نُفُوسِهِمْ. وبِهَذا بَطَلَ احْتِجاجُ النَّظّامِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْيِهِ أنَّ الكَذِبَ مُخالَفَةُ الخَبَرِ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ لِأنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا نَشْهَدُ﴾ . وقَدْ أشارَ إلى هَذا الرَّدِّ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ وفي الإيضاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ مُبِيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَشْهَدُ﴾ مِثْلَ سابِقَتِها.
63:2Page 554
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢
They have taken their oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh. Indeed, it was evil that they were doing.
صفحة ٢٣٦
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في قَوْلِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، يُثِيرُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ أيْمانِهِمْ لَدى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِهِ وأنَّهم لا يُضْمِرُونَ بُغْضَهُ فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم تَقِيَّةً يَتَّقُونَ بِها وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالحَلِفِ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
والجُنَّةُ: ما يُسْتَتَرُ بِهِ ويُتَّقى ومِنهُ سُمِّيَتِ الدِّرْعُ جُنَّةً.
والمَعْنى: جَعَلُوا أيْمانَهم كالجُنَّةِ يُتَّقى بِها ما يَلْحَقُ مِن أذى. فَلَمّا شُبِّهَتِ الأيْمانُ بِالجُنَّةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَشْبِيهِ الحَلِفِ بِاتِّخاذِ الجُنَّةِ، أيِ اسْتِعْمالِها، فَفي اتَّخَذُوا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولَيْسَ هَذا خاصًّا بِحَلِفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أنَّهُ ما قالَ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، كَما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِها، بَلْ هو أعَمُّ، ولِذَلِكَ فالوَجْهُ حَمْلُ ضَمائِرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الآيَةَ عَلى حَقِيقَتِها، أيِ اتَّخَذَ المُنافِقُونَ كُلُّهم أيْمانَهم جُنَّةً، أيْ كانَتْ تِلْكَ تَقِيَّتُهم، أيْ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِيهِمْ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى الحَلِفِ الكاذِبِ لِأنَّ اليَمِينَ الفاجِرَةَ مِن كَبائِرِ الإثْمِ لِما فِيها مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّهم لَمّا حَلَفُوا عَلى الكَذِبِ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ أمِنُوا اتِّهامَ المُسْلِمِينَ إيّاهم بِالنِّفاقِ فاسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ والمَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ وذَلِكَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ إعْراضٌ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِسُلُوكِها.
وفِعْلُ (صَدُّوا) هُنا قاصِرٌ الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ (يَصِدُّ) بِكَسْرِ الصّادِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ عَنِ السّامِعِ. وساءَ مِن أفْعالِ الذَّمِّ تُلْحَقُ بِبِئْسَ عَلى تَقْدِيرِ تَحْوِيلِ صِيغَةِ فِعْلِها عَنْ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَيْنِ إلى فَعُلَ المَضْمُومِها لِقَصْدِ إفادَةِ الذَّمِّ مَعَ إفادَةِ التَّعَجُّبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وأشارَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّسْهِيلِ.
63:3Page 554
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣
That is because they believed, and then they disbelieved; so their hearts were sealed over, and they do not understand.
صفحة ٢٣٧
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] .
والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]، أيْ سَبَبُ إقْدامِهِمْ عَلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُتَعَجَّبِ مِن سُوئِها، هو اسْتِخْفافُهم بِالأيْمانِ ومُراجَعَتُهُمُ الكُفْرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَرَسَخَ الكُفْرُ في نُفُوسِهِمْ فَتَجَرَّأتْ أنْفُسُهم عَلى الجَرائِمِ وضَرَبَتْ بِها، حَتّى صارَتْ قُلُوبُهم كالمَطْبُوعِ عَلَيْها أنْ لا يَخْلُصَ إلَيْها الخَيْرُ.
فَقَوْلُهُ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ومَعْنى الباءِ السَّبَبِيَّةُ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إبْطالَ الكُفْرِ مَعَ إظْهارِ الإيمانِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ الصَّرِيحِ. وأنَّ كُفْرَهم أرْسَخُ فِيهِمْ مِن إظْهارِ أيْمانِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ التَّراخِي في الزَّمَنِ وهو المُهْلَةُ.
فَإسْنادُ فِعْلِ آمَنُوا إلَيْهِمْ مَعَ الإخْبارِ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِأنَّهم كاذَّبُونَ في قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ فَإنَّ مَراتِبَ المُنافِقِينَ مُتَفاوِتَةٌ في النِّفاقِ وشِدَّةِ الكُفْرِ فَمِنهم مَن آمَنُوا لَمّا سَمِعُوا آياتِ القُرْآنِ أوْ لاحَتْ لَهم أنْوارٌ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَثْبُتْ في قُلُوبِهِمْ.
ثُمَّ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ لِلَوْمِ أصْحابِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ لِإلْقائِهِمُ الشَّكَّ في نُفُوسِهِمْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا. فَقُلْتُ: ولَعَلَّ الَّذِينَ تابُوا وحَسُنَ إسْلامُهم مِن هَذا الفَرِيقِ. فَهَؤُلاءِ إسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ.
ومِنهم مَن خالَجَهم خاطَرُ الإيمانِ فَتَرَدَّدُوا وقارَبُوا أنْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ فَشابَهَ أوَّلُ حالِهِمْ حالَ المُؤْمِنِينَ حِينَ خُطُورِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ.
ومِنهم مَن أظْهَرُوا الإيمانَ كَذِبًا وهَذا هو الفَرِيقُ الأكْثَرُ. ولَيْسَ ما أظْهَرُوهُ في شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في مِثْلِهِمْ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فَسَمّاهُ إسْلامًا ولَمْ يُسَمِّهِ إيمانًا. ومِنهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] . وإطْلاقُ اسْمِ الإيمانِ عَلى مَثْلِ هَذا الفَرِيقِ مَجازٌ
صفحة ٢٣٨
بِعِلاقَةِ الصُّورَةِ وهو كَإسْنادِ فِعْلِ يَحْذَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] الآيَةَ، في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الأصْلِيِّ والمَجازِيِّ عَلى ما يُناسِبُ مَحْمِلَ فِعْلِ (آمَنُوا) .
ولَوْ حُمِلَ المُنافِقُونَ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ ابْنُ أُبَيٍّ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ فَيَكُونُ إسْنادُ (آمَنُوا) حَقِيقَةً وتَكُونُ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الزَّمانِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، فَصارَ كُفْرُهم بَعْدَ الإيمانِ عَلى الوُجُوهِ السّابِقَةِ سَبَبًا في سُوءِ أعْمالِهِمْ بِمُقْتَضى باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبًا في انْتِفاءِ إدْراكِهِمُ الحَقائِقَ النَّظَرِيَّةَ بِمُقْتَضى فاءِ التَّفْرِيعِ.
والفِقْهُ: فَهْمٌ لِلْحَقائِقِ الخَفِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَ دَلائِلَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِّيَّتَهُ.
63:4Page 554
۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤
And when you see them, their forms please you, and if they speak, you listen to their speech. [They are] as if they were pieces of wood propped up1 - they think that every shout is against them. They are the enemy, so beware of them. May Allāh destroy them; how are they deluded?
﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ .
هَذا انْتِقالٌ إلى وضْحِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُبْرِزُونَها إذا جاءُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ ولَكِنَّها تَبْرُزُ مِن مُشاهَدَتِهِمْ، فَكانَ الوَضْحُ الأوَّلُ مُفْتَتَحًا بِ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] وهَذا الوَضْحُ مُفْتَتَحًا بِ ﴿إذا رَأيْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] .
فَجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ والتَّتْمِيمِ لِدَفْعِ إيهامِ مَن يَغُرُّهُ ظاهِرُ صُوَرِهِمْ.
واتْبِعَ انْتِفاءُ فِقْهِ عُقُولِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِحُسْنِ صُوَرِهِمْ فَإنَّها أجْسامٌ خالِيَةٌ عَنْ كَمالِ الأنْفُسِ كَقَوْلِ حَسّانَ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ:
لا بَأْسَ بِالقَوْمِ مِن طُولٍ ومِن غِلَظٍ جِسْمُ البِغالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ
وتُفِيدُ مَعَ الِاحْتِراسِ تَنْبِيهًا عَلى دَخائِلِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ حُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ مِن
صفحة ٢٣٩
الجُمْلَتَيْنِ لَصَحَّ وُقُوعُهُما مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ. ولَكِنْ أُوثِرَ العَطْفُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هاتَيْنِ صِفَتانِ تُحْسَبانِ كَمالًا وهُما نَقِيصَتانِ لِعَدَمِ تَناسُقِهِما مَعَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ كَمالًا. فَإنَّ جَمالَ النَّفْسِ كَجَمالِ الخِلْقَةِ إنَّما يَحْصُلُ بِالتَّناسُبِ بَيْنَ المَحاسِنِ وإلّا فَرُبَّما انْقَلَبَ الحَسَنُ مُوجِبَ نَقْصٍ.
فالخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن يَراهم مِمَّنْ يَظُنُّ أنْ تَغُرَّهُ صُوَرُهم فَلا يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أطْلَعَهُ عَلى أحْوالِهِمْ وأوْقَفَهُ عَلى تَعْيِينِهِمْ فَهو كالخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] .
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ أوْ عَدَدٌ مَحْدُودٌ إذْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المُنافِقِينَ أحاسِنَ الصُّوَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا ذَلْقَ اللِّسانِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ ابْنُ أُبَيٍّ والجِدُّ بْنُ قَيْسٍ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ وفَصاحَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: وقَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ في مِثْلِ صِفَةِ ابْنِ أُبَيٍّ رُؤَساءُ المَدِينَةِ.
وأجْسامُ: جَمْعُ جِسْمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ السِّينِ وهو ما يُقْصَدُ بِالإشارَةِ إلَيْهِ أوْ ما لَهُ طُولٌ وعَرْضٌ وعُمْقٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ .
والمُرادُ بِالسَّماعِ في قَوْلِهِ ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الإصْغاءُ إلَيْهِمْ لِحُسْنِ إبانَتِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ مَعَ تَغْرِيرِهِمْ بِحَلاوَةِ مَعانِيهِمْ تَمْوِيهَ حالِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ.
فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾ لِتَضْمِينَ (﴿تَسْمَعْ﴾) مَعْنى: تُصْغِ أيُّها السّامِعُ، إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِالسَّماعِ لِلْقَوْلِ فائِدَةٌ لَوْلا أنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنى الإصْغاءِ لِوَعْيِ كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ وصْفِ حُسْنِ أجْسامِهِمْ وذَلاقَةِ كَلامِهِمْ، فَإنَّهُ في صُورَةِ مَدْحٍ فَلا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ مِن ذَمِّهِمْ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الوَصْفِ.
صفحة ٢٤٠
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِي الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ .
ومَعْناهُ أنَّ حُسْنَ صُوَرِهِمْ لا نَفْعَ فِيهِ لِأنْفُسِهِمْ ولا لِلْمُسْلِمِينَ.
و(خُشُبٌ) بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ خَشَبَةٍ بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الشِّينِ وهو جَمْعٌ نادِرٌ لَمْ يُحْفَظْ إلّا في ثَمَرَةٍ، وقِيلَ ثُمُرٌ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثَمَرَةٍ فَيَكُونُ ثُمُرٌ جَمْعَ جَمْعٍ. فَيَكُونُ خُشُبٌ عَلى مِثالِ جَمْعِ الجَمْعِ وإنَّ لَمْ يُسْمَعْ مُفْرَدٌ. ويُقالُ خُشْبٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو جَمْعُ خَشَبَةٍ لا مَحالَةَ، مِثْلَ: بُدْنٌ جَمْعُ بَدَنَةٍ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِضَمَّةٍ فَسُكُونٍ.
والمُسَنَّدَةُ الَّتِي سُنِّدَتْ إلى حائِطٍ أوْ نَحْوِهِ، أيْ أُمِيلَتْ إلَيْهِ فَهي غَلِيظَةٌ طَوِيلَةٌ قَوِيَّةٌ لَكِنَّها غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِها في سَقْفٍ ولا مَشْدُودٍ بِها جِدارٌ. شُبِّهُوا بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ في حُسْنِ المَرْأى وعَدَمِ الجَدْوى، أُفِيدَ بِها أنَّ أجْسامَهُمُ المُعْجَبَ بِها ومَقالَهُمُ المُصْغى إلَيْهِ خالِيانِ عَنِ النَّفْعِ كَخُلُوِّ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ عَنِ الفائِدَةِ، فَإذا رَأيْتُمُوهم حَسِبْتُمُوهم أرْبابَ لُبٍّ وشَجاعَةٍ وعِلْمٍ ودِرايَةٍ. وإذا اخْتَبَرْتُمُوهم وجَدْتُمُوهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَلا تَحْتَفِلُوا بِهِمْ.
* * *
﴿يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، أيْ مِن مُخالَفَةِ باطِنِهِمُ المُشَوَّهِ لِلظّاهِرِ المُمَوَّهِ، أيْ هم أهْلُ جُبْنٍ في صُورَةِ شُجْعانَ.
وهَذا مِن جُمْلَةِ ما فَضَحَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن دَخائِلِهِمْ ومَطاوِي نُفُوسِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُها مِن تَفَنُّنِ أسالِيبِ النَّظْمِ، فَهي مُشْتَرِكَةٌ في التَّنْبِيهِ عَلى أسْرارِهِمْ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، أيْ هم لِسُوءِ ما يُضْمِرُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ العَداوَةِ
صفحة ٢٤١
لا يَزالُونَ يَتَوَجَّسُونَ خِيفَةً مِن أنْ يَنْكَشِفَ أمْرُهم عِنْدَ المُسْلِمِينَ فَهم في خَوْفٍ وهَلَعٍ إذا سَمِعُوا صَيْحَةً في خُصُومَةٍ أوْ أُنْشِدَتْ ضالَّةٌ خَشَوْا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غارَةً مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ لِلْإيقاعِ بِهِمْ.
و(كُلَّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأكْثَرِ لِأنَّهم إنَّما يَتَوَجَّسُونَ خَوْفًا مِن صَيْحاتٍ لا يَعْلَمُونَ أسْبابَها كَما اسْتَعْمَلَهُ النّابِغَةُ في قَوْلِهِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
وقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِفَعْلِ ﴿يَحْسَبُونَ﴾ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ (﴿صَيْحَةٍ﴾) .
* * *
﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ لِغَرابَةِ مَعْناها تُثِيرُ سُؤالًا عَنْ سَبَبِ هَلَعِهِمْ وتَخَوُّفِهِمْ مِن كُلِّ ما يَتَخَيَّلُ مِنهُ بَأْسُ المُسْلِمِينَ فَيُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنِّهم أعْداءٌ ألَدّاءٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَرْآةِ نُفُوسِهِمْ فَكَما هم يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ويَتَمَنَّوْنَ الوَقِيعَةَ بِهِمْ في حِينَ يُظْهِرُونَ لَهُمُ المَوَدَّةَ كَذَلِكَ يَظُنُّونَ بِالمُسْلِمِينَ التَّرَبُّصَ بِهِمْ وإضْمارَ البَطْشِ بِهِمْ عَلى نَحْوِ ما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وصَدَّقَ ما يَعْتادُهُ مِن تَوُهُّمِ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِذِكْرِ حالَةٍ مِن أحْوالِهِمْ تَهُمُّ المُسْلِمِينَ مَعْرِفَتُها لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها تَفْرِيعُ ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وعَلى كُلِّ التَّقادِيرِ فَنَظْمُ الكَلامِ وافٍ بِالغَرَضِ مِن فَضْحِ دَخائِلِهِمْ.
والتَّعْرِيفُ في العَدُوِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ الدّالِّ عَلى مُعَيَّنِ كَمالِ حَقِيقَةِ العَدُوِّ فِيهِمْ، لِأنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُتَظاهِرُ بِالمُوالاةِ وهو مَدّاحٌ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ. وعَلى هَذا المَعْنى رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالحَذَرِ مِنهم.
صفحة ٢٤٢
والعَدُوُّ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ. والمُرادُ: الحَذَرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِهِمُ الخَلّابَةِ لِئَلّا يُخْلِصَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِسِرِّهِمْ ولا يَتَقَبَّلُوا نَصائِحَهم خَشْيَةَ المَكائِدِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيُبَلِّغَهُ المُسْلِمِينَ فَيَحْذَرُوهم.
* * *
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
تَذْيِيلٌ فَإنَّهُ جَمَعَ عَلى الإجْمالِ ما يَغْنِي عَنْ تَعْدادِ مَذامِّهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، مَسُوقٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ تَوَغُّلِهِمْ في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ بِعُدُولِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
فافْتُتِحَ التَّعْجِيبُ مِنهم بِجُمْلَةٍ أصْلُها دُعاءٌ بِالإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ ولَكِنَّها غَلَبَ اسْتِعْمالُها في التَّعَجُّبِ أوْ التَّعْجِيبِ مِن سُوءِ الحالِ الَّذِي جَرَّهُ صاحِبُهُ لِنَفْسِهِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الكَلِمِ الَّتِي هي دُعاءٌ بِسُوءٍ تُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ مَكْرُوهٍ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، ووَيْلُ أُمِّهِ. وتَرِبَتْ يَمِينُهُ. واسْتِعْمالُ ذَلِكَ في التَّعَجُّبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلْمُلازَمَةِ بَيْنَ بُلُوغِ الحالِ في السُّوءِ وبَيْنَ الدُّعاءِ عَلى صاحِبِهِ بِالهَلاكِ وبَيْنَ التَّعَجُّبِ مِن سُوءِ الحالِ. فَهي مُلازَمَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.
وأنّى هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ. وأصَّلُ أنّى ظَرْفُ مَكانٍ وكَثُرَ تَضْمِينُهُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في اسْتِعْمالاتِهِ، وقَدْ يَكُونُ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ فَيُفَسَّرُ بِمَعْنى كَيْفَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آل عمران: ١٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وفي قَوْلِهِ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ الأمْرَ العَجِيبَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ حالِ حُصُولِهِ. فالِاسْتِفْهامُ عَنْهُ مِن لَوازِمِ أُعْجُوبَتِهِ. فَجُمْلَةُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ بَيانٌ لِلتَّعْجِيبِ الإجْمالِيِّ المُفادِ بِجُمْلَةِ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ .
صفحة ٢٤٣
ويُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ يُقالُ: أفَكَهُ، إذا صَرَفَهُ وأبْعَدَهُ، والمُرادُ: صَرَفَهم عَنِ الهُدى، أيْ كَيْفَ أمْكَنَ لَهم أنْ يَصْرِفُوا أنْفُسَهم عَنِ الهُدى، أوْ كَيْفَ أمْكَنَ لِمُضَلِّلِيهِمْ أنْ يَصْرِفُوهم عَنِ الهُدى مَعَ وُضُوحِ دَلائِلِهِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
63:5Page 555
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥
And when it is said to them, "Come, the Messenger of Allāh will ask forgiveness for you," they turn their heads aside and you see them evading while they are arrogant.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ .
هَذا حالُهم في العِنادِ ومُجافاةِ الرَّسُولِ ﷺ والإعْراضِ عَنِ التَّفَكُّرِ في الآخِرَةِ، بَلْهَ الِاسْتِعْدادِ لِلْفَوْزِ فِيها.
و(﴿تَعالَوْا﴾) طَلَبٌ مِنَ المُخاطَبِ بِالحُضُورِ عِنْدَ الطّالِبِ، وأصْلُهُ فِعْلُ أمْرٍ مِنَ التَّعالِي، وهو تَكَلُّفُ العُلُوِّ، أيِ الصُّعُودِ، وتُنُوسِيَ ذَلِكَ وصارَ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الحُضُورِ، فَلَزِمَ حالَةً واحِدَةً فَصارَ اسْمَ فِعْلٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآيَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وهَذا الطَّلَبُ يَجْعَلُ (﴿تَعالَوْا﴾) مُشْعِرًا بِأنَّ هَذِهِ حالَةٌ مِن أحْوالِ انْفِرادِهِمْ في جَماعَتِهِمْ فَهي ثالِثُ الأغْراضِ مِن بَيانِ مُخْتَلَفِ أنْواعِ تِلْكَ الأحْوالِ، وقَدِ ابْتُدِأتْ بِ إذا كَما ابْتُدِئَ الغَرَضانِ السّابِقانِ بِ إذا ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] . و﴿إذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] .
والقائِلُ لَهم ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضَ المُسْلِمِينَ وعَظُوهم ونَصَحُوهم، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بَعْضٌ مِنهُمُ اهْتَدى وأرادَ الإنابَةَ.
قِيلَ المَقُولُ لَهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] وما بَعْدَهُ.
والمَعْنى: اذْهَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ وسَلُوهُ الِاسْتِغْفارَ لَكم. وهَذا يَدُلُّ دَلالَةَ اقْتِضاءٍ عَلى أنَّ المُرادَ تُوبُوا مِنَ النِّفاقِ وأخْلِصُوا الإيمانَ وسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكم ما فَرَطَ مِنكم، فَكانَ الَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ مُطَّلِعًا عَلى نِفاقِهِمْ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في
صفحة ٢٤٤
سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] .
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ الصَّفْحَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . لِأنَّ ابْنَ أُبَيٍّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبَرَّأ مِن أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ ولِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] .
ولَيُّ الرُّءُوسِ: إمالَتُها إلى جانِبٍ غَيْرِ وُجاهِ المُتَكَلِّمِ. إعْراضًا عَنْ كَلامِهِ، أيْ أبَوْا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى النِّفاقِ، أوْ لِأنَّهم غَيْرُ راجِعِينَ فِيما قالُوهُ مِن كَلامٍ بَذِيءٍ في جانِبِ المُسْلِمِينَ، أوْ لِئَلّا يُلْزَمُوا بِالِاعْتِرافِ بِما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّفاقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَوَّوْا) بِتَشْدِيدِ الواوِ الأُولى مُضاعَفُ (لَوى) لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ فَيَقْتَضِي كَثْرَةَ اللَّيِّ مِنهم، أيْ لَوى جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنهم رُءُوسَهم، وقَرَأ نافِعٌ ورَوْحُ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ الواوِ الأُولى اكْتِفاءً بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ.
والخِطابُ في ورَأيْتَهم لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ ورَأيْتَهم يا مَن يَراهم حِينَئِذٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصُدُّونَ، أيْ يَصُدُّونَ صَدَّ المُتَكَبِّرِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِغْفارِ.
63:6Page 555
سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦
It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allāh forgive them. Indeed, Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ أحْوالِهِمْ نَشَأتْ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] إلَخْ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ: سَواءٌ عَلَيْهِ أكَذا أمْ كَذا، ونَحْوَهُ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَيَلْزَمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ ما يُناسِبُها مِن ضَمائِرِ المُخْبِرِ عَنْهُ. ومَدْلُولُهُ اسْتِواءُ الأمْرَيْنِ لَدى المَجْرُورِ بِحَرْفِ عَلى، ولِذَلِكَ يُعَقَّبُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ جِهَةَ الِاسْتِواءِ كَجُمْلَةِ ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وجُمْلَةِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] في سُورَةِ يس وأمّا ما يُنْسَبُ إلى بُثَيْنَةَ في رِثاءِ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ مِن قَوْلِها:
صفحة ٢٤٥
سَواءٌ عَلَيْنا يا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إذا مِتَّ بَأْساءُ الحَياةِ ولِينُها
فَلا أحْسَبُهُ صَحِيحَ الرِّوايَةِ.
وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى مُساوٍ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجامِدِ في الغالِبِ فَلا يَتَغَيَّرُ خَبَرُهُ نَقُولُ: هُما سَواءٌ، وهم سَواءٌ. وشَذَّ قَوْلُهُ: سِواءَيْنِ.
وعَلى مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى تَمَكُّنِ الوَصْفِ. فالمَعْنى: سَواءٌ فِيهِمْ.
وهَمْزَةُ (﴿أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾) أصْلُها هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى: سَواءٌ عِنْدَهم سُؤالُ السّائِلِ عَنْ وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وسُؤالُ السّائِلِ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِهِ. وهو اسْتِفْهامٌ مَجازِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِكَلا الحالَيْنِ بِقَرِينَةِ لَفْظِ سَواءٍ ولِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحاةُ هَذِهِ الهَمْزَةَ التَّسْوِيَةَ. وتَقَدِّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ سَواءٌ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وعَدَمُهُ. فَ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو التَّمَكُّنُ والتَّلَبُّسُ فَتَئُولُ إلى مَعْنى عِنْدَ كَما تَقُولُ سَواءٌ عَلَيَّ أرَضِيتُ أمْ غَضِبْتُ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [المنافقون: ٧] وهي وعِيدٌ لَهم وجَزاءٌ عَلى اسْتِخْفافِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* * *
﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ اللُّطْفَ والعِنايَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences