Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الذاريات
Adh-Dhariyat
The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs
51:1–6Page 520
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١
By the [winds] scattering [dust], dispersing [it]
فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢
And the [clouds] carrying a load [of water]
فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣
And the ships sailing with ease
فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤
And the [angels] apportioning [each] matter,
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥
Indeed, what you are promised is true.
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦
And indeed, the recompense is to occur.
﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لِصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لِواقِعٌ﴾
القَسَمُ المُفْتَتَحُ بِهِ مُرادٌ مِنهُ تَحْقِيقُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَأْكِيدُ وُقُوعِهِ وقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ بِعَظِيمٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو في المَعْنى قَسَمٌ بِقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ومُتَضَمِّنٌ تَشْرِيفَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ بِما في أحْوالِها مِن نِعَمٍ ودَلالَةٍ عَلى الهُدى والصَّلاحِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيما أوْجَدَ فِيها.
والمُقْسَمُ بِها الصِّفاتُ تَقْتَضِي مَوْصُوفاتِها، فَآلَ إلى القَسَمِ بِالمَوْصُوفاتِ لِأجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ. وفي ذَلِكَ إيجازٌ دَقِيقٌ، عَلى أنَّ في طَيِّ ذِكْرِ المَوْصُوفاتِ تَوْفِيرًا لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّفاتُ مِن مَوْصُوفاتٍ صالِحَةٍ بِها لِتَذْهَبَ أفْهامُ السّامِعِينَ في تَقْدِيرِها كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
صفحة ٣٣٧
وعَطْفُ تِلْكَ الصِّفاتِ بِالفاءِ يَقْتَضِي تَناسُبَها وتَجانُسَها، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ لِجِنْسٍ واحِدٍ وهو الغالِبُ في عَطْفِ الصِّفاتِ بِالفاءِ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيابَةَ:
يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةَ المَوْصُوفاتِ إلّا أنَّ مَوْصُوفاتِها مُتَقارِبَةٌ مُتَجانِسَةٌ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ∗∗∗ فَتَوْضِحَ فالمِقْراةِ. . . . . . . . . . . .
وقَوْلُ لَبِيدٍ:
بِمَشارِقِ الجَبَلَيْنِ أوْ بِمُحَجَّرٍ ∗∗∗ فَتَضَمَّنَتْها فَرْدَةٌ فَرُخامُها
فَصَوائِقٌ إنْ أيْمَنَتْ. . . . . . . . . . . ∗∗∗ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَيْتَ
ويَكْثُرُ ذَلِكَ في عَطْفِ البِقاعِ المُتَجاوِرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
واخْتَلَفَ أئِمَّةُ السَّلَفِ في مَحْمَلِ هَذِهِ الأوْصافِ ومَوْصُوفاتِها. وأشْهَرُ ما رُوِيَ عَنْهم في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ الذّارِياتِ الرِّياحُ لِأنَّها تَذْرُو التُّرابَ، والحامِلاتِ وِقْرًا: السَّحابُ، والجارِياتِ: السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ أمْرًا المَلائِكَةُ، وهو يَقْتَضِي اخْتِلافَ الأجْناسِ المُقْسَمِ بِها.
وتَأْوِيلُهُ أنَّ كُلَّ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ يُسَبِّبُ ذِكْرَ المَعْطُوفِ لِالتِقائِهِما في الجامِعِ الخَيالِيِّ، فالرِّياحُ تُذَكِّرُ بِالسَّحابِ، وحَمْلُ السَّحابِ وقْرَ الماءِ يُذَكِّرُ بِحَمْلِ السُّفُنِ، والكُلُّ يُذَكِّرُ بِالمَلائِكَةِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعْلَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ وصْفًا لِلرِّياحِ قالَهُ في الكَشّافِ ونُقِلَ بَعْضُهُ عَنِ الحَسَنِ واسْتَحْسَنَهُ الفَخْرُ، وهو الأنْسَبُ لِعَطْفِ الصِّفاتِ بِالفاءِ.
صفحة ٣٣٨
فالأحْسَنُ أنْ يُحْمَلَ الذَّرْوُ عَلى نَشْرِ قِطَعِ السَّحابِ نَشْرًا يُشْبِهُ الذَّرْوَ. وحَقِيقَةُ الذَّرْوِ رَمْيُ أشْياءَ مُجْتَمِعَةٍ تُرْمى في الهَواءِ لِتَقَعَ عَلى الأرْضِ مِثْلَ الحَبِّ عِنْدَ الزَّرْعِ ومِثْلَ الصُّوفِ وأصْلُهُ ذَرْوُ الرِّياحِ التُّرابَ فَشُبِّهَ بِهِ دَفْعُ الرِّيحِ قِطَعَ السَّحابِ حَتّى تَجْتَمِعَ فَتَصِيرَ سَحابًا كامِلًا فالذّارِياتُ تَنْشُرُ السَّحابَ ابْتِداءً كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [الروم: ٤٨] . والذَّرْوُ وإنْ كانَ مِن صِفَةِ الرِّياحِ فَإنَّ كَوْنَ المَذْرُوِّ سَحابًا يُؤَوَّلُ إلى أنَّهُ مِن أحْوالِ السَّحابِ وقِيلَ ذَرْوُها التُّرابَ وذَلِكَ قَبْلَ نَشْرِها السُّحُبَ وهو مُقَدِّمَةٌ لِنَشْرِ السَّحابِ.
ونَصْبُ ”ذَرْوًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإرادَةِ تَفْخِيمِهِ بِالتَّنْوِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَذْرُوِّ، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
والحامِلاتِ وِقْرًا هي الرِّياحُ حِينَ تَجَمُّعِ السَّحابِ وقَدْ ثَقُلَ بِالماءِ، شَبَّهَ جَمْعَها إيّاهُ بِالحَمْلِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ أنْ يَحْمِلَهُ الحامِلُ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [الروم: ٤٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] .
والوِقْرُ بِكَسْرِ الواوِ: الشَّيْءُ الثَّقِيلُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحامِلاتُ الأسْحِبَةَ الَّتِي مُلِئَتْ بِبُخارِ الماءِ الَّذِي يَصِيرُ مَطَرًا، عُطِفَتْ بِالفاءِ عَلى الذّارِياتِ بِمَعْنى الرِّياحِ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْها فَكَأنَّها هي.
والجارِياتِ يُسْرًا: الرِّياحُ تَجْرِي بِالسَّحابِ بَعْدَ تَراكُمِهِ وقَدْ صارَ ثَقِيلًا بِماءِ المَطَرِ، فالتَّقْدِيرُ: فالجارِي بِذَلِكَ الوِقْرِ يُسْرًا.
ومَعْنى اليُسْرِ: اللِّينُ والهَوْنُ، أيِ الجارِياتُ جَرْيًا لَيِّنًا هَيِّنًا شَأْنَ السَّيْرِ بِالثِّقَلِ، كَما قالَ الأعْشى:
كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَشْيُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
فَـ ”يُسْرًا“ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ.
والمُقَسِّماتِ أمْرًا الرِّياحُ الَّتِي تَنْتَهِي بِالسَّحابِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَبْلُغُ
صفحة ٣٣٩
عِنْدَهُ نُزُولُ ما في السَّحابِ مِنَ الماءِ أوْ هي السُّحُبُ الَّتِي تُنْزِلُ ما فِيها مِنَ المَطَرِ عَلى مَواضِعَ مُخْتَلِفَةٍ.
وإسْنادُ التَّقْسِيمِ إلَيْها عَلى المَعْنَيَيْنِ مَجازٌ بِالمُشابَهَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ المُقَسِّماتُ: السُّحُبُ يَقْسِمُ اللَّهُ بِها أرْزاقَ العِبادِ اهـ. يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] في سُورَةِ ق.
ومِن رَشاقَةِ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ فِيهِ مُناسَبَةً بَيْنَ المُقْسَمِ بِهِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ فَإنَّ أحْوالَ الرِّياحِ المَذْكُورَةِ هُنا مَبْدَؤُها: نَفْخٌ، فَتَكْوِينٌ، فَإحْياءٌ، وكَذَلِكَ البَعْثُ مَبْدَؤُهُ: نَفْخٌ في الصُّورِ، فالتِئامُ أجْسادِ النّاسِ الَّتِي كانَتْ مَعْدُومَةً أوْ مُتَفَرِّقَةً، فَبَثُّ الأرْواحَ فِيها فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”أمْرًا“ إشارَةً إلى ما يُقابِلُهُ في المِثالِ مِن أسْبابِ الحَياةِ وهو الرُّوحُ لِقَوْلِهِ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] .
و(ما) مِن قَوْلِهِ ”إنَّما تُوعَدُونَ“ مَوْصُولَةٌ، أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ لِصادِقٌ.
والخِطابُ في ”تُوعَدُونَ“ لِلْمُشْرِكِينَ كَما هو مُقْتَضى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وكَما يَقْتَضِيهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] .
فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ تُوعَدُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي ماضِيهِ أوْعَدَ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ فَأصْلُ تُوعَدُونَ تُئَوْعَدُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ تاءِ المُضارَعَةِ وواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ هي عَيْنُ فِعْلِ أوْعَدَ وبِفَتْحِ العَيْنِ لِأجْلِ البِناءِ المَجْهُولِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى ما هو المُطَّرِدُ مِن حَذْفِ هَمْزَةِ ”أُفْعِلُ“ في المُضارِعِ مِثْلَ تُكْرِمُونَ، وسَكَنَتِ الواوُ سُكُونًا مَيِّتًا لِأجْلِ وُقُوعِ الضَّمَّةِ قَبْلَها بَعْدَ أنْ كانَ سُكُونُها حَيًّا فَصارَ ”تُوعَدُونَ“ ووَزْنُهُ تَفْعَلُونَ.
والَّذِي أُوعِدُوهُ عَذابُ الآخِرَةِ وعَذابُ الدُّنْيا مِثْلُ الجُوعِ في سِنِي القَحْطِ السَّبْعِ الَّذِي هو دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِينِ يُوسُفَ» وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] الآيَةُ في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِثْلُ عَذابِ السَّيْفِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .
صفحة ٣٤٠
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُوعَدُونَ مِنَ الوَعْدِ، أيِ الإخْبارِ بِشَيْءٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥] فَوَزْنُهُ تُفْعَلُونَ. والمُرادُ بِالوَعْدِ الوَعْدُ بِالبَعْثِ.
ووَصْفُ ”لَصادِقٌ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ إذِ الصّادِقُ هو المُوعَدُ بِهِ عَلى نَحْوِ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] .
والدِّينُ: الجَزاءُ. والمُرادُ إثْباتُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.
ومَعْنى ”لَواقِعٌ“ واقِعٌ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ جَعْلِهِ مُرَتَّبًا في الذِّكْرِ عَلى ما يُوعَدُونَ وإنَّما يَكُونُ حُصُولُ المَوْعُودِ بِهِ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ، وفي ذِكْرِ الجَزاءِ زِيادَةٌ عَلى الكِنايَةِ بِهِ عَنْ إثْباتِ البَعْثِ، تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ.
وكُتِبَ في المَصاحِفِ (إنَّما) مُتَّصِلَةً وهو عَلى غَيْرِ قِياسِ الرَّسْمِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مِن بَعْدُ لِأنَّهُما كَلِمَتانِ لَمْ تَصِيرا كَلِمَةً واحِدَةً، بِخِلافِ (إنَّما) الَّتِي هي لِلْقَصْرِ. ولَمْ يَكُنِ الرَّسْمُ في زَمَنِ كِتابَةِ المَصاحِفِ في أيّامِ الخَلِيفَةِ عُثْمانَ قَدْ بَلَغَ تَمامَ ضَبْطِهِ.
51:7–9Page 521
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧
By the heaven containing pathways,1
إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨
Indeed, you are in differing speech.1
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.
﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾
هَذا قَسَمٌ أيْضًا لِتَحْقِيقِ اضْطِرابِ أقْوالِهِمْ في الطَّعْنِ في الدِّينِ وهو كالتَّذْيِيلِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ خاصٌّ بِإثْباتِ الجَزاءِ. وهَذا يَعُمُّ إبْطالَ أقْوالِهِمُ الضّالَّةِ فالقَسَمُ لِتَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّهم غَيْرُ شاعِرِينَ بِحالِهِمُ المُقْسَمِ عَلى وُقُوعِهِ، ومُتَهالِكُونَ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنهُ، فَهم مُنْكِرُونَ لِما في أقْوالِهِمْ مِنِ اخْتِلافٍ واضْطِرابٍ جاهِلُونَ بِهِ جَهْلًا مُرَكَّبًا والجَهْلُ المُرَكَّبُ إنْكارٌ لِلْعِلْمِ الصَّحِيحِ.
والقَوْلُ في القَسَمِ بِـ ”السَّماءِ“ كالقَوْلِ في القَسَمِ بِـ الذّارِياتِ.
ومُناسَبَةُ هَذا القَسَمِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ في وصْفِ السَّماءِ بِأنَّها ذاتُ حُبُكٍ، أيْ طَرائِقَ لِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ: إنَّ قَوْلَهم مُخْتَلِفٌ طَرائِقَ قِدَدًا ولِذَلِكَ وصَفَ المُقْسَمَ بِهِ لِيَكُونَ إيماءً إلى نَوْعِ جَوابِ القَسَمِ.
صفحة ٣٤١
والحُبُكُ: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِباكٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ ومِثالٍ ومُثُلٍ، أوْ جَمْعُ حَبِيكَةٍ مِثْلُ طَرِيقَةٍ وطُرُقٍ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُبُكِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو إجادَةُ النَّسْجِ وإتْقانُ الصُّنْعِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِحُبُكِ السَّماءِ نُجُومُها لِأنَّها تُشْبِهُ الطَّرائِقَ المُوَشّاةَ في الثَّوْبِ المَحْبُوكِ المُتْقَنِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقِيلَ الحُبُكُ: طَرائِقُ المَجَرَّةِ الَّتِي تَبْدُو لَيْلًا في قُبَّةِ الجَوِّ.
وقِيلَ: طَرائِقُ السَّحابِ. وفُسِّرَ الحُبُكُ بِإتْقانِ الخَلْقِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم جَعَلُوا الحُبُكَ مَصْدَرًا أوِ اسْمَ مَصْدَرٍ، ولَعَلَّهُ مِنَ النّادِرِ: وإجْراءُ هَذا الوَصْفِ عَلى السَّماءِ إدْماجٌ أُدْمِجَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الِامْتِنانِ بِحُسْنِ المَرْأى.
واعْلَمْ أنَّ رِوايَةً رُويَتْ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قَرَأ ”الحِبُكِ“ بِكَسْرِ الحاءِ وضَمَّ الباءِ وهي غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى لُغَةٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وجَعَلَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ الحِبُكَ شاذًّا فالظَّنُّ أنَّ راوِيَها أخْطَأ لِأنَّ وزْنَ فِعُلٍ بِكَسْرِ الفاءِ وضَمِّ العَيْنِ وزْنٌ مُهْمَلٌ في لُغَةِ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِشِدَّةٍ ثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ مِمّا سَلِمَتْ مِنهُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ. ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها مِن تَداخُلِ اللُّغاتِ وهو تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ إعْمالَ تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ إنَّما يُقْبَلُ إذا لَمْ يُفْضِ إلى زِنَةٍ مَهْجُورَةٍ لِأنَّها إذا هُجِرَتْ بِالأصالَةِ فَهَجْرُها في التَّداخُلِ أجْدَرُ ووَجَّهَها أبُو حَيّانَ بِاتِّباعِ حَرَكَةِ الحاءِ لِحَرَكَةِ تاءِ ”ذاتِ“ وهو أضْعَفُ مِن تَوْجِيهِ تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ فَلا جَدْوى في التَّكَلُّفِ.
والقَوْلُ المُخْتَلِفُ: المُتَناقِضُ الَّذِي يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَيَقْتَضِي بَعْضُهُ إبْطالَ بَعْضِ الَّذِي هم فِيهِ، هو جَمِيعُ أقْوالِهِمْ والقُرْآنُ والرَّسُولُ ﷺ وكَذَلِكَ أقْوالُهم في دِينِ الإشْراكِ فَإنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُضْطَرِبَةٌ مُتَناقِضَةٌ فَقالُوا: القُرْآنُ سِحْرٌ وشِعْرٌ، وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وقالُوا إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ، وقالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا وقالُوا: مَرَّةً (﴿فِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]) وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالُوا: وحْيُ الشَّياطِينِ.
وقالُوا في الرَّسُولِ ﷺ أقْوالًا: شاعِرٌ، ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، كاهِنٌ، يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، بَعْدَ أنْ كانُوا يُلَقِّبُونَهُ الأمِينَ.
صفحة ٣٤٢
وقالُوا في أُصُولِ شِرْكِهِمْ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي شِدَّةُ المُلابَسَةِ الشَّبِيهَةِ بِمُلابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ مِثْلَ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] .
والمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ الكِنايَةُ عَنْ لازِمِ الِاخْتِلافِ وهو التَّرَدُّدُ في الِاعْتِقادِ، ويَلْزَمُهُ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ وذَلِكَ مَصَبُّ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ ”إنَّ“ واللّامِ.
ويُؤْفَكُ: يُصْرَفُ. والأفْكُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ: الصَّرْفُ. وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الصَّرْفِ عَنْ أمْرٍ حَسَنٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ كَما في اللِّسانِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ والفَرّاءِ وشَمَرٍ وذَلِكَ مَدْلُولُهُ في مَواقِعِهِ مِنَ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِـ ”﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ البَيانِيَّةِ والجُمْلَةِ المُبَيَّنِ عَنْها.
ثُمَّ إنَّ لَفْظَ“ قَوْلٍ ”يَقْتَضِي شَيْئًا مَقُولًا في شَأْنِهِ فَإذْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ“ قَوْلِ ”ما يَدُلُّ عَلى مَقُولٍ صَلَحَ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمُ الَّتِي اخْتَلَقُوها في شَأْنِهِ لِلْقُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ كَما تَقَدَّمَ.
فَلَمّا جاءَ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ بَعْدَ لَفْظِ“ قَوْلٍ ”احْتَمَلَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى“ قَوْلٍ ”لِأنَّهُ مَذْكُورٌ، وأنْ يَعُودَ إلى أحْوالِ المَقُولِ في شَأْنِهِ فَقِيلَ ضَمِيرٌ عَنْهُ عائِدٌ إلى“ قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ”وأنَّ مَعْنى“ يُؤْفَكُ عَنْهُ ”يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ، أيْ يُصْرَفُ المَصْرُوفُونَ عَنِ الإيمانِ فَتَكُونُ عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقِيلَ ضَمِيرُ“ عَنْهُ ”عائِدٌ إلى“ ما تُوعَدُونَ ”أوْ عائِدٌ إلى“ الدِّينِ ”، أيِ الجَزاءُ أنْ يُؤْفَكَ عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ مَن أُفِكَ. وعَنِ
صفحة ٣٤٣
الحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ أوْ إلى الدِّينِ أيْ لِأنَّهُما مِمّا جَرى القَوْلُ في شَأْنِهِما، وحَرْفُ (عَنْ) لِلْمُجاوَزَةِ.
وعَلى كُلٍّ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ“ مَن أُفِكَ ”المُشْرِكُونَ المَصْرُوفُونَ عَنِ التَّصْدِيقِ. والمُرادُ بِالَّذِي فَعَلَ الإفْكَ المَجْهُولَ المُشْرِكُونَ الصّارِفُونَ لِقَوْمِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وهُما الفَرِيقانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
وإنَّما حُذِفَ فاعِلُ“ يُؤْفَكُ " وأُبْهِمَ مَفْعُولُهُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلِاسْتِيعابِ مَعَ الإيجازِ.
وقَدْ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ تَبِعَةَ أنْفُسِهِمْ وتَبِعَةَ المَغْرُورِينَ بِأقْوالِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] .
51:10–11Page 521
قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠
Destroyed are the misinformers1
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
Who are within a flood [of confusion] and heedless.
﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾
دُعاءٌ بِالهَلاكِ عَلى أصْحابِ ذَلِكَ القَوْلِ المُخْتَلِفِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِقَتْلِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يُقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أُجْرِيَ مَجْرى اللَّعْنِ والتَّحْقِيرِ والتَّعْجِيبِ مِن سُوءِ أحْوالِ المَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذا.
وجُمْلَةُ الدُّعاءِ لا تُعْطَفُ لِأنَّها شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها مِما أوْجَبَ ذَلِكَ الوَصْفَ لِدُخُولِهِمْ في هَذا الدُّعاءِ، كَما كانَ تَعْقِيبُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها بِها إيماءً إلى أنَّ ما قَبْلَها سَبَبٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ.
والخَرْصُ: الظَّنُّ الَّذِي لا حُجَّةَ لِصاحِبِهِ عَلى ظَنِّهِ، فَهو مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ في ظَنِّهِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الضَّلالِ عَمْدًا أوْ تَساهُلًا، فالخَرّاصُونَ هم أصْحابُ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، فَأفادَ أنَّ قَوْلَهُمُ المُخْتَلِفَ ناشِئٌ عَنْ خَواطِرَ لا دَلِيلَ عَلَيْها. وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] فالمُرادُ هُنا الخَرْصُ بِالقَوْلِ في ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الخَرْصَ في أُصُولِ الِاعْتِقادِ مَذْمُومٌ لِأنَّها لا تُبْنى إلّا عَلى اليَقِينِ لِخَطَرِ أمْرِها وهو أصْلُ مَحَلِّ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ٣٤٤
وأمّا الخَرْصُ في المُعامَلاتِ بَيْنَ النّاسِ فَلا يُذَمُّ هَذا الذَّمَّ وبَعْضُهُ مَذْمُومٌ إذا أدّى إلى المُخاطَرَةِ والمُقامَرَةِ. وقَدْ أُذِنَ في بَعْضِ الخَرْصِ لِلْحاجَةِ. فَفي المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرايا بِخَرْصِها» يَعْنِي في بَيْعِ ثَمَرَةِ النَّخَلاتِ المُعْطاةِ عَلى وُجْهَةِ العَرِيَّةِ وهي هِبَةُ مالِكِ النَّخْلِ ثَمَرَ بَعْضِ نَخْلِهِ لِشَخْصٍ لِسَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإنَّ الأصْلَ أنْ يَقْبِضَ ثَمَرَتَها عِنْدَ جِذاذِ النَّخْلِ فَإذا بَدا لِصاحِبِ الحائِطِ شِراءُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طِيبِها رُخِّصَ أنْ يَبِيعَها المُعْرى بِالفَتْحِ لِلْمُعْرِي بِالكَسْرِ إذا أرادَ المُعْرِي ذَلِكَ فَيَخْرُصُ ما تَحْمِلُهُ النَّخَلاتُ مِنَ الثَّمَرِ عَلى أنْ يُعْطِيَهُ عِنْدَ الجِذاذِ ما يُساوِي ذَلِكَ المَخْرُوصَ إذا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا وحُدِّدَ بِخَمْسَةِ أوْسُقٍ فَأقَلَّ لِيَدْفَعَ صاحِبُ النَّخْلِ عَنْ نَفْسِهِ تَطَرُّقَ غَيْرِهِ لِحائِطِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَها عَطِيَّةٌ فَلَمْ يَدْخُلْ إضْرارٌ عَلى المُعْرِي مِن ذَلِكَ.
والغَمْرَةُ: المَرَّةُ مِنَ الغَمْرِ، وهو الإحاةُ ويُفَسِّرُها ما تُضافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] فَإذا لَمْ تُقَيَّدْ بِإضافَةٍ فَإنَّ تَعْيِينَها بِحَسَبِ المَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ: في شُغُلٍ، أيْ ما يَشْغَلُهم مِن مُعاداةِ الإسْلامِ شَغْلًا لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ أنْ يَتَدَبَّرُوا في دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ .
والسَّهْوُ: الغَفْلَةُ. والمُرادُ أنَّهم مُعْرِضُونَ إعْراضًا كَإعْراضِ الغافِلِ وما هم بِغافِلِينَ فَإنَّ دَعْوَةَ القُرْآنِ تَقْرَعُ أسْماعَهَمْ كُلَّ حِينٍ واسْتِعْمالُ مادَّةِ السَّهْوِ فِيِ هَذا المَعْنى نَظِيرُ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] .
51:12–14Page 521
يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢
They ask, "When is the Day of Recompense?"
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
[It is] the Day they will be tormented over the Fire
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."
﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكم هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”الخَرّاصُونَ“ وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أفادَتْ تَعْجِيبًا مِن سُوءِ عُقُولِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَهو مَثارُ سُؤالٍ في نَفْسِ السّامِعِ يَتَطَلَّبُ البَيانَ، فَأُجِيبَ بِأنَّهم يَسْألُونَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ سُؤالَ مُتَهَكِّمِينَ، يَعْنُونَ أنَّهُ لا وُقُوعَ لِيَوْمِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ٣] .
صفحة ٣٤٥
و﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”يَسْألُونَ“ لِأنَّ في فِعْلِ السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَقُولُونَ: أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ”يَسْألُونَ“ لِتَفْصِيلِ إجْمالِهِ وهو مِن نَوْعِ البَدَلِ المُطابِقِ.
و”أيّانَ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنْ زَمانِ فِعْلٍ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ مَبْنِيٍّ عَلى الفَتْحِ، أيْ مَتى يَوْمُ الدِّينِ، ويَوْمُ الدِّينِ زَمانٌ فالسُّؤالُ عَنْ زَمانِهِ آيِلٌ إلى السُّؤالِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ، فالتَّقْدِيرُ: أيّانَ وُقُوعُ يَوْمِ الدِّينِ، أوْ حُلُولُهُ، كَما تَقُولُ: مَتى يَوْمُ رَمَضانَ أيْ مَتى ثُبُوتُهُ لِأنَّ أسْماءَ الزَّمانِ حَقُّها أنْ تَقَعَ ظُرُوفًا لِلْأحْداثِ لا لِلْأزْمِنَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ جَرى عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ مِن تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ إذْ هم حِينَ قالُوا: أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ، أرادُوا التَّهَكُّمَ والإحالَةَ فَتَلَقِّي كَلامِهِمْ بِغَيْرِ مُرادِهِمْ لِأنَّ في الجَوابِ ما يَشْفِي وقْعَ تَهَكُّمِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
والمَعْنى: يَوْمُ الدِّينِ يَقَعُ يَوْمَ تَصْلَوْنَ النّارَ ويُقالُ لَكم: ذُوقُوا فِتْنَتَكم.
وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤالُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ.
والتَّقْدِيرُ: يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ.
والفَتْنُ: التَّعْذِيبُ والتَّحْرِيقُ، أيْ يَوْمَ هم يُعَذَّبُونَ عَلى نارِ جَهَنَّمَ وأصْلُ الفَتْنِ الِاخْتِيارُ. وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى مَعانٍ مِنها إذابَةُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ في البَوْتَقَةِ لِاخْتِيارِ ما فِيهِ مِن مَعْدِنٍ غَيْرِ ذَهَبٍ، ولا يُذابُ إلّا بِحَرارَةِ نارٍ شَدِيدَةٍ فَهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإحْراقِ الشَّدِيدِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ، أيْ يُقالُ لَهم حِينَئِذٍ، أوْ مَقُولًا لَهم ذُوقُوا فِتْنَتَكم، أيْ عَذابَكم. والأمْرُ في قَوْلِهِ ”ذُوقُوا“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْكِيلِ.
صفحة ٣٤٦
والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ القَوِيِّ لِأنَّ اللِّسانَ أشَدُّ الأعْضاءِ إحْساسًا.
وإضافَةُ فِتْنَةٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. وفي الإضافَةِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصِها لَهم لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. والمَعْنى: ذُوقُوا جَزاءَ فِتْنَتِكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ تَكْذِيبِكم.
ويَقُومُ مِن هَذا الوَجْهِ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مُوَجَّهًا بِتَذْكِيرِ المُخاطَبِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما كانُوا يَفْتِنُونَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّعْذِيبِ مِثْلَ ما فَتَنُوا بِلالًا وخَبّابًا وعَمّارًا وشُمَيْسَةَ وغَيْرَهم، أيْ هَذا جَزاءُ فِتْنَتِكم. وجَعَلَ المَذُوقَ فِتْنَتَهم إظْهارًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَنْ فِتْنَتِهِمُ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا نَدامَةً قالَ تَعالى مُوعِدًا إيّاهم ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] .
وإطْلاقُ اسْمِ العَمَلِ عَلى جَزائِهِ وارِدٌ في القُرْآنِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ تَجْعَلُونَ جَزاءَ رِزْقِ اللَّهِ إيّاكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وحْدانِيَّتَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى الشَّيْءِ الحاضِرِ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ، وهَكَذا الشَّأْنُ في مِثْلِهِ تَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى ﴿كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ فالسِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، أيْ كُنْتُمْ في الدُّنْيا تَسْألُونَ تَعْجِيلَهُ وهو طَلَبٌ يُرِيدُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ واقِعٍ.
وأقْوالُهم في هَذا كَثِيرَةٌ حَكاها القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] .
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ في مَقامِ التَّوْبِيخِ وتَعْدِيدِ المَجارِمِ، كَما يُقالُ لِلْمُجْرِمِ: فَعَلْتَ كَذا، وهي مِن مَقُولِ القَوْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences