Ibn 'AshurAl‑Insan · 76:7–14

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:7–14

76:7Page 579

يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥]) إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]) إلَخْ. وهَذا الِاعْتِراضُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مِن شَأْنِ الكَلامِ السّابِقِ أنْ يُثِيرَهُ في نَفْسِ السّامِعِ المُغْتَبِطِ بِأنْ يَنالَ مِثْلَ ما نالُوا مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ في الآخِرَةِ. فَيَهْتَمُّ بِأنْ يَفْعَلَ مِثْلَما فَعَلُوا، فَذَكَرَ بَعْضَ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ الَّتِي هي مِن آثارِ الإيمانِ مَعَ التَّعْرِيضِ لَهم بِالِاسْتِزادَةِ مِنها في الدُّنْيا.

والكَلامُ إخْبارٌ عَنْهم صادِرٌ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، بَعْضُهُ وصْفٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْضُهُ وصْفٌ لِبَعْضِ حالِهِمْ في الدُّنْيا المُوجِبِ لِنَوالِ ما نالُوهُ في الآخِرَةِ، فَلا حاجَةَ إلى قَوْلِ الفَرّاءِ: إنَّ في الكَلامِ إضْمارًا. وتَقْدِيرُهُ: كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الأبْرارِ وضَمِيرِهِمْ لِأنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها فَلَوْ جُعِلَتْ حالًا لَكانَتْ قَيْدًا لِـ (يَشْرَبُونَ)، ولَيْسَ وفاؤُهم بِالنَّذْرِ بِحاصِلٍ في وقْتِ شُرْبِهِمْ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ بَلْ هو بِما أسْلَفُوهُ في الحَياةِ الدُّنْيا.

والوَفاءُ: أداءُ ما وجَبَ عَلى المُؤَدِّي وافِيًا دُونَ نَقْصٍ ولا تَقْصِيرٍ فِيهِ.

والنَّذْرُ: ما يَعْتَزِمُهُ المَرْءُ ويَعْقِدُ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ:

والنّاذِرَيْنِ إذا لَمْ ألْقَهُما دَمِي

والمُرادُ بِهِ هُنا ما عَقَدُوا عَلَيْهِ عَزْمَهم مِنَ الإيمانِ والِامْتِثالِ وهو ما اسْتَحَقُّوا بِهِ صِفَةَ (الأبْرارِ) .

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ (النَّذْرِ) ما يُنْذِرُونَهُ مِن فِعْلِ الخَيْرِ المُتَقَرَّبِ بِهِ إلى اللَّهِ، أيْ يُنْشِئُونَ النُّذُورَ بِها لِيُوجِبُوها عَلى أنْفُسِهِمْ.

وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ وفائِهِمْ بِما عَقَدُوا عَلَيْهِ ضَمائِرَهم مِن

صفحة ٣٨٣

الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهم يُكْثِرُونَ نَذْرَ الطّاعاتِ وفِعْلَ القُرُباتِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الوَفاءُ بِالنَّذْرِ مَوْجِبًا الثَّناءَ عَلَيْهِمْ.

والتَّعْرِيفُ في النَّذْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَهو يَعُمُّ كُلَّ نَذْرٍ.

وعُطِفَ عَلى (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾) قَوْلُهُ (﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾) لِأنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِالعَمَلِ بِما يُنْذِرُونَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حُسْنِ نِيَّتِهِمْ وتَحَقُّقِ إخْلاصِهِمْ في أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّياتِ فَجُمِعَ لَهم بِهَذا صِحَّةُ الِاعْتِقادِ وحُسْنُ الأعْمالِ.

وخَوْفُهُمُ اليَوْمَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ جَرى في تَعَلُّقِ اليَوْمِ بِالخَوْفِ لِأنَّهم إنَّما يَخافُونَ ما يَجْرِي في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ السَّيِئَةِ بِالعِقابِ فَعُلِّقَ فِعْلُ الخَوْفِ بِزَمانِ الأشْياءِ المَخُوفَةِ.

وانْتَصَبَ (يَوْمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (يَخافُونَ) ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ بِالخَوْفِ خَوْفُهم في الدُّنْيا مِن ذُنُوبٍ تَجُرُّ إلَيْهِمُ العِقابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَخافُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ آمِنُونَ.

ووُصِفَ اليَوْمُ بِأنَّ لَهُ شَرًّا مُسْتَطِيرًا وصْفًا مُشْعِرًا بِعِلَّةِ خَوْفِهِمْ إيّاهُ. فالمَعْنى: أنَّهم يَخافُونَ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَتَجَنَّبُونَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى شَرِّهِ مِنَ الأعْمالِ المُتَوَعَّدِ عَلَيْها بِالعِقابِ.

والشَّرُّ: العَذابُ والجَزاءُ السُّوءُ.

والمُسْتَطِيرُ: هو اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اسْتِطارَ القاصِرِ، والسِّينُ والتّاءُ في اسْتِطارَ لِلْمُبالَغَةِ وأصْلُهُ طارَ مِثْلَ اسْتَكْبَرَ. والطَّيَرانُ مَجازِيٌّ مُسْتَعارٌ لِانْتِشارِ الشَّيْءِ وامْتِدادِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِانْتِشارِ الطَّيْرِ في الجَوِّ، ومِنهُ قَوْلُهم: الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ وهو الفَجْرُ الصّادِقُ الَّذِي يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ في الأُفُقِ ويُقالُ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ إذا انْتَشَرَ وتَلاحَقَ.

وذِكْرُ فِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الخَبَرِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ وإلّا فَإنَّ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ لَيْسَ واقِعًا في الماضِي وإنَّما يَقَعُ بَعْدَ مُسْتَقْبَلٍ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.

وصِيغَةُ يَخافُونَ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ خَوْفِهِمْ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾) .

76:8–10Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

صفحة ٣٨٤

﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ) خُصِّصَ الإطْعامُ بِالذِّكْرِ لِما في إطْعامِ المُحْتاجِ مِن إيثارِهِ عَلى النَّفْسِ كَما أفادَ قَوْلُهُ (﴿عَلى حُبِّهِ﴾) .

والتَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الطَّعامِ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن فِعْلِ (﴿يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧]) تَوْطِئَةٌ لِيُبْنى عَلَيْهِ الحالُ وهو (﴿عَلى حُبِّهِ﴾) فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: ويُطْعِمُونَ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا لَفاتَ ما في قَوْلِهِ (﴿عَلى حُبِّهِ﴾) مِن مَعْنى إيثارِ المَحاوِيجِ عَلى النَّفْسِ، عَلى أنَّ ذِكْرَ الطَّعامِ بَعْدَ (﴿يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧]) يُفِيدُ تَأْكِيدًا مَعَ اسْتِحْضارِ هَيْئَةِ الإطْعامِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُشاهِدُ الهَيْئَةَ.

و(﴿عَلى حُبِّهِ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يُطْعِمُونَ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ)، وضَمِيرُ حُبِّهِ راجِعٌ لِلطَّعامِ، أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ مَصْحُوبًا بِحُبِّهِ. أيْ مُصاحِبًا لِحُبِّهِمْ إيّاهُ وحُبُّ الطَّعامِ هو اشْتِهاؤُهُ.

فالمَعْنى: أنَّهم يُطْعِمُونَ طَعامًا هم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ.

ومَجِيءُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) ناشِئٌ عَنْ تَمَجُّزٍ في الِاسْتِعْلاءِ، وصُورَتُهُ أنَّ مَجْرُورَ حَرْفِ (عَلى) في مِثْلِهِ أفْضَلُ مِن مَعْمُولِ مُتَعَلِّقِها فَنَزَلَ مَنزِلَةَ المُعْتَلِي عَلَيْهِ.

والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ. واليَتِيمُ: فاقِدُ الأبِ وهو مَظَنَّةُ الحاجَةِ لِأنَّ أحْوالَ العَرَبِ كانَتْ قائِمَةً عَلى اكْتِسابِ الأبِ لِلْعائِلَةِ بِكَدْحِهِ فَإذا فُقِدَ الأبُ تَعَرَّضَتِ العائِلَةُ لِلْخَصاصَةِ.

وأمّا الأسِيرُ فَإذْ قَدْ كانَتِ السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَةً قَبْلَ عِزَّةِ المُسْلِمِينَ، فالمُرادُ بِالأسِيرِ العَبْدُ مِنَ المُسْلِمِينَ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ أجاعُوا عَبِيدَهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِثْلَ بِلالٍ وعَمّارٍ وأُمِّهِ ورُبَّما سَيَّبُوا بَعْضَهم إذا أضْجَرَهم تَعْذِيبُهم وتَرَكُوهم بِلا نَفَقَةِ.

والعُبُودِيَّةُ تَنْشَأُ مِنَ الأسْرِ فالعَبْدُ أسِيرٌ ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ العانِي أيْضًا قالَ النَّبِيءُ

صفحة ٣٨٥

ﷺ «فُكُّوا العانِي» وقالَ عَنِ النِّساءِ «إنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكم» عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ، وقالَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الحِسْحاسِ:

رَأتْ قَتَبًا رَثًّا وسَحْقَ عِمامَةٍ وأسْوَدَ هِمًّا يُنْكِرُ النّاسُ عانِيا

يُرِيدُ عَبْدًا. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾) فَقالَ: «المِسْكِينُ الفَقِيرُ، واليَتِيمُ: الَّذِي لا أبَ لَهُ، والأسِيرُ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . ولَمْ أقِفْ عَلى سَنَدِ هَذا الحَدِيثِ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لا شاهِدَ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَعْلِ السُّورَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وفي الأسارى الَّذِينَ كانُوا في أسْرِ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ.

وجُمْلَةُ (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ لَهم، أيْ لِلَّذِينَ يُطْعِمُونَهم فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧])، وجُمْلَةُ (﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾) مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾) .

وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾) إلى آخِرِها واقِعَةٌ مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾) .

والمَعْنى: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهم تَأْنِيسًا لَهم ودَفْعًا لِانْكِسارِ النَّفْسِ الحاصِلِ عِنْدَ الإطْعامِ، أيْ ما نُطْعِمُكم إلّا اسْتِجابَةً لِما أمَرَ اللَّهُ، فالمُطْعِمُ لَهم هو اللَّهُ.

فالقَوْلُ قَوْلٌ بِاللِّسانِ، وهم ما يَقُولُونَهُ إلّا وهو مُضْمَرٌ في نُفُوسِهِمْ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ فَأثْنى بِهِ عَلَيْهِمْ.

فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ قَلْبٍ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ المُطْعَمِينِ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ أنَّ مَن أطْعَمَهم يَمُنُّ عَلَيْهِمْ ويُرِيدُ مِنهم الجَزاءَ والشُّكْرَ بِناءً عَلى المُتَعارَفِ عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ. والمُرادُ بِالجَزاءِ: ما هو عِوَضٌ عَنِ العَطِيَّةِ مِن خِدْمَةٍ وإعانَةٍ، وبِالشَّكُورِ ذِكْرِهم بِالمَزِيَّةِ.

والشُّكُورُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الفُعُولِ كالقُعُودِ والجُلُوسِ، وإنَّما اعْتُبِرَ بِوَزْنِ الفُعُولِ

صفحة ٣٨٦

الَّذِي هو مَصْدَرُ فَعَلَ اللّازِمِ لِأنَّ فِعْلَ الشُّكْرِ لا يَتَعَدّى لِلْمَشْكُورِ بِنَفْسِهِ غالِبًا بَلْ بِاللّامِ يُقالُ: شَكَرْتُ لَكَ قالَ تَعالى (﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]) .

وأمّا قَوْلُهُ (﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾) فَهو مَقُولٌ لِقَوْلٍ يَقُولُونَهُ في نُفُوسِهِمْ أوْ يَنْطِقُ بِهِ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يَخافُونَ“ أيْ يَخافُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ في نُفُوسِهِمْ قائِلِينَ (﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾)، فَحُكِيَ وقَوْلُهم (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾) وقَوْلُهم (﴿إنّا نَخافُ﴾) إلَخْ. عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ والدّاعِي إلى عَكْسِ النَّشْرِ مُراعاةُ حُسِنِ تَنْسِيقِ النَّظْمِ لِيَكُونَ الِانْتِقالُ مَن ذِكْرِ الإطْعامِ إلى ما يَقُولُونَهُ لِلْمُطْعَمِينَ والِانْتِقالُ مِن ذِكْرِ خَوْفِ يَوْمِ الحِسابِ إلى بِشارَتِهِمْ بِوِقايَةِ اللَّهِ إيّاهم مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ وما يَلْقَوْنَهُ فِيهِ مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ والنَّعِيمِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿مِن رَبِّنا﴾) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وحَرْفُ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهو حالٌ مِن (يَوْمًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ، أيْ نَخافُ يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا حالَ كَوْنِهِ مِن أيّامِ رَبِّنا، أيْ مِن أيّامِ تَصارِيفِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَجْرِيدِيَّةً كَقَوْلِكَ: لِي مِن فُلانٍ صَدِيقٌ حَمِيمٌ. ويَكُونُ ”يَوْمًا“ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ نَخافُهُ في يَوْمٍ شَدِيدٍ.

وعُبُوسًا: مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِفِعْلِ نَخافُ، أيْ نَخافُ غَضْبانَ شَدِيدَ الغَضَبِ هو رَبُّنا، فَيَكُونُ في التَّجْرِيدِ تَقْوِيَةٌ لِلْخَوْفِ إذْ هو كَخَوْفٍ مِن شَيْئَيْنِ وتِلْكَ نُكْتَةُ التَّجْرِيدِ، أوْ يَكُونُ عَبُوسًا حالًا (﴿مِن رَبِّنا﴾) .

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (مِن) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ نَخافُ كَما عُدِّيَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]) . ويَنْتَصِبُ (يَوْمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ نَخافُ فَصارَ لِفِعْلِ نَخافُ مَعْمُولانِ. و(عَبُوسًا) صِفَةٌ لِـ (يَوْمًا)، والمَعْنى: نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَفِيهِ تَأْكِيدُ الخَوْفِ بِتَكْرِيرِ مُتَعَلِّقِهِ ومَرْجِعُ التَّكْرِيرِ إلى كَوْنِهِ خَوْفَ اللَّهِ لِأنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَدْلِ اللَّهِ وحُكْمِهِ.

والعَبُوسُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ لِمَن هو شَدِيدُ العَبْسِ، أيْ كُلُوحُ الوَجْهِ وعَدَمُ انْطِلاقِهِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعَبُوسِ عَلى مَعْنى الِاسْتِعارَةِ، شُبِّهَ اليَوْمُ الَّذِي تَحْدُثُ فِيهِ حَوادِثُ تَسُوءُهم بِرَجُلٍ يُخالِطُهم يَكُونُ شَرِسَ الأخْلاقِ عَبُوسًا في مُعامَلَتِهِ.

والقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ الصَّعْبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَمْطَرِيرُ المُقْبِضُ

صفحة ٣٨٧

بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُشْتَقٌّ مِن قِمْطَرِ القاصِرِ إذا اجْتَمَعَ، أوْ قِمْطَرِ المُتَعَدِّي إذا شَدَّ القِرْبَةَ بِوِكاءٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ سُمِّي السَّفَطُ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ الكُتُبُ قِمْطَرًا وهو كالمَحْفَظَةِ. ومِيمُ قَمْطَرِيرٍ أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فَعْلَلِيلٌ مِثْلَ خَنْدَرِيسٍ وزَنْجَبِيلٍ، يُقالُ: قِمْطَرٌ لِلشَّرِّ، إذا تَهَيَّأ لَهُ وجَمَعَ نَفْسَهُ.

والجُمْهُورُ جَعَلُوا ”قَمْطَرِيرًا“ وصَفَ ”يَوْمًا“ ومِنهم مَن جَعَلُوهُ وصَفَ ”عَبُوسًا“ أيْ شَدِيدَ العَبُوسِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ الأبْرارِ وعَلى ذَلِكَ التَحَمَ نَسْجُها، وقَدْ تَلَقَّفَها القَصّاصُونَ والدُّعاةُ فَوَضَعُوا لَها قِصَصًا مُخْتَلِفَةً وجاءُوا بِأخْبارٍ مَوْضُوعَةٍ وأبْياتٍ مَصْنُوعَةٍ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ ذَكَرَها الثَّعْلَبِيُّ والنَّقّاشُ وساقَها القُرْطُبِيُّ بِطُولِها ثُمَّ زَيَّفَها. وذُكِرَ عَنِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قالَ في نَوادِرِ الأُصُولِ: هَذا حَدِيثٌ مُزَوَّقٌ مُزَيَّفٌ وأنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن أحادِيثِ أهْلِ السُّجُونِ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في مُطْعِمِ بْنِ ورْقاءَ الأنْصارِيِّ، وقِيلَ في رَجُلٍ غَيْرِهِ مِنَ الأنْصارِ، وقَدِ اسْتَوْفى ذَلِكَ كُلَّهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَلا طائِلَ تَحْتَ اجْتِلابِهِ، وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وآلُهُ أهْلٌ لِأنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ فِيهِمْ إلّا أنَّ هَذِهِ الأخْبارَ ضَعِيفَةٌ أوْ مَوْضُوعَةٌ.

76:11–14Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]) إلى (﴿قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠]) .

وفِي هَذا التَّفْرِيعِ تَلْوِينٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ جَزاءِ الأبْرارِ وأهْلِ الشُكُورِ، وهَذا بَرْزَخٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى عَوْدِ الكَلامِ عَلى حُسْنِ جَزائِهِمْ أنَّ اللَّهَ وقاهم شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو

صفحة ٣٨٨

الشَّرُّ المُسْتَطِيرُ المَذْكُورُ آنِفًا، وقاهم إيّاهُ جَزاءً عَلى خَوْفِهِمْ إيّاهُ وأنَّهُ لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا جَزاءً عَلى ما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ.

وأُدْمِجَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿بِما صَبَرُوا﴾) الجامِعُ لِأحْوالِ التَّقْوى والعَمَلِ الصّالِحِ كُلِّهِ لِأنَّ جَمِيعَهُ لا يَخْلُو عَنْ تَحَمُّلِ النَّفْسِ لِتَرْكِ مَحْبُوبٍ أوْ فِعْلٍ ما فِيهِ كُلْفَةٌ، ومِن ذَلِكَ إطْعامُ الطَّعامِ عَلى حُبِّهِ.

ولَقّاهم مَعْناهُ: جَعَلَهم يَلْقَوَنَ نَضْرَةً وسُرُورًا، أيْ جَعَلَ لَهم نَضْرَةً وهي حُسْنُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ مِن فَرَحِ النَّفْسِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ قالَ تَعالى (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]) فَمُثِّلَ إلْقاءُ النَّضْرَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ بِزَجِّ أحَدٍ إلى لِقاءِ أحَدٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.

وضَمِيرُ الغائِبَةِ و(نَضْرَةً) مَفْعُولا (لَقّى) مِن بابِ كَسا.

وبَيْنَ (وقاهم) و(لَقّاهم) الجِناسُ المُحَرَّفُ.

وجُمْلَةُ (﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾)، عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”فَوَقاهم“ وجُمْلَةِ ”ولَقّاهم“ لِتَماثُلِ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الفِعْلِيَّةِ والمُضِيِّ وهُما مُحَسِّنانِ مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ.

والحَرِيرُ: اسْمٌ لِخُيُوطٍ مِن مُفْرَزاتِ دُودَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ فاطِرٍ.

وكانَ الجَزاءُ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ إذْ جَعَلَهم في أحْسَنِ المَساكِنِ وهو الجَنَّةُ، وكَساهم أحْسَنَ المَلابِسِ وهو الحَرِيرُ الَّذِي لا يَلْبَسُهُ إلّا أهْلُ فَرْطِ اليَسارِ، فَجُمِعَ لَهم حُسْنُ الظَّرْفِ الخارِجِ وحُسْنُ الظَّرْفِ المُباشِرِ وهو اللِّباسُ.

والمُرادُ بِالحَرِيرِ هُنا: ما يَنْسَجُ مِنهُ.

ومُتَّكِئِينَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في جَزاهم، أيْ هم في الجَنَّةِ مُتَّكِئُونَ عَلى الأرائِكِ.

والِاتِّكاءُ: جِلْسَةٌ بَيْنَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ يَسْتَنِدُ فِيها الجالِسُ عَلى مِرْفَقِهِ وجَنْبِهِ ويَمُدُّ رِجْلَيْهِ وهي جِلْسَةُ ارْتِياحٍ، وكانَتْ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأهْلِ البَذَخِ، ولِهَذا قالَ

صفحة ٣٨٩

النَّبِيءُ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]) .

والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ. والأرِيكَةُ: سَرِيرٌ عَلَيْهِ وِسادَةٌ مَعَها سِتْرٌ وهو حَجَلَتُهُ، والحَجَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وبِتَقْدِيمِ الحاءِ المُهْمَلَةِ عَلى الجِيمِ: كِلَّةٌ تُنْصَبُ فَوْقَ السَّرِيرِ لِتَقِيَ الحَرَّ والشَّمْسَ، ولا يُسَمّى السَّرِيرُ أرِيكَةً إلّا إذا كانَ مَعَهُ حَجَلَةٌ.

وقِيلَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ يُسَمّى أرِيكَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَجَلَةٌ، وفي الإتْقانِ عَنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ: أنَّ الأرِيكَةَ السَّرِيرُ بِالحَبَشِيَّةِ فَزادَهُ السُّيُوطِيُّ عَلى أبْياتِ ابْنِ السُّبْكِيِّ وابْنِ حَجَرٍ في جَمْعِ المُعْرِبِ في القُرْآنِ.

وجُمْلَةُ (﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في (جَزاهم) أوْ صِفَةُ (جَنَّةً) .

والمُرادُ بِالشَّمْسِ: حَرُّ أشِعَّتِها، فَنَفى رُؤْيَةَ الشَّمْسِ في قَوْلِهِ (﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا﴾) فَيَكُونُ نَفْيُ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ وُجُودِ الشَّمْسِ الَّذِي يَلْزَمُهُ انْتِفاءُ حَرِّ شُعاعِها فَهو مِنَ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيةِ كَقَوْلِهِ:

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

أيْ لا ضَبَّ بِها فَتَراهُ ولا يَكُونُ انْجِحارُهُ.

والزَّمْهَرِيرُ: اسْمٌ لِلْبَرْدِ القَوِيِّ في لُغَةِ الحِجازِ، والزَّمْهَرِيرُ: اسْمُ البَرْدِ.

والمَعْنى: أنَّ هَواءَ الجَنَّةِ مُعْتَدِلٌ لا ألَمَ فِيهِ بِحالٍ. وفي كَلامِ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمِ زَرْعٍ ”«زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَهْ» “ .

وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ اسْمُ القَمَرِ في لُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ:

ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْـتَـكَـرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ

والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ ولا ضَوْءَ القَمَرِ، أيْ ضَوْءَ النَّهارِ وضَوْءَ اللَّيْلِ لِأنَّ ضِياءَ الجَنَّةِ مِن نُورٍ واحِدٍ خاصٍّ بِها. وهَذا مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ نَفْيِ الحَرِّ والبَرْدِ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: المُرادُ بِالشَّمْسِ حَقِيقَتُها وبِالزَّمْهَرِيرِ البَرْدُ وإنَّ في الكَلامِ

صفحة ٣٩٠

احْتِباكًا، والتَّقْدِيرُ: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا حَرًّا ولا زَمْهَرِيرًا وجَعَلُوهُ مِثالًا لِلِاحْتِباكِ في المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ: أنَّ المَعْنى أنَّ نُورَها مُعْتَدِلٌ وهَواءَها مُعْتَدِلٌ.

(﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾) انْتَصَبَ ”دانِيَةً“ عَطْفًا عَلى ”مُتَّكِئِينَ“ لِأنَّ هَذا حالٌ سَبَبِيٌّ مِن أحْوالِ المُتَّكِئِينَ، أيْ ظِلالُ شَجَرِ الجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِنهم. وظِلالُهُا فاعِلُ دانِيَةٍ وضَمِيرُ ظِلالِها عائِدٌ إلى جَنَّةٍ.

ودُنُوُّ الظِّلالِ: قُرْبُها مِنهم وإذْ لَمْ يُعْهَدْ وصْفُ الظِّلِّ بِالقُرْبِ يُظْهِرُ أنَّ دُنُوَّ الظِّلالِ كِنايَةٌ عَنْ تَدَلِّي الأدْواحِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُظَلِّلَ الجَنّاتِ في مُعْتادِ الدُّنْيا ولَكِنَّ الجَنَّةَ لا شَمْسَ فِيها فَيُسْتَظَلُّ مِن حَرِّها، فَتَعَيَّنَ أنَّ تَرْكِيبَ (﴿دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾) مَثَلٌ يُطْلَقُ عَلى تَدَلِّي أفْنانِ الجَنَّةِ لِأنَّ الظِّلَّ المُظَلِّلَ لِلشَّخْصِ لا يَتَفاوَتُ بِدُنُوٍّ ولا بُعْدٍ، وقَدْ يَكُونُ ظِلالُها مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ الأفْنانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ.

والمَعْنى: أنْ أدْواحَ الجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِن مَجالِسِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُها بَهْجَةً وحُسْنًا وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]) .

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾)، أيْ سُخِّرَتْ لَهم قُطُوفُ تِلْكَ الأدْواحِ وسُهِّلَتْ لَهم بِحَيْثُ لا التِواءَ فِيها ولا صَلابَةَ تُتْعِبُ قاطِفَها ولا يَتَمَطَّوْنَ إلَيْها بَلْ يَجْتَنُونَها بِأسْهَلِ تَناوُلٍ.

فاسْتُعِيرَ التَّذْلِيلُ لِلتَّيْسِيرِ كَما يُقالُ: فَرَسٌ ذَلُولٌ: أيُّ مِطْواعٌ لِراكِبِهِ، وبَقَرَةٌ ذَلُولٌ، أيْ مُمَرَّنَةٌ عَلى العَمَلِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وهو العُنْقُودُ مِنَ التَّمْرِ أوِ العِنَبِ، سُمِّي قِطْفًا بِصِيغَةٍ مِن صِيَغِ المَفْعُولِ مِثْلَ ذِبْحٍ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ قَطْفَهُ فَإطْلاقُ القِطْفِ عَلَيْهِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ المَآلِ شاعَ في الكَلامِ. وضَمِيرُ ”قُطُوفُها“ عائِدٌ إلى جَنَّةٍ أوْ إلى ظِلالِها بِاعْتِبارِ الظِّلالِ كِنايَةً عَنِ الأشْجارِ.

و”تَذْلِيلًا“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ، أيْ تَذْلِيلًا شَدِيدًا مُنْتَهِيًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском