Ibn 'AshurAl‑Qalam · 68:10–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:10–16

68:10Page 564

وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠

And do not obey every worthless habitual swearer

﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ إعادَةُ فِعْلِ النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ لِمَن هَذِهِ صِفاتِهِمْ لِلْاهْتِمامِ بِهَذا الأدَبِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِدُخُولِ أصْحابِ هَذِهِ الأوْصافِ في عُمُومِ المُكَذِّبِينَ، ولا بِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ بِمُجَرَّدِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ بِأنْ يُقالَ: ولا كُلَّ حَلّافٍ، بَلْ جِيءَ في جانِبِهِمْ بِصِيغَةِ نَهْيٍ أُخْرى مُماثِلَةٍ لِلْأُولى.

ولِيُفِيدَ تَسْلِيطَ الوَعِيدِ الخاصِّ وهو في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عَلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ الخاصَّةِ زِيادَةً عَلى وعِيدِ المُكَذِّبِينَ.

وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ هَمّامٍ الشَّيْبانِيِّ:

أيا ابْنَ زَيّابَةَ إنْ تَلْقَـنِـي لا تَلْقَنِي في النَّعَمِ العازِبِ

وتَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِـي أجْـرَدٌ ∗∗∗ مُسْتَقْدِمُ البِرْكَةِ كالرّاكِبِ

فَلَمْ يَكْتَفِ بِعَطْفٍ: بِ (بَلْ) أوْ (لَكِنْ) بِأنْ يَقُولَ: بَلْ تَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدٌ، أوْ لَكِنْ تَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدُ، وعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأعادَ فِعْلَ (تَلْقَنِي) .

وكَلِمَةُ (كُلَّ) مَوْضُوعَةٌ لِإفادَةِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ لِأفْرادِ الاسْمِ الَّذِي تُضافُ هي إلَيْهِ، فَهي هُنا تُفِيدُ النَّهْيَ العامَّ عَنْ طاعَةِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (كُلَّ) بِالمُباشِرَةِ وبِالنُّعُوتِ.

وقَدْ وقَعَتْ كَلِمَةُ (كُلَّ) مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ أداةُ النَّهْيِ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ النَّهْيَ مُنْصَبٌّ إلى طاعَةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ بِحَيْثُ لَوْ أطاعَ بَعْضَ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ لَمْ يَكُنْ مُخالِفًا لِلنَّهْيِ؛ إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ ولا يَجْرِي عَلى

صفحة ٧١

أسالِيبِ الاسْتِعْمالِ، بَلِ المُرادُ النَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِخَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ بَلْهَ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ عِدَّةٌ مِنها.

وفِي هَذا ما يُبْطِلُ ما أصَّلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ في دَلائِلَ الإعْجازِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ أنْ تَقَعَ (كُلُّ) في حَيِّزِ النَّفْيِ، أيْ أوِ النَّهْيِ فَتُفِيدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ أوِ الوَصْفِ لِبَعْضٍ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلُّ) إنْ كانَتْ (كُلُّ) مُسْنَدًا إلَيْها، أوْ تُفِيدُ تَعَلُّقَ الفِعْلِ أوِ الوَصْفِ بِبَعْضِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كَلٌّ) إنْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْمَنفِيِّ أوِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وبَيْنَ أنْ تَقَعَ (كُلٌّ) في غَيْرِ حَيِّزِ النَّفْيِ، وجَعَلَ رَفْعَ لَفْظِ (كُلُّهُ) في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْـنَـعِ

مُتَعَيِّنًا؛ لِأنَّهُ لَوْ نَصَبَهُ لَأفادَ تَنَصُّلَهُ مِن أنْ يَكُونَ صَنَعَ مَجْمُوعَ ما ادَّعَتْهُ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُصَدَّقُ بِأنَّهُ صَنَعَ بَعْضَ تِلْكَ الذُّنُوبِ وهو لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِإبْطالِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ، واسْتَشْهَدَ لِلْإبْطالِ بُقُولِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ .

وأُجْرِيَتْ عَلى المَنهِيِّ عَنِ الإطاعَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَها لَيْسُوا أهْلًا لِأنْ يُطاعُوا؛ إذْ لا ثِقَةَ بِهِمْ ولا يَأْمُرُونَ إلّا بِسُوءٍ.

قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ المُرادُ بِالحَلّافِ المَهِينِ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وقالَ آخَرُونَ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ، وإنَّما عَنَوْا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ بِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ، وإلّا فَإنَّ لَفْظَ (كَلَّ) المُفِيدَ لِلْعُمُومِ لا يَسْمَحُ بِأنْ يُرادَ النَّهْيُ عَنْ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَعَلَّ أرْبَعَتَهُمُ اشْتَرَكُوا في مُعْظَمِ هَذِهِ الأوْصافِ فَهم مِمَّنْ أُرِيدُ بِالنَّهْيِ عَنْ إطاعَتِهِ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِن أمْثالِهِمْ.

ولَيْسَ المُرادُ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِلالَ بَلْ مَن كانَتْ لَهُ واحِدَةٌ مِنها، والصِّفَةُ الكَبِيرَةُ مِنها هي التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ الَّذِي خُتِمَ بِها قَوْلُهُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، لَكِنَّ الَّذِي قالَ في القُرْآنِ (إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ) هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَهو الَّذِي اخْتَلَقَ هَذا البُهْتانَ في قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَمّا تَلَقَّفَ الآخَرُونَ مِنهُ هَذا البُهْتانَ وأُعْجِبُوا بِهِ أخَذُوا يَقُولُونَهُ فَكانَ جَمِيعُهم مِمَّنْ يَقُولُهُ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ في آيَةِ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥] .

صفحة ٧٢

وذُكِرَتْ عَشْرُ خِلالٍ مِن مَذامِّهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِها: الأُولى حَلّافٌ، والحَلّافُ: المُكْثِرُ مِنَ الأيْمانِ عَلى وُعُودِهِ وأخْبارِهِ، وأحْسَبُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ بِالكَذِبِ وبِالأيْمانِ الفاجِرَةِ فَجُعِلَتْ صِيغَةُ المُبالَغَةِ كِنايَةً عَنْ تَعَمُّدِ الحِنْثِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ ذَمُّهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ (مُهِينٍ) قَيْدًا لِ (حَلّافٍ) عَلى جَعْلِ النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ صاحِبِ الوَصْفِ مُجْتَمَعَيْنِ.

* * *

﴿مَهِينٍ﴾ هَذِهِ خَصْلَةٌ ثانِيَةٌ ولَيْسَتْ قَيْدًا لِصِفَةِ حَلّافٍ.

والمَهِينُ: بِفَتْحِ المِيمِ، فَعِيلٌ مِن مَهُنَ بِمَعْنى حَقُرَ وذَلَّ، فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وفِعْلُهُ مَهُنَ بِضَمِّ الهاءِ، ومِيمُهُ أصْلِيَّةٌ وياؤُهُ زائِدَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ لا تُطِعِ الفاجِرَ الحَقِيرَ. وقَدْ يَكُونُ (مَهِينٍ) هُنا بِمَعْنى ضَعِيفِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المَهانَةِ.

و(مَهِينٍ): نَعَتٌ لِ (حَلّافٍ)، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصِّفاتِ إلى (زَنِيمٍ) فَهو نَعْتٌ مُسْتَقِلٌّ. وبَعْضُهم جَعَلَهُ قَيْدًا لِ (حَلّافٍ) وفَسَّرَ المَهِينَ بِالكَذّابِ أيْ في حَلِفِهِ.

68:11Page 564

هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١

[And] scorner, going about with malicious gossip -

﴿هَمّازٍ﴾ الهَمّازُ كَثِيرُ الهَمْزِ. وأصْلُ الهَمْزِ: الطَّعْنُ بِعُودٍ أوْ يَدٍ، وأُطْلِقَ عَلى الأذى بِالقَوْلِ في الغَيْبَةِ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] .

وصِيغَةُ المُبالَغَةِ راجِعَةٌ إلى قُوَّةِ الصِّفَةِ، فَإذا كانَ أذًى شَدِيدًا فَصاحِبُهُ هَمّازٌ، وإذا تَكَرَّرَ الأذى فَصاحَبُهُ هَمّازٌ.

* * *

﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ المَشّاءُ بِالنَّمِيمِ: الَّذِي يَنِمُّ بَيْنَ النّاسِ، ووَصْفُهُ بِالمَشّاءِ لِلْمُبالَغَةِ. والقَوْلُ في هَذِهِ المُبالَغَةِ مِثْلُ القَوْلِ في (هَمّازٍ) وهَذِهِ رابِعَةُ المَذامِّ.

صفحة ٧٣

والمَشْيُ: اسْتِعارَةٌ لِتَشْوِيهِ حالِهِ بِأنَّهُ يَتَجَشَّمُ المَشَقَّةَ لِأجْلِ النَّمِيمَةِ مِثْلُ ذِكْرِ السَّعْيِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . ذَلِكَ أنَّ أسْماءَ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ أشَدُّ وقْعًا في تَصَوُّرِ السّامِعِ مِن أسْماءِ المَعْقُولاتِ، فَذِكْرُ المَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ فِيهِ تَصْوِيرٌ لِحالِ النَّمّامِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: قُطِعَ رَأْسُهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ مِن قَوْلِكَ: قُتِلَ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وأمّا الآخَرُ فَكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» .

والنَّمِيمُ: اسْمٌ مُرادِفٌ لِلنَّمِيمَةِ، وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ، أيِ اسْمُ جَمْعٍ لِنَمِيمَةٍ، إذا أُرِيدَ بِها الواحِدَةُ وصَيْرُورَتُها اسْمًا.

68:12Page 564

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

A preventer of good, transgressing and sinful,

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ هَذِهِ مَذَمَّةٌ خامِسَةٌ.

مَنّاعٍ: شَدِيدُ المَنعِ. والخَيْرُ: المالُ، أيْ شَحِيحٌ، والخَيْرُ مِن أسْماءِ المالِ قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وقالَ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَدْ رُوعِيَ تَماثُلُ الصِّيغَةِ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ وهي ”حَلّافٍ، هَمّازٍ، مَشّاءٍ، مَنّاعٍ“ وهو ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ المُوازَنَةِ.

والمُرادُ بِمَنعِ الخَيْرِ: مَنعُهُ عَمَّنْ أسْلَمَ مِن ذَوِيِهِمْ وأقارِبِهِمْ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم لِمَن أسْلَمَ مِن أهْلِهِ أوْ مَوالِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، وهَذِهِ شَنْشَنَةٌ عُرِفُوا بِها مِن بَعْدُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ المُنافِقِينَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وأيْضًا فَمِن مَنعِ الخَيْرِ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعْطُونَ العَطاءَ لِلْفَخْرِ والسُّمْعَةِ فَلا يُعْطُونَ الضُّعَفاءَ وإنَّما يُعْطُونَ في المَجامِعِ والقَبائِلِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] . قِيلَ: كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُنْفِقُ في الحَجِّ في كُلِّ حَجَّةٍ عِشْرِينَ ألْفًا يُطْعِمُ أهْلَ مِنى، ولا يُعْطِي المِسْكِينَ دِرْهَمًا واحِدًا.

* * *

﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ هُما مَذَمَّتانِ سادِسَةٌ وسابِعَةٌ قَرَنَ بَيْنَهُما لِمُناسَبَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ.

والاعْتِداءُ: مُبالَغَةٌ في العُدْوانِ فالافْتِعالُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الشِّدَّةِ.

صفحة ٧٤

والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ وهو فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] . والمُرادُ بِالإثْمِ هُنا ما يُعَدُّ خَطِيئَةً وفَسادًا عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ والمُرُوءَةِ وفي الأدْيانِ المَعْرُوفَةِ.

قالَ أبُو حَيّانِ: وجاءَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتِ مُبالَغَةً ونُوسِبَ فِيها فَجاءَ (حَلّافٍ) وبَعْدَهُ (مَهِينٍ)؛ لِأنَّ النُّونَ فِيها تَواخٍ مَعَ المِيمِ، أيْ مِيمُ (أثِيمٍ)، ثُمَّ جاءَ (﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ﴾ [القلم: ١١]) بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ جاءَ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ صِفاتِ مُبالَغَةً اهـ. يُرِيدُ أنَّ الافْتِعالَ في مُعْتَدٍ لِلْمُبالَغَةِ.

68:13–14Page 564

عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣

Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1

أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤

Because he is a possessor of wealth and children,

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ثامِنَةٌ وتاسِعَةٌ.

والعُتُلُّ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ اسْمٌ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى صِفَةٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَتْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ قالَ تَعالى ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ولَمْ يُسْمَعْ (عاتِلٌ) . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ دُونَ الأوْصافِ مُرَكَّبٌ مِن وصْفَيْنِ في أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مِن مُرَكَّبِ أوْصافٍ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

وفُسِّرَ العُتُلُّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةُ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، وبِالأكُولِ الشَّرُوبِ، وبِالغَشُومِ الظَّلُومِ، وبِالكَثِيرِ اللَّحْمِ المُخْتالِ. رَوى الماوْرُدِيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ هَذا التَّفْسِيرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِسَنَدٍ غَيْرِ قَوِيٍّ، وهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إتْباعٌ لِصِفَةِ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ يَمْنَعُ السّائِلَ ويَدْفَعُهُ ويُغْلِظُ لَهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] .

ومَعْنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ عِلاوَةً عَلى ما عُدِّدَ لَهُ مِنَ الأوْصافِ هو سَيِّئُ الخِلْقَةِ سَيِّئُ المُعامَلَةِ، فالبَعْدِيَّةُ هُنا بَعْدِيَّةٌ في الارْتِقاءِ في دَرَجاتِ التَّوْصِيفِ المَذْكُورِ، فَمُفادُها مُفادُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ.

وعَلى تَفْسِيرِ العُتُلِّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةِ والرَّحِيبِ الجَوْفِ يَكُونُ وجْهُ ذِكْرِهِ أنَّ قَباحَةَ

صفحة ٧٥

ذاتِهِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعائِبِهِ؛ لِأنَّ العَيْبَ المُشاهَدَ أجْلَبُ إلى الاشْمِئْزازِ وأوْغَلُ في النُّفْرَةِ مِن صاحِبِهِ.

ومَوْقِعُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ، والظَّرْفُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو بَعْدَ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ اتِّصالُ (بَعْدَ ذَلِكَ) بِقَوْلِهِ (زَنِيمٍ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (زَنِيمٍ) .

والزَّنِيمُ: اللَّصِيقُ وهو مَن يَكُونُ دَعِيًّا في قَوْمِهِ لَيْسَ مِن صَرِيحِ نَسَبِهِمْ: إمّا بِمَغْمَزٍ في نَسَبِهِ، وإمّا بِكَوْنِهِ حَلِيفًا في قَوْمٍ أوْ مَوْلى، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِالتَّحْرِيكِ وهي قِطْعَةٌ مِن أُذُنِ البَعِيرِ لا تُنْزَعُ بَلْ تَبْقى مُعَلَّقَةً بِالأُذُنِ عَلامَةً عَلى كَرَمِ البَعِيرِ. والزَّنَمَتانِ بِضْعَتانِ في رِقابِ المَعْزِ.

قِيلَ أُرِيدَ بِالزَّنِيمِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّهُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ أُرِيدَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ لِأنَّهُ كانَ مِن ثَقِيفٍ فَحالَفَ قُرَيْشًا وحَلَّ بَيْنَهم، وأيًّا ما كانَ المُرادُ بِهِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ خاصٌّ فَدُخُولُهُ في المَعْطُوفِ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلَّ) إنَّما هو عَلى فَرْضِ وُجُودِ أمْثالِ هَذا الخاصِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الرَّمْزِ كَما يُقالُ: ما بالُ أقْوامٍ يَعْمَلُونَ كَذا، ويُرادُ واحِدٌ مُعَيَّنٌ. قالَ الخَطِيمُ التَّمِيمِيُّ جاهِلِيُّ، أوْ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

زَنِـيمٌ تَـداعَـاهُ الـرِّجَـالُ زِيادَةً كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ

ويُطْلَقُ الزَّنِيمُ عَلى مَن في نَسَبِهِ غَضاضَةٌ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانِ في هِجاءِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، قَبْلَ إسْلامِ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ أُمُّهُ مَوْلاةً خِلافًا لِسائِرِ بَنِي هاشِمٍ إذْ كانَتْ أُمَّهاتُهم مِن صَرِيحِ نَسَبِ قَوْمِهِنَّ:

وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِـي آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

وإنَّ سَنامَ المَجْدِ مِـنْ آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ ووالِدُكَ العَـبْـدُ

يُرِيدُ جَدَّهُ أبا أُمِّهِ وهو مُوهِبٌ غُلامُ عَبْدِ مُنافٍ وكانَتْ أُمُّ أبِي سُفْيانَ سُمَيَّةَ بِنْتَ مُوهِبٍ هَذا.

والقَوْلُ في هَذا الإطْلاقِ والمُرادِ بِهِ مُماثِلٌ لِلْقَوْلِ في الإطْلاقِ الَّذِي قَبِلَهُ.

68:15Page 564

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥

When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."

﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

صفحة ٧٦

يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] بِفِعْلِ (قالَ) بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ (أنْ)، وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الفِعْلِ ظَرْفٌ هو ﴿إذا تُتْلى﴾ ومَجْرُورٌ هو ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ﴾ [القلم: ١٤]، ولا بِدْعَ في ذَلِكَ ولَيْسَتْ (إذا) بِشَرْطِيَّةٍ هُنا فَلا يَهُولَنَّكَ قَوْلُهم: إنَّ (ما) بَعْدَ الشَّرْطِ لا يُعْمَلُ فِيما قَبِلَهُ، عَلى أنَّها لَوْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً لَما امْتَنَعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ ما لا يَتَوَسَّعُونَ في غَيْرِها وهَذا مَجْرُورٌ بِاللّامِ المَحْذُوفَةِ.

والمُرادُ: كُلُّ مَن كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ مِن كُبَراءِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] . وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إذْ هو الَّذِي اخْتَلَقَ أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ ذا سَعَةٍ مِنَ المالِ كَثِيرُ الأبْناءِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . والوَجْهُ أنْ لا يَخْتَصَّ هَذا الوَصْفُ بِهِ. وأنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا بِهِ.

والأساطِيرُ: جَمَعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأُسْطُورَةُ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في الأنْعامِ وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وخُتِمَتِ الأوْصافُ المُحَذَّرُ عَنْ إطاعَةِ أصْحابِها بِوَصْفِ التَّكْذِيبِ لِيُرْجَعَ إلى صِفَةِ التَّكْذِيبِ الَّتِي انْتُقِلَ الأُسْلُوبُ مِنها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ﴾ [القلم: ١٤] بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرَ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ فَهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ألِفًا لِلتَّخْفِيفِ.

68:16Page 565

سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦

We will brand him upon the snout.1

﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي وُصِفُوا بِها أنْ يَسْألَ السّامِعُ: ما جَزاءُ أصْحابِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ اللَّهِ عَلى ما أتَوْهُ مِنَ القَبائِحِ والاجْتِراءِ عَلى رَبِّهِمْ.

وضَمِيرُ المُفْرَدِ الغائِبِ في قَوْلِهِ سَنَسِمُهُ عائِدٌ إلى كُلِّ حَلّافٍ بِاعْتِبارِ

صفحة ٧٧

لَفْظِهِ وإنْ كانَ مَعْناهُ الجَماعاتِ فَإفْرادُ ضَمِيرِهِ كَإفْرادِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلَّ) مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي جاءَتْ بِحالَةِ الإفْرادِ.

والمَعْنى: سَنَسِمُ كُلَّ هَؤُلاءِ عَلى الخَراطِيمِ، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعَيَّنٍ بِصِفَةِ قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] وبِأنَّهُ ذُو مالٍ وبَنِينَ.

والخُرْطُومُ: أُرِيدَ بِهِ الأنْفُ. والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ الخُرْطُومِ الأنْفُ المُسْتَطِيلُ كَأنْفِ الفِيلِ والخِنْزِيرِ ونَحْوِهِما مِن كُلِّ أنْفٍ مُسْتَطِيلٍ. وقَدْ خَلَطَ أصْحابُ اللُّغَةِ في ذِكْرِ مَعانِيهِ خَلْطًا لَمْ تَتَبَيَّنْ مِنهُ حَقِيقَتُهُ مِن مَجازِهِ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ مَعانِيَهُ المَجازِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرْ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، وانْبَهَمَ كَلامُهُ في الكَشّافِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ فِيهِ: وفي لَفْظِ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ وإهانَةٌ، يَقْتَضِي أنَّ إطْلاقَهُ عَلى أنْفِ الإنْسانِ مَجازٌ مُرْسَلٌ. وجَزَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ حَقِيقَةَ الخُرْطُومِ مَخْطِمُ السَّبُعِ، أيْ أنْفٌ، مِثْلُ الأسَدِ، فَإطْلاقُ الخُرْطُومِ عَلى أنْفِ الإنْسانِ هُنا اسْتِعارَةٌ كَإطْلاقِ المِشْفَرِ وهو شَفَةُ البَعِيرِ عَلى شَفَةِ الإنْسانِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ غَلِيظُ المَشافِرِ

وكَإطْلاقِ الجَحْفَلَةِ عَلى شَفَةِ الإنْسانِ وهي لِلْخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ في قَوْلِ النّابِغَةِ يَهْجُو لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ:

ألا مَن مُبْلِغٌ عَنِّي لَبِـيدًا ∗∗∗ أبا الوَرْداءِ جَحْفَلَةَ الأتانِ

والوَسْمُ لِلْإبِلِ ونَحْوِها، جَعْلُ سِمَةٍ لَها أنَّها مِن مَمْلُوكاتِ القَبِيلَةِ أوِ المالِكِ المُعَيَّنِ.

فالمَعْنى: سَنُعامِلُهُ مُعامَلَةً يُعْرَفُ بِها أنَّهُ عَبَدُنا وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ مِنّا شَيْئًا.

فالوَسْمُ: تَمْثِيلٌ تَتْبَعُهُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنهُ وإظْهارِ عَجْزِهِ.

وأصْلُ (نَسِمُهُ) نُوسِمُهُ مِثْلُ: يَعِدُ ويَصِلُ.

وذِكْرُ الخُرْطُومِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ التَّشْوِيهِ والإهانَةِ فَإنَّ الوَسْمَ يَقْتَضِي التَّمَكُّنَ وكَوْنَهُ في الوَجْهِ إذْلالًا وإهانَةً، وكَوْنَهُ عَلى الأنْفِ أشَدَّ إذْلالًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ الأنْفِ بِالخُرْطُومِ

صفحة ٧٨

تَشْوِيهٌ، والضَّرْبُ والوَسْمُ ونَحْوُهُما عَلى الأنْفِ كِنايَةٌ عَنْ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ وتَمامِ الغَلَبَةِ وعَجْزِ صاحِبِ الأنْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ؛ لِأنَّ الأنْفَ أبْرَزُ ما في الوَجْهِ وهو مَجْرى النَفَسِ، ولِذَلِكَ غَلَبَ ذِكْرُ الأنْفِ في التَّعْبِيرِ عَنْ إظْهارِ العِزَّةِ في قَوْلِهِمْ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، وهو أشَمُّ الأنْفِ، وهم شُمُّ العَرانِينِ. وعَبَّرَ عَنْ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والاسْتِكانَةِ بِكَسْرِ الأنْفِ، وجَدْعِهِ، ووُقُوعِهِ في التُّرابِ في قَوْلِهِمْ: رَغِمَ أنْفُهُ، وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ، قالَ جَرِيرُ:

لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗ وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ

ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنِيَّ بِهَذا الوَعِيدِ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٌ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قَوْلُهُ (﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾) هو ما ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ. يُرِيدُ: ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ إلى فَتْحِمَكَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى (﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾) سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ قالَ: وقَدْ خُطِمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ يَزَلْ مَخْطُومًا إلى أنْ ماتَ، ولَمْ يُعَيِّنِ ابْنُ عَبّاسٍ مَن هو.

وقَدْ كانُوا إذا ضَرَبُوا بِالسُّيُوفِ قَصَدُوا الوُجُوهَ والرُّءُوسَ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَمّا بَلَّغَهُ قَوْلُ أبِي حُذَيْفَةَ لَئِنْ لَقِيَتُ العَبّاسَ لَأُلَجِّمَنَّهُ السَّيْفَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ «يا أبا حَفْصٍ أيُضْرَبُ وجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ» ؟ .

وقِيلَ هَذا وعِيدٌ بِتَشْوِيهِ أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وجُعِلَ تَشْوِيهُهُ يَوْمَئِذٍ في أنْفِهِ لِأنَّهُ إنَّما بالَغَ في عَداوَةِ الرَّسُولِ والطَّعْنِ في الدِّينِ بِسَبَبِ الأنَفَةِ والكِبْرِياءِ، وقَدْ كانَ الأنْفُ مَظْهَرَ الكِبْرِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الكِبْرُ أنَفَةً اشْتِقاقًا مِنِ اسْمِ الأنْفِ فَجُعِلَتْ شَوْهَتُهُ في مَظْهَرِ آثارِ كِبْرِيائِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском