Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Jumu'ah 62:6–8
62:6Page 553
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
أعْقَبَ تَمْثِيلَ حالِ جَهْلِهِمْ بِالتَّوْراةِ بِذِكْرِ زَعْمٍ مِن آثارِ جَهْلِهِمْ بِها إبْطالًا لِمَفْخَرَةٍ مَزْعُومَةٍ عِنْدَهم أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وبَقِيَّةُ النّاسِ لَيْسُوا مِثْلَهم. وذَلِكَ أصْلٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ حُجَّةً عَلى أنَّ شُئُونَهم أفْضَلُ مِن شُئُونِ غَيْرِهِمْ. ومِن ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمُ السَّبْتَ أفْضَلَ أيّامِ الأُسْبُوعِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْأُمِّيِّينَ مِثْلُهُ فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الجُمُعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ اغْتاظُوا، وفي الكَشّافِ افْتَخَرَ اليَهُودُ بِالسَّبْتِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرْعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمُعَةَ.
وافْتُتِحَ بِفِعْلِ قُلْ لِلِاهْتِمامِ.
و﴿الَّذِينَ هادُوا﴾: هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَهُودًا، وتَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ اليَهُودِ يَهُودًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هادُوا) بِمَعْنى تابُوا لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وأشْهَرُ وصْفِ بَنِي إسْرائِيلَ في القُرْآنِ بِأنَّهم هُودٌ جَمْعُ هائِدٍ مِثْلُ قُعُودٍ جَمْعُ قاعِدٍ. وأصِلُ هُودٍ هُوُودٌ وقَدْ تُنُوسِيَ مِنهُ هَذا المَعْنى وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَنُودُوا بِهِ هُنا بِهَذا الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ ثَناءٍ عَلَيْهِمْ أوْ هو تَهَكُّمٌ.
وجِيءَ بِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي الأصْلُ فِيها عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ مَعَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا مُحَقَّقُ الوُقُوعِ إذْ قَدِ اشْتَهَرُوا بِهَذا الزَّعْمِ وحَكاهُ القُرْآنُ عَنْهم في سُورَةِ العُقُودِ
صفحة ٢١٦
﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ زَعْمَهم هَذا لَمّا كانَ باطِلًا بِالدَّلائِلِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُفْرَضُ وُقُوعُهُ كَما يُفْرَضُ المُسْتَبْعَدُ وكَأنَّهُ لَيْسَ واقِعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] ويُفِيدُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. وهَذا إلْجاءٌ لَهم حَتّى يَلْزَمَهم ثُبُوتُ شَكِّهِمْ فِيما زَعَمُوهُ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (فَتَمَنَّوُا) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ: كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
ووَجْهُ المُلازِمَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ أنَّ المَوْتَ رُجُوعُ الإنْسانِ بِرُوحِهِ إلى حَياةٍ أبَدِيَّةٍ تَظْهَرُ فِيها آثارُ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أوْ غَضَبِهِ لِيَجْزِيَهُ عَلى حَسَبِ فِعْلِهِ.
والنَّتِيجَةُ الحاصِلَةُ مِن هَذا الشَّرْطِ تُحَصِّلُ أنَّهم مِثْلُ جَمِيعِ النّاسِ في الحَياتَيْنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وآثارِهِما، واخْتِلافِ أحْوالِ أهْلِهِما، فَيُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم لَيْسُوا أفْضَلَ مِنَ النّاسِ. وهَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] .
وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قَدْ يَعْرِضُ لِلنّاظِرِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعارَضَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ. وما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّءَ ﷺ قالَ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ، فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ فَقالَ لَها لَيْسَ ذَلِكَ» الحَدِيثَ. وما رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسى فَلَمّا جاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ إلى قَوْلِهِ قالَ مُوسى فالآنَ» .
ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، ولَيْسُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ الفَوْزَ مَضْمُونٌ لَهم كَما تَوَهَّمَ اليَهُودُ.
فَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنْ حالِ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ يَوْمَئِذٍ، وهم عامَّةٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأوْقامُ والغُرُورُ بَعْدَ انْقِراضِ عُلَمائِهِمْ، فَهو حِكايَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ قَوْمٍ. وأمّا الأخْبارُ الَّتِي أوْرَدْناها فَوَصَفٌ لِأحْوالٍ مُعَيَّنَةٍ وأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ فَلا
صفحة ٢١٧
تَعارُضَ مَعَ اخْتِلافِ الأحْوالِ والأزْمانِ، فَلَوْ حَصَلَ لِأحَدٍ يَقِينٌ بِالتَّعْجِيلِ إلى النَّعِيمِ لَتَمَنّى المَوْتَ إلّا أنْ تَكُونَ حَياتُهُ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ كَحَياةِ الأنْبِياءِ.
فَعَلى الأوَّلِ يُحْمَلُ حالُ عُمَيْرِ بْنِ الحُمامِ في قَوْلِهِ:
جَرْيًا إلى اللَّهِ بِغَيْرِ زادٍ
وحالُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبِ يَوْمَ مُوتَةَ وقَدِ اقْتَحَمَ صَفَّ المُشْرِكِينَ:
يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها
وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةَ ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
المُتَقَدِّمَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مَضْمُونَةُ الجَزاءِ الأحْسَنِ والمَغْفِرَةِ التّامَّةِ.
وعَلى الثّانِي يُحْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعائِشَةَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ «مِن أحَبِّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ» إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبُّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ. وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَلَكِ المَوْتِ: فالآنَ.
62:7Page 553
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَتَيِ القَوْلَيْنِ قُصِدَ بِهِ تَحَدِّيهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءً لِلَّهِ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا مَعْذِرَةً لَهم مِن عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ وإنَّما المَقْصُودُ زِيادَةُ الكَشْفِ عَنْ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وإثْباتِ أنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِدْلالُ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ بِتَحَقُقِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] . وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ العُقُودِ.
والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يَتَمَنَّوْنَهُ) المَنفِيِ فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ هو سَبَبُ انْتِفاءِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ ألْقى في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِمّا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَكانَ سَبَبُ صَرْفِهِمْ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ لِتَقَدُمِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٢١٨
وما مَوْصُولَةٌ وعائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ وحَذْفُهُ أغْلَبِيٌّ في أمْثالِهِ.
والأيْدِي مَجازٌ في اكْتِسابِ الأعْمالِ لِأنَّ اليَدَ يَلْزَمُها الِاكْتِسابُ غالِبًا. وماصَدَقَ (ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهم) سَيِّئاتُهم ومَعاصِيهم بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وما ذَكَرْتُهُ هُنا أتَمُّ مِمّا هُنالِكَ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما.
والتَّقْدِيمُ: أصْلُهُ جَعَلُ الشَّيْءِ مُقَدَّمًا، أيْ سابِقًا غَيْرَهُ في مَكانٍ يَقْعُوهُ فِيهِ غَيْرُهُ. واسْتُعِيرَ هُنا لِما سَلَفَ مِنَ العَمَلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِشَيْءٍ يَسْبِقُهُ المَرْءُ إلى مَكانٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾، أيْ: عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ وبِأحْوالِ أمْثالِهِمْ مِنَ الظّالِمِينَ فَشَمَلَ لَفْظُ الظّالِمِينَ اليَهُودَ فَإنَّهم مِنَ الظّالِمِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ظُلْمِهِمْ في الآيَةِ قَبْلَها. وقَدْ وصَفَ اليَهُودَ بِالظّالِمِينَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] والمَقْصُودُ أنَّ إحْجامَهم عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ لِما في نُفُوسِهِمْ مِن خَوْفِ العِقابِ عَلى ما فَعَلُوهُ في الدُّنْيا، فَكُنِّيَ بِعِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ عَنْ عَدَمِ انْفِلاتِهِمْ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها فَفي هَذا وعِيدٌ لَهُمْ
62:8Page 553
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
تَصْرِيحٌ بِما اقْتَضاهُ التَّذْيِيلُ مِنَ الوَعِيدِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنَ الجَزاءِ عَنْ أعْمالِهِمْ ولَوْ بَعُدَ زَمانُ وُقُوعِها لِأنَّ طُولَ الزَّمانِ لا يُؤَثِّرُ في عِلْمِ اللَّهِ نِسْيانًا، إذْ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]، وإعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) مِن قَبِيلِ إعادَةِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] في سُورَةِ العُقُودِ.
ووَصَفَ المَوْتَ بِ ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَلَعَهم مِنَ المَوْتِ خَطَأٌ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
صفحة ٢١٩
إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وأطْلَقَ الفِرارَ عَلى شِدَّةِ الحَذَرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.
واقْتَرانُ خَبَرِ إنَّ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ لِأنَّ اسْمَ إنَّ نُعِتَ بِاسْمِ المَوْصُولِ والمَوْصُولُ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ فَعُومِلَ اسْمُ إنَّ المَنعُوتُ بِالمَوْصُولِ مُعامَلَةَ نَعْتِهِ.
وإعادَةُ إنَّ الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِ جَرِيرِ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. وفي سُورَةِ الحَجِّ أيْضًا.
والإنْباءُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلَيْهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences