Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Saba 34:32–36
34:32Page 432
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾
جُرِّدَ فِعْلُ ”قالَ“ عَنِ العاطِفِ لِأنَّهُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ المُجاوَبَةِ، والشَّأْنُ فِيهِ حِكايَةُ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ عَلى قَوْلٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ تَبَرُّؤًا مِنهم. وهَذا الإنْكارُ بُهْتانٌ وإنْكارٌ لِلْواقِعِ بَعَثَهُ فِيهِمْ خَوْفُ إلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِمْ وفَرْطُ الغَضَبِ والحَسْرَةِ مِنِ انْتِقاضِ أتْباعِهِمْ عَلَيْهِمْ وزَوالِ حُرْمَتِهِمْ بَيْنَهم فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ لا يُكَذِّبُوهم ويَذِيلُوا بِتَوْرِيطِهِمْ.
وأتى بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ قَبْلَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي هو في قُوَّةِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ عَلى طَرِيقَةِ: ما أنا قُلْتُ هَذا.
والمَعْنى: ما صَدَدْناكم ولَكِنْ صَدَّكم شَيْءٌ آخَرُ وهو المَعْطُوفُ بِـ ”بَلِ“ الَّتِي لِلْإبْطالِ بِقَوْلِهِ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، أيْ ثَبَتَ لَكُمُ الإجْرامُ مِن قَبْلُ، وإجْرامُكم هو الَّذِي صَدَّكم إذْ لَمْ تَكُونُوا عَلى مُقارَبَةِ الإيمانِ فَنَصُدَّكم عَنْهُ ولَكِنَّكم صَدَدْتُمْ وأعْرَضْتُمْ بِإجْرامِكم ولَمْ تَقْبَلُوا دَعْوَةَ الإيمانِ.
صفحة ٢٠٧
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ حالَنا وحالَكم سَواءٌ، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ أعْمالِهِ فَإنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ كانَ مُعْرِضًا عَنِ الإيمانِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ مُكابَرَةٌ مِنهم وبُهْتانٌ وسَفْسَطَةٌ فَإنَّهم كانُوا يَصُدُّونَ الدَّهْماءَ عَنِ الدِّينِ ويَخْتَلِقُونَ لَهُمُ المَعاذِيرَ. وإنَّما نَفَوْا هُنا أنْ يَكُونُوا مُحَوِّلِينَ لَهم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ تَقَلُّدِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُدَّعى.
فَمَوْقِعُ السَّفْسَطَةِ هو قَوْلُهم بَعْدَ إذْ جاءَكم لِأنَّ المَجِيءَ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاقْتِرابِ مِنهُ والمُخالَطَةِ لَهُ.
و”إذْ“ في قَوْلِهِ إذْ جاءَكم مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ ومَحْضَةٌ لِكَوْنِها اسْمَ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ وهو أصْلُ وضْعِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِهَذا صَحَّتْ إضافَةُ ”بَعْدَ“ إلَيْها لِأنَّ الإضافَةَ قَرِينَةٌ عَلى تَجْرِيدِ ”إذْ“ مِن مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الزَّمانِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ. والتَّقْدِيرُ: بَعْدَ زَمَنِ مَجِيئِهِمْ إيّاكم. و”بَلْ“ إضْرابُ إبْطالٍ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ، أيْ ما صَدَدْناكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ.
والإجْرامُ: الشِّرْكُ وهو مُؤْذِنٌ بِتَعَمُّدِهِمْ إيّاهُ وتَصْمِيمِهِمْ عَلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ دُونَ تَسْوِيلِ مُسَوِّلٍ.
34:33Page 432
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣
Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?
﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ لَمْ تَجْرِ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ الَّتِي تُحْكى بِدُونِ عَطْفٍ عَلى حُسْنِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُقاوَلاتِ كَما اسْتَقْرَيْناهُ مِنِ اسْتِعْمالِ الكِتابِ المَجِيدِ وقَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً الآيَةَ، فَجِيءَ بِحَرْفِ العَطْفِ في حِكايَةِ هَذِهِ المَقالَةِ مَعَ أنَّ المُسْتَضْعَفِينَ جاوَبُوا بِها قَوْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أنَحْنُ صَدَدْناكُمُ الآيَةَ لِنُكْتَةٍ دَقِيقَةٍ، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَقالَةَ المُسْتَضْعَفِينَ هَذِهِ هي في المَعْنى تَكْمِلَةٌ لِمَقالَتِهِمْ تَلَقَّفَها الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فابْتَدَرُوها بِالجَوابِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هُنالِكَ بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرُوا تَمامَ كَلامِهِمْ وأبْلَغُوهم رِيقَهم لَحَصَلَ ما فِيهِ إبْطالُ كَلامِهِمْ ولَكِنَّهم قاطَعُوا
صفحة ٢٠٨
كَلامَهم مِن فَرْطِ الجَزَعِ أنْ يُؤاخَذُوا بِما يَقُولُهُ المُسْتَضْعَفُونَ.
وحُكِيَ قَوْلُهم هَذا بِفِعْلِ المُضِيِّ لِمُزاوَجَةِ كَلامِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ قَوْلَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هَذا بَعْدَ أنْ كانَ تَكْمِلَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ، انْقَلَبَ جَوابًا عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ مِن أنْ يَكُونُوا صَدُّوا المُسْتَضْعَفِينَ عَنِ الهُدى، فَصارَ لِقَوْلِ المُسْتَضْعَفِينَ مَوْقِعانِ يَقْتَضِي أحَدُ المَوْقِعَيْنِ عَطْفَهُ بِالواوِ، ويَقْتَضِي المَوْقِعُ الآخَرُ قَرْنَهُ بِحَرْفِ بَلْ وبِزِيادَةِ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وأصْلُ الكَلامِ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ إذْ تَأْمُرُونَنا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ الَخْ. فَلَمّا قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ بِكَلامِهِمْ أُقْحِمَ في كَلامِ المُسْتَضْعَفِينَ حَرْفُ ”بَلْ“ إبْطالًا لِقَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ”بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ“، وبِذَلِكَ أفادَ تَكْمِلَةَ الكَلامِ السّابِقِ والجَوابَ عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَعْطِفْ بِالواوِ لَما أفادَ إلّا أنَّهُ جَوابٌ عَنْ كَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ فَقَطْ، وهَذا مِن أبْدَعِ الإيجازِ.
وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ أيْضًا إبْطالًا لِمُقْتَضى القَصْرِ في قَوْلِهِمْ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى فَإنَّهُ واقِعٌ في حَيِّزِ نَفْيٍ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لَهُ مَعْنى النَّفْيِ.
ومَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الإضافَةِ عَلى مَعْنى ”في“، وهُنالِكَ مُضافٌ إلَيْهِ ومَجْرُورٌ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما السِّياقُ، أيْ مَكْرُكم بِنا.
وارْتَفَعَ ”مَكْرُ“ عَلى الِابْتِداءِ. والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ هَذا الكَلامِ بِكَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ إذْ هو جَوابٌ عَنْهُ. فالتَّقْدِيرُ: بَلْ مَكْرُكم صَدَّنا، فَيُفِيدُ القَصْرَ، أيْ ما صَدَّنا إلّا مَكْرُكم، وهو نَقْضٌ تامٌّ لِقَوْلِهِمْ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى وقَوْلِهِمْ ”بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ“ .
والمَكْرُ: الِاحْتِيالُ بِإظْهارِ الماكِرِ فِعْلَ ما لَيْسَ بِفاعِلِهِ لِيُغَرَّ المُحْتالُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ وفي قَوْلِهِ تَعالى ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ في آلِ عِمْرانَ.
وإطْلاقُ المَكْرِ عَلى تَسْوِيلِهِمْ لَهُمُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، بِاعْتِبارِ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلَيْهِمْ ويُوهِمُونَهم أشْياءَ كَقَوْلِهِمْ: إنَّهُ دِينُ آبائِكم وكَيْفَ تَأْمَنُونَ غَضَبَ الآلِهَةِ عَلَيْكم إذا
صفحة ٢٠٩
تَرَكْتُمْ دِينَكم ونَحْوَ ذَلِكَ. والِاحْتِيالُ لا يَقْتَضِي أنَّ المُحْتالَ غَيْرُ مُسْتَحْسِنٍ الفِعْلَ الَّذِي يَحْتالُ لِتَحْصِيلِهِ.
والمَعْنى: مُلازَمَتُهُمُ المَكْرَ لَيْلًا ونَهارًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالشِّرْكِ. وإذْ تَأْمُرُونَنا ظَرْفٌ لِما في مَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن مَعْنى صَدَّنا أيْ حِينَ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ.
والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ، وهو المُماثِلُ، أيْ نَجْعَلُ لِلَّهِ أمْثالًا في الإلَهِيَّةِ.
وهَذا تَطاوُلٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ عَلى مُسْتَكْبِرِيهِمْ لَمّا رَأوْا قِلَّةَ غَنائِهِمْ عَنْهم، واحْتَقَرُوهم حِينَ عَلِمُوا كَذِبَهم وبُهْتانَهم.
وقَدْ حُكِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الآيَتَيْنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبإ: ٣١] فَتَكُونُ حالًا. ويَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبإ: ٣١] .
وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ وهُمُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. والمَعْنى: أنَّهم كُشِفَ لَهم عَنِ العَذابِ المُعَدِّ لَهم، وذَلِكَ عَقِبَ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ التَّرامِيَ الواقِعَ بَيْنَهم لَمْ يُغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا، فَحِينَئِذٍ أيْقَنُوا بِالخَيْبَةِ ونَدِمُوا عَلى ما فاتَ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا وأسَرُّوا النَّدامَةَ في أنْفُسِهِمْ، وكَأنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ اسْتِبْقاءً لِلطَّمَعِ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهم أوِ اتِّقاءً لِلْفَضِيحَةِ بَيْنَ أهْلِ المَوْقِفِ، وقَدْ أعْلَنُوا بِها مِن بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ”أسَرُّوا“ هُنا بِمَعْنى أظْهَرُوا، وزَعَمَ أنَّ أسَرَّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ ضِدَّيْنِ. فَأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَسَلَّمَهُ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ وقَدْ فَسَّرَ الزَّوْزَنِيُّ الإسْرارَ بِالمَعْنَيَيْنِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة ٢١٠
تَجاوَزْتُ أحْراسًا إلَيْها ومَعْشَرًا عَلَيَّ حِراصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
وأمّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: ولَمْ يَثْبُتْ قَطُّ في اللُّغَةِ أنَّ أسَرَّ مِنَ الأضْدادِ. قُلْتُ: وفِيهِ نَظَرٌ. وقَدْ عَدَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ في الأضْدادِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ الفَرَزْدَقِ:
ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ∗∗∗ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرا
وفِي كِتابِ الأضْدادِ لِأبِي الطَّيِّبِ الحَلَبِيِّ: قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا أثِقُ بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في القُرْآنِ ولا في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ والفَرَزْدَقُ كَثِيرُ التَّخْلِيطِ في شِعْرِهِ. وذَكَرَ أبُو الطَّيِّبِ عَنِ التَّوَّزِيِّ أنَّ غَيْرَ أبِي عُبَيْدَةَ أنْشَدَ بَيْتَ الفَرَزْدَقِ والَّذِي جَرَّ عَلى تَفْسِيرِ ”أسَرُّوا“ بِمَعْنى أظْهَرُوا هُنا هو ما يَقْتَضِي إعْلانَهم بِالنَّدامَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١]، وفي آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] الآيَةَ.
والنَّدامَةُ: التَّحَسُّرُ مِن عَمَلٍ فاتَ تَدارُكُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] في سُورَةِ العُقُودِ.
* * *
﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ [سبإ: ٣١]، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى إذْ جَعَلْنا الأغْلالَ في رَقَبَةِ المَأْسُورِ ونَحْوِهِ ويُشَدُّ إلَيْها بِسِلْسِلَةٍ أوْ سَيْرٍ مِن جِلْدٍ أوْ حَبْلٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ. وجَعْلُ الأغْلالِ في الأعْناقِ شِعارٌ عَلى أنَّهم يُساقُونَ إلى ما يُحاوِلُونَ الفِرارَ والِانْفِلاتَ مِنهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥] في الرَّعْدِ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَرَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ المُتَقَدِّمَةُ فالإتْيانُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وكَوْنُهُ مَوْصُولًا لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الكُفْرِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا
صفحة ٢١١
كَأنَّ سائِلًا اسْتَعْظَمَ هَذا العَذابَ وهو تَعْرِيضٌ بِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ ”هَلْ“ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ بِاعْتِبارِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَتَقْدِيرُ المَعْنى: هَلْ جُزُوا بِغَيْرِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ.
وما كانُوا يَعْمَلُونَ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ يُجْزَوْنَ لِأنَّ جَزى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى، كَما يَتَعَدّى إلَيْهِ بِالبابِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى: عَوَّضَهُ.
وجُعِلَ جَزاؤُهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ كِنايَةٌ عَنِ المُعادَلَةِ فِيما يُجاوِزُونَهُ بِمُساواةِ الجَزاءِ لِلْأعْمالِ الَّتِي جُوزُوا عَلَيْها حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] .
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ مُماثِلًا في المِقْدارِ أمْرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُ الحَقائِقِ والنِّيّاتِ، وأمّا كَوْنُهُ وِفاقًا في النَّوْعِ فَلِأنَّ وضْعَ الأغْلالِ في الأعْناقِ مَنعٌ مِن حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ في أنْفُسِهِمْ لِأصْنامِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، وما تَقَبَّلُوهُ مِنِ اسْتِعْبادِ زُعَمائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] .
ومِن غُرَرِ المَسائِلِ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ لَمّا كانَ عَرَضَ عَلَيْهِ في دَرْسِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] فَسَألَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ: هَلْ يَسْتَقِيمُ أنْ نَأْخُذَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما يُؤَيِّدُ فِعْلَ الأُمَراءِ أصْلَحَهُمُ اللَّهُ مِنَ الإتْيانِ بِالمُحارِبِينَ ونَحْوِهِمْ مَغْلُولِينَ مِن أعْناقِهِمْ مَعَ قَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِجَوازِ القِياسِ في العُقُوباتِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ”في حَدِّ الفاحِشَةِ“ فَأجابَهُ الشَّيْخُ بِأنْ لا دَلالَةَ فِيها لِأنَّ مالِكًا إنَّما أجازَ القِياسَ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا، وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في الآخِرَةِ فَلا بُدَّ لِجَوازِهِ مِن دَلِيلٍ.
34:34Page 432
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلِانْتِقالِ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ
صفحة ٢١٢
وخاصَّةً ما قابَلَهُ بِهِ سادَتُهم وكُبَراؤُهم مِنَ التَّأْلِيبِ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِهِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ غَضاضَةٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ في الزُّخْرُفِ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] الَخْ، أيْ وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ الَّذِي كَذَّبَكَ أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ. والتَّعْرِيضُ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ عادَوْهُ بِتَذْكِيرِهِمْ عاقِبَةَ أمْثالِهِمْ مِن أهْلِ القُرى الَّتِي كَذَّبَ أهْلُها وأغْراهم بِذَلِكَ زُعَماؤُهم.
والمُتْرَفُونَ: الَّذِينَ أُعْطُوا التَّرَفَ، والتَّرَفُ: النَّعِيمُ وسَعَةُ العَيْشِ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ: أنَّ اللَّهَ أتْرَفَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وفِي بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ تَعْرِيضٌ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَها ويُقْلِعُونَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُ تَقْدِيرُهُ: أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ أبْطَرَتْهم.
و﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ﴾ حِكايَةٌ لِلْقَوْلِ بِالمَعْنى: أيْ قالَ مُتْرَفُو كُلِّ قَرْيَةٍ لِرَسُولِهِمْ: إنّا بِما أُرْسِلْتَ بِهِ كافِرُونَ. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ الَّتِي يُرادُ مِنها التَّوْزِيعُ عَلى آحادِ الجَمْعِ.
وقَوْلُهم أُرْسِلْتُمْ بِهِ تَهَكُّمٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ كافِرُونَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذَّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، أوِ المَعْنى: إنّا بِما ادَّعَيْتُمْ أنَّكم أُرْسِلْتُمْ بِهِ.
34:35–36Page 432
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَفَّوْا عَلى صَرِيحِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِكَلامٍ كَنَّوْا بِهِ عَنْ إبْطالِ حَقِيقَةِ الإسْلامِ بِدَلِيلٍ سِفُسْطائِيٍّ فَجَعَلُوا كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حُجَّةً عَلى أنَّهم أهْلُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَمِيرُ ”وقالُوا“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وهَذا مِن تَمْوِيهِ الحَقائِقِ بِما يَحُفُّ
صفحة ٢١٣
بِها مِنَ العَوارِضِ فَجَعَلُوا ما حَفَّ بِحالِهِمْ في كُفْرِهِمْ مِن وفْرَةِ المالِ والوَلَدِ مِن حُجَّةٍ عَلى أنَّهم مَظِنَّةُ العِنايَةِ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ. وهَذا تَعْرِيضٌ مِنهم بِعَكْسِ حالِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حالَ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وشَظَفِ عَيْشِهِمْ حُجَّةٌ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَحْظُوظِينَ عِنْدَ اللَّهِ ولَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ لا عَلاقَةَ لَها بِأحْوالِ الأوْلادِ. وهَذا المَبْدَأُ الوَهْمِيُّ السِّفُسْطائِيُّ خَطِيرٌ في العَقائِدِ الضّالَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ والمُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْلُو المُسْلِمُونَ مِن قَرِيبٍ مِنها في تَصَرُّفاتِهِمْ في الدِّينِ ومَرْجِعُها إلى قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وهو قِياسٌ يُصادِفُ الصَّوابَ تارَةً ويُخْطِئُهُ تاراتٍ.
ومِن أكْبَرِ أخْطاءِ المُسْلِمِينَ في هَذا البابِ خَطَأُ اللَّجَأِ إلى القَضاءِ والقَدَرِ في أعْذارِهِمْ وخَطَأُ التَّخَلُّقِ بِالتَّوَكُّلِ في تَقْصِيرِهِمْ وتَكاسُلِهِمْ.
فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وقَوْلُهم ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾، وإنَّما جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ العَطْفِ لِتَرْجِيحِ جانِبِ الفائِدَةِ المُسْتَقِلَّةِ عَلى جانِبِ الِاسْتِنْساخِ الَّذِي يُومِئُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَهُ وهو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ اسْتِدْلالٌ لِصِحَّةِ دِينِهِمْ ولِإبْطالِ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ ثُمَّ الِافْتِخارِ بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ والضَّعَةِ لِجانِبِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةٍ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ عَلى مُلازَمَةٍ مَوْهُومَةٍ، وكَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ عَلى أنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى قِياسِ مُساواةٍ مَطْوِيٍّ فَكَأنَّهم حَصَرُوا وسائِلَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ في وفْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ. ولَوْلا هَذا التَّأْوِيلُ لَخَلا كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَنْ أهَمِّ مَعْنَيَيْهِما وبِهِ يَكُونُ مَوْقِعُ الجَوابِ بِـ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَعْنى، أيْ قُلْ لَهم: إنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْتِيرَهُ شَأْنٌ آخَرُ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ المَنُوطَةِ بِما قَدَّرَهُ في نِظامِ هَذا العالَمِ، أيْ فَلا مُلازَمَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ، والهُدى والضَّلالِ، ولَوْ تَأمَّلْتُمْ أسْبابَ الرِّزْقِ لَرَأيْتُمُوها لا تُلاقِي أسْبابَ الغَيِّ والِاهْتِداءِ، فَرُبَّما وسَّعَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَلى العاصِي وضَيَّقَهُ عَلى المُطِيعِ ورُبَّما عَكَسَ فَلا يُغْرَنَّهم هَذا وذاكَ فَإنَّكم لا تَعْلَمُونَ.
وهَذا ما جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُصِيبًا المَحَزَّ، فَأكْثَرُ النّاسِ
صفحة ٢١٤
تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ فَيَخْلِطُونَ بَيْنَها ولا يَضَعُونَ في مَواضِعِها زَيْنَها وشَيْنَها.
وقَدْ أفادَ هَذا أنَّ حالَها غَيْرُ دالٍّ عَلى رِضا اللَّهِ عَنْهم ولا عَدَمِهِ، وهَذا الإبْطالُ هو ما يُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ نَقْضًا إجْمالِيًّا.
وبَسْطُ الرِّزْقِ: تَيْسِيرُهُ وتَكْثِيرُهُ اسْتُعِيرَ لَهُ البَسْطُ وهو نَشْرُ الثَّوْبِ ونَحْوِهِ لِأنَّ المَبْسُوطَ تَكْثُرُ مِساحَةُ انْتِشارِهِ.
وقَدْرُ الرِّزْقِ: عُسْرُ التَّحْصِيلِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ حاصِلِهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ القَدْرُ، أيِ التَّقْدِيرُ وهو التَّحْدِيدُ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ وحِسابُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ في ضِدِّهِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، ومَفْعُولُ يَقْدِرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، بِاعْتِبارِ عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن كَوْنِهِ صالِحًا أوْ طالِحًا، ومِنِ انْتِفاءِ عَمَلِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَوَهَّمُوا بَسْطَ الرِّزْقِ عَلامَةً عَلى القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ، وضِدَّهُ عَلامَةً عَلى ضِدِّ ذَلِكَ. وبِهَذا أخْطَأ قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ الرّاوَنْدِيِّ:
كَمْ عاقِلٍ عاقِلٌ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ وجاهِلٍ جاهِلٌ تَلْقاهُ مَرْزُوقًا
هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا
فَلَوْ كانَ عالِمًا نِحْرِيرًا لَما تَحَيَّرَ فَهْمُهُ، وما تَزَنْدَقَ مِن ضِيقِ عَطَنِ فِكْرِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences