Saba 34:8
Sheba · Juz 22 · Page 429
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
Tafsir · in Arabic
Al-Alusi
Detailed
Change
Commentary on 34:8
﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو عَمْرٍو الجاحِظُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ صِدْقَ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ مَعَ الِاعْتِقادِ، وكَذِبَهُ عَدَمُها مَعَهُ، وغَيْرَهُما لَيْسَ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ وهم عُقَلاءُ مِن أهْلِ اللِّسانِ عارِفُونَ بِاللُّغَةِ حَصَرُوا أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ بِالبَعْثِ في الِافْتِراءِ والأخْبارُ حالُ الجَنَّةِ عَلى سَبِيلِ مَنعِ الخُلُوِّ بِالمَعْنى الأعَمِّ ولا شَكَّ أنَّ المُرادِ بِالثّانِي غَيْرُ الكَذِبِ لِأنَّهُ قَسِيمُهُ وغَيْرُ الصِّدْقِ لِأنَّهُمُ اِعْتَقَدُوا عَدَمَهُ، وأيْضًا لا دَلالَةَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ عَلى مَعْنى أمْ صِدْقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الخَبَرِ ما لَيْسَ بِصادِقٍ ولا كاذِبٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ بِزَعْمِهِمْ وإنْ كانَ صادِقًا في نَفْسِ الأمْرِ، وتَوْضِيحُهُ أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ هَذا يَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَعْيِينِ أحَدِ حالَيِ النَّبِيِّ ﷺ المُسْتَوِيَيْنِ في اِعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ حِينَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ وهو يَسْتَلْزِمُ تَعْيِينَ أحَدِ حالَيِ الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامُ هاهُنا لِلتَّقْرِيرِ فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أحَدِ الحالَيْنِ لِلْخَبَرِ ولا شَكَّ أنَّ ثُبُوتَ أحَدِهِما لا يُثْبِتُ الواسِطَةَ ما لَمْ يُعْتَبَرْ تَنافِيهِما وكَذا تَنافِيهِما في الجَمْعِ لا يُثْبِتُها بَلْ لا بُدَّ مِن تَنافِيهِما في الِارْتِفاعِ، يَعْنِي أنَّ خَبَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالبَعْثِ لا يَخْلُو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُتَنافِيَيْنِ، فَيَكُونُ المُرادِ بِالثّانِي ما هو مُنافٍ وقَسِيمٌ لِلْأوَّلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ الصِّدْقِ، فَلَيْسَ الصِّدْقُ عِبارَةً عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ فَقَطْ والكَذِبُ عَنْ عَدَمِ المُطابَقَةِ لَهُ كَما يَقُولُ الجُمْهُورُ، أوْ عَنْ مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ لَهُ وعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لَهُ كَما يَقُولُ النَّظّامُ فَيَكُونانِ عِبارَتَيْنِ عَنْ مُطابَقَتِهِما وعَدَمِ مُطابَقَتِهِما وتَثْبُتُ الواسِطَةُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أمْ لَمْ يَفْتَرِ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الِافْتِراءِ بِالجِنَّةِ لِأنَّ المَجْنُونَ يَلْزَمُهُ أنْ لا اِفْتِراءَ لَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَقْلُ الأئِمَّةِ، واسْتِعْمالُ العَرَبِ الكَذِبَ عَنْ عَمْدٍ ولا عَمْدَ لِلْمَجْنُونِ فالثّانِي لَيْسَ قَسِيمًا لِلْكَذِبِ بَلْ لِما هو أخَصُّ مِنهُ، أعْنِي الِافْتِراءَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَصْرًا لِلْخَبَرِ الكاذِبِ بِزَعْمِهِمْ في نَوْعَيْهِ الكَذِبِ عَنْ عَمْدٍ والكَذِبِ لا عَنْ عَمْدٍ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الِافْتِراءَ بِمَعْنى الكَذِبِ مُطْلَقًا فالمَعْنى أقْصِدُ الِافْتِراءَ أيِ الكَذِبَ أمْ لَمْ يَقْصِدْ بَلْ كَذِبَ بِلا قَصْدٍ لِما بِهِ مِنَ الجِنَّةِ.
وقِيلَ: المَعْنى اِفْتَرى أمْ لَمْ يَفْتَرِ بَلْ بِهِ جُنُونٌ وكَلامُ المَجْنُونِ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِأنَّهُ لا قَصْدَ لَهُ يُعْتَدُّ بِهِ ولا شُعُورَ فَيَكُونُ مُرادُهم حَصْرُهُ في كَوْنِهِ خَبَرًا كاذِبًا أوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ فَلا يَثْبُتُ خَبَرُ لا يَكُونُ صادِقًا ولا كاذِبًا، ونُوقِشَ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ المَعانِي.
بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الطِّيبِيَّ أشارَ إلى أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ كَوْنُ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً واعْتَرَضَهُ بِأنَّ الظّاهِرَ كَوْنُها مُنْقَطِعَةً إمّا لَفْظًا فَلِاخْتِلافِ مَدْخُولِ الهَمْزَةِ وأمْ، وإمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الكَفَرَةَ المُعانِدِينَ لَمّا أخْرَجُوا قَوْلَهم هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم مَخْرَجَ الظَّنِّ والسُّخْرِيَةِ مُتَجاهِلِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِكَلامِهِ مِن إثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وعَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أضْرَبُوا عَنْهُ إلى ما هو أبْلَغُ مِنهُ تَرَقِّيًا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ مِن نِسْبَةِ الجُنُونِ إلَيْهِ وحاشاهُ ﷺ فَكَأنَّهم قالُوا: دَعَوْا حَدِيثَ الِافْتِراءِ فَإنَّ هاهُنا ما هو أطْعَمُ مِنهُ لِأنَّ العاقِلَ كَيْفَ يُحَدِّثُ بِإنْشاءِ خَلْقٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الرُّفاتِ والتُّرابِ، ولَمّا كانَ التَّعْوِيلُ عَلى ما بَعْدَ الإضْرابِ مِن إثْباتِ الجُنُونِ أُوقِعَ الإضْرابُ الثّانِي في كَلامِهِ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ونَفْيًا لِلْجُنُونِ عَنْهُ صَلَواتُ اللَّهِ
صفحة 111
تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وإثْباتًا لَهُ فِيهِمْ إلى آخِرِ ما قالَ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ في كَلامِ الكَشّافِ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ: وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الفِعْلِ في جُنَّ إيماءٌ إلى أنَّ الثّابِتَ هو ذَلِكَ الشِّقُّ كَأنَّهُ قِيلَ: أعَنِ اِفْتِراءٍ هَذا الكَذِبُ العُجابُ أمْ جُنُونٍ، والتَّقابُلُ لِأنَّ المَجْنُونَ لا اِفْتِراءَ لَهُ فالِاسْتِدْلالُ عَلى الِانْقِطاعِ بِتَخالُفِ العَدِيلِينَ ساقِطٌ، وأمّا التَّرَقِّي مِنَ الِاتِّصالِ أيْضًا عَلى ما لَوَّحَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ ألْطَفُ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ الِاسْتِدْلالِ يَقْتَضِي الِاتِّصالَ لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ كَوْنَ الِاسْتِدْلالِ مَبْنِيًّا عَلى الِاتِّصالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وفي البَحْرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ هَلْ نَدُلُّكم تَرَدُّدٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ولَمْ يُجْزَمْ بِأحَدِهِما لِما في كُلٍّ مِنَ الفَظاعَةِ.
﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ إبْطالٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالُوا بِقَسِيمَيْهِ وإثْباتُ ما هو أشَدُّ وأفْظَعُ لَهم ولِذا وضَعَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَوْبِيخًا لَهم وإيماءً إلى سَبَبِ الحُكْمِ بِما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا بَلْ هم في كَمالِ اِخْتِلالِ العَقْلِ وغايَةِ الضَّلالِ عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ الَّذِي هو الجُنُونُ حَقِيقَةً وفِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ حَيْثُ أنْكَرُوا حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ وكَذَّبُوهُ عَزَّ وجَلَّ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ وتَعَرَّضُوا لِسَخَطِهِ سُبْحانَهُ، وتَقْدِيمُ العَذابِ عَلى ما يُوجِبُهُ ويَسْتَتْبِعُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما يَسُوءُهم ويَفُتُّ في أعَضادِهِمْ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ يُسابِقُهُ فَيَسْبِقُهُ، ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ الَّذِي هو وصْفُ الضّالِّ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ ضَلالَهم إذا كانَ بَعِيدًا في نَفْسِهِ فَكَيْفَ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ.
Page 429
34:8
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
34:9
أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩
Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].
34:10
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠
And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,
34:11
أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١
[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."
34:12
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢
And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.
34:13
يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣
They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.
34:14
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2