Az-Zumar 39:28
The Troops · Juz 23 · Page 461
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 39:27–28
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ إلى قَوْلِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ تَتِمَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وإرْشادِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ
صفحة ٣٩٧
وأعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ الفَرِيقِ الَّذِينَ لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ وطَعَنُوا فِيهِ وأنْكَرُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: لِجَمِيعِ النّاسِ فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً.
وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ ووَصْفُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْوِينُ ”مَثَلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ والشَّرَفِ، أيْ: مِن كُلٍّ أشْرَفَ الأمْثالِ، فالمَعْنى: ذَكَرْنا لِلنّاسِ في القُرْآنِ أمْثالًا هي بَعْضٌ مِن كُلِّ أنْفَعِ الأمْثالِ وأشْرَفِها. والمُرادُ: شَرَفُ نَفْعِها.
وخُصَّتْ أمْثالُ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَزايا القُرْآنِ لِأجْلِ لَفْتِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّدَبُّرِ في ناحِيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن نَواحِي إعْجازِهِ وهي بَلاغَةُ أمْثالِهِ، فَإنَّ بُلَغاءَهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في جَوْدَةِ الأمْثالِ وإصابَتِها المَحَزِّ مِن تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ.
وتَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
ومَعْنى الرَّجاءِ في ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ مُنْصَرِفٌ إلى أنَّ حالَهم عِنْدَ ضَرْبِ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ كَحالِ مَن يَرْجُو النّاسَ مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَظائِرِ هَذا التَّرَجِّي الواقِعِ في القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى التَّذَكُّرِ: التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ لِيَنْكَشِفَ لَهم ما هم غافِلُونَ عَنْهُ سَواءٌ ما سَبَقَ لَهم بِهِ عِلْمٌ فَنَسُوهُ وشُغِلُوا عَنْهُ بِسَفْسافِ الأُمُورِ، وما لَمْ يَسْبِقْ لَهم عِلْمٌ بِهِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَبْصِرَهُ الرَّأْيُ الأصِيلُ حَتّى إذا انْكَشَفَ لَهُ كانَ كالشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِلْمُهُ وذَهَلَ عَنْهُ، فَمَعْنى التَّذَكُّرِ مَعْنًى بَدِيعٌ شامِلٌ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.
وهَذا وصْفُ القُرْآنِ في حَدِّ ذاتِهِ إنْ صادَفَ عَقْلًا صافِيًا ونَفْسًا مُجَرَّدَةً
صفحة ٣٩٨
عَنِ المُكابَرَةِ، فَتَذَكَّرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَبْلُ، وتَذَكَّرَ بِهِ مَن كانَ التَّذَكُّرُ بِهِ سَبَبًا في إيمانِهِ بَعْدَ كُفْرِهِ بِسُرْعَةٍ أوْ بِبُطْءٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ فَإنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِهِمْ لِنَقْصٍ في فِطْرَتِهِمْ وتَغْشِيَةِ العِنادِ لِألْبابِهِمْ.
وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾“ .
وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيَّنِ بِالقُرْآنِ، فالحالُ هُنا مُوَطِّئَةٌ لِأنَّها تَوْطِئَةٌ لِلنَّعْتِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]“ وإنْ كانَ بِظاهِرِ لَفْظِ ”قُرْآنًا“ حالًا مُؤَكَّدَةً ولَكِنَّ العِبْرَةَ بِما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ عَرَبِيًّا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلْحالِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ التَّوَرُّكُ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ تَلَقَّوُا القُرْآنَ تَلَقِّيَ مَن سَمِعَ كَلامًا لَمْ يَفْهَمْهُ كَأنَّهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ لا يُعِيرَهُ بالًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] مَعَ التَّحَدِّي لَهم بِأنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو مِن لُغَتِهِمْ، وهو أيْضًا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أفْصَحُ لُغاتِ البَشَرِ.
والعِوَجُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، أُرِيدَ بِهِ: اخْتِلالُ المَعانِي دُونَ الأعْيانِ، وأمّا العَوَجُ، بِفَتْحِ العَيْنِ، فَيَشْمَلُها، وهَذا مُخْتارُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ والزَّمَخْشَرِيِّ والزَّجّاجِ والفَيْرُوزَبادِيِّ، وصَحَّحَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُما سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلِهِ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] في سُورَةِ طه.
وهَذا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ بِكَمالِ مَعانِيهِ بَعْدَ أنْ أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ وصْفِهِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى وصْفِهِ بِانْتِفاءِ العِوَجِ عَنْهُ التَّوَسُّلِ إلى إيقاعِ ”عِوَجٍ“ وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ ما هو بِمَعْنى النَّفْيِ وهو كَلِمَةُ ”غَيْرَ“ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ جِنْسِ العِوَجِ عَلى وجْهِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيْ: لَيْسَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، ولِأنَّ لَفْظَ ”عِوَجٍ“ مُخْتَصٌّ بِاخْتِلالِ المَعانِي، فَيَكُونُ الكَلامُ نَصًّا في اسْتِقامَةِ مَعانِي القُرْآنِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ ونَظْمِهِ قَدِ اسْتُفِيدَتْ مِن وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
صفحة ٣٩٩
وقَوْلُهُ ”لَعَلَّهم يَتَّقُونَ“ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“، وذَكَرَ هُنا يَتَّقُونَ لِأنَّهم إذا تَذَكَّرُوا يُسِّرَتْ عَلَيْهِمُ التَّقْوى، ولِأنَّ التَّذَكُّرَ أنْسَبُ بِضَرْبِ الأمْثالِ لِأنَّ في الأمْثالِ عِبْرَةً بِأحْوالِ المُمَثَّلِ بِهِ فَهي مُفْضِيَةٌ إلى التَّذَكُّرِ، والِاتِّقاءِ أنْسَبُ بِانْتِفاءِ العِوَجِ لِأنَّهُ إذا اسْتَقامَتْ مَعانِيهِ واتَّضَحَتْ كانَ العَمَلُ بِما يَدْعُو إلَيْهِ أيْسَرَ وذَلِكَ هو التَّقْوى.
Page 461
39:22
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
39:23
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣
Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.
39:24
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
1 translator’s note
- Rather than his hands, which will be chained to his neck. ↩
39:25
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
39:26
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
39:27
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
39:28
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
39:29
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩
Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.
39:30
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.
39:31
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.