Az-Zumar 39:49
The Troops · Juz 24 · Page 464
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 39:49
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضَرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] الآيَةَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُسَلْسَلٌ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ لِلْمُناسِباتِ.
وتَفْرِيعُ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى ما ذَكَرْناهُ تَفْرِيعُ وصْفِ بَعْضٍ مِن غَرائِبِ أحْوالِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَلْ أغْرَبُ مِن فَزَعِهِمْ إلى اللَّهِ وحْدَهُ بِالدُّعاءِ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ وقَدْ كانُوا يَشْمَئِزُّونَ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ وحْدَهُ فَهَذا تَناقُضٌ مِن أفْعالِهِمْ وتَعْكِيسٌ، فَإنَّهُ تَسَبُّبُ
صفحة ٣٥
حَدِيثٍ عَلى حَدِيثٍ ولَيْسَ تَسَبُّبًا عَلى الوُجُودِ. وهَذِهِ النُّكْتَةُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ العَطْفِ بِالفاءِ هُنا وعَطْفِ نَظِيرِها بِالواوِ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هو قَوْلُهُ ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾، وأمّا ما بَعْدَهُ فَتَتْمِيمٌ واسْتِطْرادٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ﴾ [الزمر: ٨] الآيَةَ. وأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ كُلَّ مُشْرِكٍ فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ وهم أهْلُ الشِّرْكِ فَهو لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ ولِئَلّا تَخْلُو إعادَةُ الآيَةِ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ كَما هو عادَةُ القُرْآنِ في القِصَصِ المُكَرَّرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، (إنَّما) فِيهِ هي الكَلِمَةُ المُرَكَّبَةُ مِن (إنَّ) الكافَّةِ الَّتِي تَصِيرُ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِمَنزِلَةِ (ما) النّافِيَةِ الَّتِي بَعْدَها (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةُ.
والمَعْنى: ما أُوتِيتَ الَّذِي أُوتِيتَهُ مِن نِعْمَةٍ إلّا لِعِلْمٍ مِنِّي بِطُرُقِ اكْتِسابِهِ. وتَرْكِيزُ ضَمِيرِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (أُوتِيتُهُ) عائِدٌ إلى (نِعْمَةً) عَلى تَأْوِيلِ حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ بِأنَّها صادِرَةٌ مِنهم في حالِ حُضُورِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أنْواعِ النِّعَمِ فَهو مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى ذاتٍ مُشاهَدَةٍ، فالضَّمِيرُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] .
ومَعْنى ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَجَرى في أقْوالِهِ إذِ القَوْلُ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ.
و(عَلى) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ عِلْمٍ، أيْ بِسَبَبِ عِلْمٍ. وخُولِفَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ آيَةِ سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] فَلَمْ يُذْكَرْ هُنا (عِنْدِي) لِأنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هُنا مُجَرَّدُ الفِطْنَةِ والتَّدْبِيرِ، وأُرِيدَ هُنالِكَ عِلْمُ صَوْغِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والكِيمْياءِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها قارُونُ مِن مَعْرِفَةِ تَدابِيرِها مالًا عَظِيمًا،
صفحة ٣٦
وهُوَ عِلْمٌ خاصٌّ بِهِ، وأمّا ما هُنا العِلْمُ الَّذِي يُوجَدُ في جَمِيعِ أهْلِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.
والمُرادُ: العِلْمُ بِطُرُقِ الكَسْبِ ودَفْعِ الضُّرِّ كَمَثَلِ حِيَلِ النُّوتِيِّ في هَوْلِ البَحْرِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ إذا ذَكَّرَهُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أوْ أحَدُ المُؤْمِنِينَ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ صِيغَةِ الحَصْرِ لِأنَّهُ قَصَدَ قَلْبَ كَلامِ مَن يَقُولُ لَهُ إنَّ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ وهو إبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّهم أُوتُوا ذَلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ، أيْ بَلْ إنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي أُوتُوها إنَّما آتاهُمُ اللَّهُ إيّاها لِيُظْهِرَ لِلْأُمَمِ مِقْدارَ شُكْرِهِمْ، أيْ هي دالَّةٌ عَلى حالَةٍ فِيهِمْ تُشْبِهُ حالَةَ الِاخْتِبارِ لِمِقْدارِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ وشُكْرِهِمْ إيّاهُ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ والنِّعْمَةَ بِها أثَرٌ في المَنعِ عَلَيْهِ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، واللَّهُ عالِمٌ بِهِمْ وغَنِيٌّ عَنِ اخْتِبارِهِمْ.
وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (قالَ) عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ الضَّمِيرِ عَلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلٍ نَحْوَ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وإنَّما أنَّثَ ضَمِيرَهُ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ (فِتْنَةٌ)، أوْ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ بِالكَلِمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] والمُرادُ: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ سَبَبُ فِتْنَةٍ أوْ مُسَبَّبٌ عَنْ فِتْنَةٍ في نُفُوسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (نِعْمَةً) .
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، أيْ لَكِنْ لا يَعْلَمُ أكْثَرُ النّاسِ ومِنهُمُ القائِلُونَ، أنَّهم في فِتْنَةٍ بِما أُوتُوا مِن نِعْمَةٍ إذا كانُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ القائِلِينَ الزّاعِمِينَ أنَّ ما هم فِيهِ مِن خَيْرٍ نَتِيجَةُ مَساعِيهِمْ وحِيَلِهِمْ.
وضَمِيرُ (أكْثَرَهم) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعادًا، والمُرادُ بِهِ النّاسُ، أيْ لَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ بَعْضَ ما أُوتُوهُ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا يَكُونُ لَهم فِتْنَةً بِحَسَبِ ما يَتَلَقَّوْنَها بِهِ مِن قِلَّةِ
صفحة ٣٧
الشُّكْرِ وما يُفْضِي إلى الكُفْرِ، فَدَخَلَ في هَذا الأكْثَرِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ.
Page 464
39:48
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨
And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
39:49
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
39:50
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠
Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.
39:51
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١
And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1
1 translator’s note
- i.e., prevent Allāh from what He wills or escape from the punishment. ↩
39:52
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
39:53
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣
Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
1 translator’s note
- For those who repent and correct themselves. ↩
39:54
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
39:55
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
39:56
أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦
Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."
1 translator’s note
- On the Day of Resurrection. ↩