Ghafir 40:83
The Forgiver · Juz 24 · Page 476
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣
And when their messengers came to them with clear proofs, they [merely] rejoiced in what they had of knowledge, but they were enveloped by what they used to ridicule.
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 40:83
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وآثارِهِمُ الدّالَّةِ عَلى [مُكْنَتِهِمْ]، سَبَّبَ عَنْهُ شَرْحُ حالِهِمُ، الَّذِي أدّى إلى هَلاكِهِمْ واغْتِيالِهِمْ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِما أغْنى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ وهم مِنهم يَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهم ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿فَرِحُوا﴾ أيِ: القَوْمُ المَوْصُوفُونَ ﴿بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي أثَّرُوا بِهِ تِلْكَ الآثارَ في الأرْضِ مِن إنْباطِ المِياهِ وجَرِّ الأثْقالِ وهَنْدَسَةِ الأبْنِيَةِ ومَعْرِفَةِ الأقالِيمِ وإرْصادِ الكَواكِبِ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَعاشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ظَواهِرِ العُلُومِ المُؤَدِّيَةِ إلى التَّفاخُرِ والتَّعاظُمِ والتَّكاثُرِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ، وتَقْيِيدًا بِالحاضِرِ مِنَ [الرَّسْمِ] مِن عِلْمِ ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا وقَناعَةِ بِالفانِي كَما قالَ الَّتِي قَبْلَها ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] وكَما قالَ قارُونُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وفَرَّحَهم بِهِ (p-١٢٨)لِأنَّهُ أدّاهم إلى التَّوَسُّعِ في الدُّنْيا والتَّلَذُّذِ بِها واسْتَهْزَءُوا بِما آتَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الباطِنِ الدّاعِي إلى الإعْراضِ عَنِ الفانِي والإقْبالِ عَلى الباقِي والخَوْفِ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ والأهْوالِ الآتِيَةِ والكَوائِنِ العَظِيمَةِ المَسْتُورَةِ بِحِجابِ هَذِهِ [الحَياةِ] الدُّنْيا الواهِي، عَلى ما فِيها مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي والأحْوالِ والأوْجالِ والدَّواهِي، والَّذِي حَرَّكَهم إلى الفَرَحِ بِما عِنْدَهم [هُوَ] ما هم فِيهِ مِنَ الزَّهْرَةِ مَعَ ما يَرَوْنَ مَن تَقَلُّلِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وإسْراعِ المَصائِبِ إلَيْهِمْ، وكَثْرَةِ ما يُعانُونَهُ مِنَ الهُمُومِ والأنْكادِ، ويُكابِدُونَهُ مِنَ الأنْدادِ والأضْدادِ، فاشْتَدَّ اسْتِهْزاؤُهم بِهِمْ وبِما أتَوْا بِهِ، بَعْدَهم ذَلِكَ مُحالًا وباطِلًا وضَلالًا، وكانُوا لا يَنْفَكُّونَ مِن فِعْلِ الفَرَحِ الأشِرِ البَطَرِ بِالتَّضاحُكِ والتَّمايُلِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ونَصَبُوا لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمُ المَكايِدَ، وأحاطُوا بِهِمُ المَكْرَ والغَوايِلَ، وهَمُّوا بِأخْذِهِمْ فَأنْجَيْنا رُسُلَنا ومَن آمَنَ بِهِمْ مِنهم وآتَيْناهم بِما أزالَ فَرَحَهُمْ، وأطالَ غَمَّهم وتَرْحَهم ﴿وحاقَ﴾ أيْ: أحاطَ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ ﴿بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ.
ولَمّا كانَ اسْتِهْزاءُهم بِالحَقِّ عَظِيمًا جِدًّا، عَدَّ اسْتِهْزاءَهم بِغَيْرِهِ عَدَمًا، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الحالِ فَقالَ: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي (p-١٢٩)كانُوا قاطِعِينَ بِبُطْلانِهِ فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ إنَّما يَفْرَحُ مِنَ العِلْمِ بِما تَضَمَّنَ النَّجاةَ والسَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ عَلى أنَّ سَوْقَ الكَلامِ هَكَذا مَلِيءٌ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ والتَّهَكُّمِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم نَصَبُوا العالَمَ المُطِيقَ [المِنطِيقَ] الَّذِي إذا غَلَبَ خَصْمُهُ فَأسْكَتَهُ وألْقَمَهُ الحَجَرَ فَأخْرَسَهُ وأفْحَمَهُ بِواضِحِ الحُجَّةِ وقَوِيمِ المَحَجَّةِ ظَهَرَ عَلَيْهِ السُّرُورُ وغَلَبَهُ الفَرَحُ فَإنْ عانَدَ خَصْمُهُ ووَقَفَ مَعَ وهْمِهِ اسْتَهْزَأ بِهِ وتَضاحَكَ مِنهُ - هَذا مَعَ ما عِنْدَهُ مِن عَماياتِ الجَهْلِ الَّتِي لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِها بِدَلِيلِ اعْتِرافِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أعْلَمُ مِنهُمْ، فَكانُوا يُوَجِّهُونَ رِكابَهم إلى اليَهُودِ يَسْألُونَهم عَنْ [أمْرِهِمْ] وأمْرُهُ [عَلى أنَّهُ] قَدْ أتاهم بِما يُعْلِي بِهِ قَدْرَهم عَلى أهْلِ الكِتابِ، ويَجْعَلُهُمُ المَخْصُوصِينَ بِالسِّيادَةِ عَلى مَرِّ الأحْقابِ، وهم يَأْبَوْنَ بِمُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ إلّا سُفُولًا وإعْراضًا عَنِ الصَّوابِ، وعُدُولًا ونُكُوصًا ونُكُولًا، والآيَةُ مُرْشِدَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَعَلَّمُ إلّا مَن ظَنَّ مِن نَفْسِهِ القُصُورَ، ولِهَذا [كانَ] أقْبَلَ شَيْءٍ لِلْعَلَمِ الصِّغارُ. والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الفَرَحِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ (p-١٣٠)ضِدِّهِ ثانِيًا، وإثْباتُ الِاسْتِهْزاءِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في بَيانِ العِزَّةِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ كَمالِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، وكانَ عِظَمُ العِزَّةِ بِحَسَبِ عَظَمَةِ المَأْخُوذِ بِها المُعانِدِ لَها، كَرَّرَ ذِكْرَ المُجادَلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ تَكْرِيرًا أذِنَ بِذَلِكَ فَقالَ في أوَّلِها ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ دَلَّ عَلى أنَّهم مَأْخُوذُونَ مِن غَيْرِ أنْ يُغْنِيَ [عَنْهُمْ] جِدالُهُمُ الَّذِي أنْتَجَهُ ضَلالُهُمْ، وعَلى تَوابِعِ ذَلِكَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا إلى أنْ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ١٣] وذَكَرَ بَعْضَ ما اشْتَدَّ إلْفُهم لَهُ حَتّى سَقَطَتْ غَرابَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَنَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ لِيَكُفَّهم عَنِ الجِدالِ ويَغْتَنُوا بِهِ عَلى اقْتِراحِ غَيْرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُذَكِّرًا لَهم ما حَصَلَ مِن تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ المُجادِلِينَ بَعْدَ وُقُوعِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ومَضى يُذَكِّرُ ويُنْذِرُ ويُحَذِّرُ في تِلْكَ الأسالِيبِ الَّتِي هي أمْضى مِنَ السُّيُوفِ، وأجْلى مِنَ الشُّمُوسِ في الصَّحْوِ دُونَ الكُسُوفِ، حَتّى قالَ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥] ثُمَّ شَرَعَ في إتْمامِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ شَرَعَ يُعَدِّدُ الآياتِ العَظِيمَةَ الَّتِي تَأْبى لِشِدَّةِ وُضُوحِها جِدالَ المُجادِلِ، وضَلالَ المُماحِكِ المُماحِلِ، لَوْلا أنَّهُ قَدْ (p-١٣١)أخْرَجَتْها شِدَّةُ الألِفِ لَها مِن حَيِّزِ الغَرابَةِ مِن خَلْقِ الخافِقِينَ وتَكْوِيرِ المَلَوَيْنِ، وبَسْطِ الأرْضِ ورَفْعِ السَّماءِ وتَصْوِيرِ الإنْسانِ وما فِيهِ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ، فَكَشَفَتْ سُتُورَها، وبَيَّنَ دَلالَتَها وظُهُورَها، ولَفَتَ الكَلامَ إلى تَهْدِيدِ المُجادِلِينَ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] عَلى عادَةِ البُلَغاءِ في أنَّهُ إذا أخْرَسَ أحَدَهم خَصْمَهُ بِما هو مِن حُجَجِهِ كالشَّمْسِ نُورًا وطَلْعَةً [وظُهُورًا] أنْكَرَ بِالِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو أمْرٌ مِن وقْعِ السِّهامِ.
Page 476
40:78
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨
And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].
40:79
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩
It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.
40:80
وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠
And for you therein are [other] benefits and that you may realize upon them a need which is in your breasts;1 and upon them and upon ships you are carried.
1 translator’s note
- i.e., that you may use the animals to carry your loads to distant places, according to need. ↩
40:81
وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١
And He shows you His signs. So which of the signs of Allāh do you deny?
40:82
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? They were more numerous than themselves and greater in strength and in impression on the land, but they were not availed by what they used to earn.
40:83
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣
And when their messengers came to them with clear proofs, they [merely] rejoiced in what they had of knowledge, but they were enveloped by what they used to ridicule.
40:84
فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ ٨٤
And when they saw Our punishment, they said, "We believe in Allāh alone and disbelieve in that which we used to associate with Him."
40:85
فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٥
But never did their faith benefit them once they saw Our punishment. [It is] the established way of Allāh which has preceded among His servants. And the disbelievers thereupon lost [all].