Al-Biqa'iGhafir · 40:72–83

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:72–83

40:72Page 475

فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢

In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].

﴿فِي الحَمِيمِ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ الحاضِرُ الَّذِي يُكْسِبُ الوُجُوهَ سَوادًا، والأعْراضَ عارًا، والأرْواحَ (p-١١٥)عَذابًا والأجْسامَ نارًا، والقُلُوبَ هَمًّا واللُّحُومَ ذَوَبانًا واعْتِصارًا، وذَلِكَ عَوَّضَ تَرْفِيعَهم لِأنْفُسِهِمْ عَنْ سَحْبِها بِأسْبابِ الأدِلَّةِ الواضِحاتِ في كَلَفِ العِباداتِ ومَراراتِ المُجاهَداتِ وحَراراتِ المُنازِلاتِ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ تَعْذِيبِهِمْ بِالماءِ الحارِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُضَيِّقَ الأنْفاسَ، ويُضْعِفَ القُوى، ويُخَفِّفَ القُلُوبَ، أخْبَرَ بِما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ في النّارِ﴾ أيْ: عَذابُها خاصَّةً ﴿يُسْجَرُونَ﴾ أيْ: يُلْقُونَ فِيها وتُوقَدُ بِهِمْ مُكَرْدَسِينَ مَرْكُوبِينَ كَما يُسْجَرُ التَّنُّورُ بِالحَطَبِ - أيْ: يَمْلَأُ - وتَهِيجُ نارُهُ، وكَما يُسْجَرُ - أيْ: يَصُبُّ - الماءُ في الحَلْقِ، فَيَمْلَؤُونَها فَتُحْمى بِهِمْ ويَشْتَدُّ اضْطَرامُها لِكَوْنِهِمْ كانُوا في الدُّنْيا وقُودُ المَعاصِي، والفِتَنُ بِهِمْ يَشِبُّ وقُودُها ويَقْوى عُودُها، ويَثْبُتُ عَمُودُها، لِأنَّهم لَمْ يُلْقُوا أنْفُسَهم في نِيرانِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومُخالَفاتُ الشَّهَواتِ في أبْوابِ الأوامِرِ والنَّواهِي، الَّتِي هي في الظّاهِرِ نِيرانِ، وفي الحَقِيقَةِ جَنانٌ.

40:73Page 475

ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣

Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]

ولَمّا كانَ المَدْعُوُّ إنَّما يَدَّخِرُ لِأوْقاتِ الشَّدائِدِ، قالَ مُوَبِّخًا لَهم مُنَدِّمًا مُقَبِّحًا لِقاصِرِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ هَذا القَوْلُ (p-١١٦)مُطْلَقًا لا لِكَوْنِهِ مِن قائِلٍ مُعَيَّنٍ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ طالَ عَذابُهُمْ، وبَلَغَ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، ولَمْ يَجِدُوا ناصِرًا يُخَلِّصُهم ولا شافِعًا يَخْصُصُهُمْ: ﴿أيْنَ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: بِدُعائِكم لَهم في مُهِمّاتِكم دُعاءُ عِبادَةٍ مَعَ تَجْدِيدِهِ في كُلِّ وقْتٍ؛

40:74Page 475

مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.

ثُمَّ بَيْنَ سُفُولِهِمْ بِقَوْلِهِ لافِتًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِجَمِيعِ العِزِّ وكُلِّ العَظَمَةِ، لِتَطْلُبُوا مِنهم تَخْلِيصَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ أوْ تَخْفِيفَهُ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: مُسْتَرْسِلِينَ مَعَ الفِطْرَةِ وهي الفِطْرَةُ الأُولى عَلى الصِّدْقِ: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ فَلا نَراهم كَما ضَلَلْنا نَحْنُ في الدُّنْيا عَمّا يَنْفَعُنا.

ولَمّا رَأوْا أنَّ صِدْقَهم قَدْ أوْجَبَ اعْتِرافَهم بِالشِّرْكِ، دَعَتْهم رَداءَةُ المَكْرِ ورَذالَةُ الطِّباعِ إلى الكَذِبِ، فاسْتَرْسَلُوا مَعَها فَبادَرُوا إلى أنْ أظْهَرُوا الغِلَظَ فَقالُوا مُلَبِّسِينَ عَلى مَن يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ظانِّينَ أنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهم كَما كانَ يَنْفَعُهم عِنْدَ المُؤْمِنِينَ في دارِ الدُّنْيا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في طِباعِنا. ولَمّا كانَ مُرادُهم نَفِيَ دُعائِهِمْ أصْلًا ورَأْسًا في لَحْظَةٍ فَما فَوْقَها، لا النَّفْيُ المُقَيَّدُ بِالِاسْتِغْراقِ، فَإنَّهُ لا يَنْفِي ما دُونَهُ، أثْبَتُوا الجارَّ فَقالُوا: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذِهِ (p-١١٧)الإعادَةِ ﴿شَيْئًا﴾ لِنَكُونَ قَدْ أشْرَكْنا بِهِ، فَلا يُقَدِّرُهُمُ اللَّهُ إلّا عَلى ما يَزِيدُ في ضُرِّهِمْ ويُضاعِفُ نَدَمَهم ويُوجِبُ [لَعْنَ] أنْفُسِهِمْ ولَعْنَ بَعْضِهِمْ [بَعْضًا] بِحَيْثُ لا يَزالُونَ في نَدَمٍ كَما كانَ حالَهم في الدُّنْيا ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإشْراكِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِمْ لَهُ ثانِيًا، والدُّعاءُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَ هَذا في غايَةِ الإعْجابِ مِن ضَلالِهِمْ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَضِلُّ أحَدٌ مِنَ الخُلُقِ ضَلالَ هَؤُلاءِ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: نَعَمْ مِثْلَ هَذا الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، عَنِ القَصْدِ النّافِعِ مِن حُجَّةِ وغَيْرِها ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ سَتَرُوا مَرائِي بَصائِرِهِمْ لِئَلّا يَتَجَلّى فِيها ثُمَّ صارَ لَهم ذَلِكَ دَيْدَنًا.

40:75Page 475

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥

[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.

ولَمّا تَمَّ جَوابُ السُّؤالِ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن هَذا الضَّلالِ، رَجَعَ إلى خِطابِ الضَّلالِ فَقالَ مُعَظِّمًا لِما ذَكَرَ مِن جَزائِهِمْ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ نَصًّا عَلى تَقْرِيعِ كُلٍّ مِنهُمْ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الجَزاءُ العَظِيمُ المَراتِبِ، [الصَّعْبِ] المَراكِبِ الضَّخْمِ المَواكِبِ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿تَفْرَحُونَ﴾ أيْ: تُبالِغُونَ في السُّرُورِ وتَسْتَغْرِقُونَ فِيهِ وتَضْعُفُونَ عَنْ حَمْلِهِ لِلْإعْراضِ عَنِ العَواقِبِ. ولَمّا كانَتِ الأرْضُ سِجْنًا، [فَهِيَ] في الحَقِيقَةِ (p-١١٨)دارُ الأحْزانِ، حَسَنٌ قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: فَفَعَلْتُمْ فِيها ضِدَّ ما وضَعْتُ لَهُ، وزادَ ذَلِكَ حَسَنًا قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَأشْعَرَ أنَّ السُّرُورَ لا يَنْبَغِي إلّا إذا كانَ مَعَ كَمالِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وهي الثَّباتُ دائِمًا لِلْمَفْرُوحِ بِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ ﴿وبِما﴾ أيْ: وبِسَبَبٍ ما ﴿كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أيْ: تُبالِغُونَ في الفَرَحِ مَعَ الأشَرِّ والبَطَرِ والنَّشاطِ المُوجِبِ الِاخْتِيالِ والتَّبَخْتُرِ والخِفَّةِ بِعَدَمِ احْتِمالِ الفَرَحِ.

40:76Page 475

ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦

Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِذَمِّ الجِدالِ، وكانَ الجِدالُ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكِبَرِ، وكانَ الفَرَحُ غَيْرَ مُلازِمٍ لِلْكِبَرِ، لَمْ يُسَبِّبْ دُخُولُ النّارِ عَنْهُ، بَلْ جَعَلَهُ كالنَّتِيجَةِ لِجَمِيعِ ما مَضى فَقالَ: ﴿ادْخُلُوا﴾ أيْ: أيُّها المُكَذِّبُونَ.

ولَمّا كانَ في النّارِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ، دَلَّ عَلى تَعْذِيبِهِمْ بِكُلِّ نَوْعٍ بِذِكْرِ الأبْوابِ جَزاءً عَلى ما كانُوا يَخُوضُونَ بِجِدالِهِمْ في كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الأباطِيلِ فَقالَ: ﴿أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [أيِ]: الدِّرْكَةُ الَّتِي تُلْقِي صاحِبَها بِتَكَبُّرٍ وعَبُوسَةٍ وتَجَهُّمٍ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لازِمِينَ لِما شَرَعْتُمْ فِيهِ بِالدُّخُولِ مِنَ الإقامَةِ لُزُومًا لا بَراحَ مِنها أصْلًا.

ولَمّا كانَتْ نِهايَةً في البَشاعَةِ والخِزْيِ والسُّوءِ، وكانَ دُخُولُهم فِيها مَقْرُونًا بِخُلُودِهِمْ سَبَبًا لِنَحْوِ أنْ يُقالَ: فَهي مَثْواكُمْ، تُسَبِّبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ مَثْوى﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: مَدْخَلُ ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ أيْ: مَوْضِعُ (p-١١٩)إقامَتِهِمُ المَحْكُومِ بِلُزُومِهِمْ إيّاهُ لِكَوْنِهِمْ تَعاطَوْا ما لَيْسَ لَهُمْ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا اللَّهُ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِيهِما قَصَمْتُهُ» ولَمْ يُؤَكِّدْ جُمْلَةَ ”بِئْسَ“ هُنا لِأنَّ مُقاوَلَتَهم هَذِهِ بُنِيَتْ عَلى تَجَدُّدِ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ بِأحْوالِ النّارِ، وأحْوالِ ما سَبَّبَها، والتَّأْكِيدُ يَكُونُ لِلْمُنْكِرِ ومَن في عِدادِهِ، وحالُ كُلٍّ مِنهُما مُنافٍ لِلْعِلْمِ، وزادَ ذَلِكَ حَسَنًا أنَّ أصْلَ الكَلامِ مَعَ الأعْلَمِ لِلسِّرِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ﷺ فَبَعُدَ جِدًّا مِنَ التَّأْكِيدِ.

40:77Page 475

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧

So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.

ولَمّا كانَ هَذا في الجَزاءِ أعْظَمَ الشَّماتَةِ بِهِمْ، فَكانَ فِيهِمْ أعْظَمَ التَّسْلِيَةِ لِمَن جادَلُوهُ وتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ، سَبَّبَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ [أيِ]: ارْتِقابًا لِهَذِهِ النُّصْرَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِالوَعْدِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: في نُصْرَتِكَ في الدّارَيْنِ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، وفِيهِ أعْظَمُ تَأْسِيَةً [لَكَ] ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ مَعَ صَرْفِ القَوْلِ إلى ما يَأْتِي الِاعْتِراضُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ وأكَّدَهُ بِـ ”ما“ والنُّونُ، ومَظْهَرُ العَظَمَةِ لِإنْكارِهِمْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ ولِبَعْثِهِمْ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِمّا يَسُرُّكَ فِيهِمْ مِن عَذابٍ أوْ مَتابٍ قَبْلَ وفاتِكَ، فَذاكَ إلَيْنا وهو عَلَيْنا هَيِّنٌ.

ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَ الشَّرْطِ وحَذَفَ جَوابَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (p-١٢٠)﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [أيْ]: قَبْلَ أنْ تَرى ذَلِكَ فِيهِمْ وأجابَ هَذا المَعْطُوفُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإلَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنى في الدُّنْيا فَنُرِيهِمْ بَعْدَ وفاتِكَ مَن نَصَرَ أصْحابَكَ عَلَيْهِمْ بِما نَسُرُّكَ بِهِ في بَرْزَخِكَ فَإنَّهُ لا بَقاءَ لِجَوْلَةِ باطِلِهِمْ، وحِسًّا في القِيامَةِ فَنُرِيكَ فِيهِمْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ مِنَ النُّصْرَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِتَصْدِيقِكَ وتَكْذِيبِهِمْ، وإكْرامِكَ وإهانَتِهِمْ. والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الوَفاةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا، والرُّؤْيَةُ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا.

40:78Page 476

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨

And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].

ولَمّا قَسَّمَ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الحالَ إلى إصابَتِهِمْ أوْ وفاتِهِ ﷺ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِمّا هو أقَرُّ لِعَيْنِهِ وأشْفى لِصَدْرِهِ أنْ يُرِيَهم في حَياتِهِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، وتَحْمِلُهم عَلى المُوافَقَةِ والإذْعانِ، فَيَزُولُ النِّزاعُ بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، كَما وقَعَ لِقَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ في تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ، فَلَقَدْ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ ولَنُنَفِّذَنَّ أمْرَنا فِيهِمْ، وأمّا أنْتَ فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلا﴾ أيْ: بِكَثْرَةٍ.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ إنَّما هو في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي وإنْ كانَ بُلُوغُ رِسالَةِ كُلٍّ لِمَن بَعْدَهُ مُوجِبَةً لِانْسِحابِ حُكْمِ رِسالَتِهِ إلى مَجِيءِ الرَّسُولِ الَّذِي يَقْفُوهُ، أثْبَتَ الجارَّ لِإرادَةِ الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: إلى أُمَمِهِمْ لِيَبْلُغُوا عَنّا ما أمَرْناهم بِهِ: (p-١٢١)﴿مِنهم مَن قَصَصْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: أخْبارُهم وأخْبارُ أُمَمِهِمْ ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ﴾ وإنْ كانَ لَنا العِلْمُ التّامُّ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلَيْكَ﴾ لا أخْبارُهم ولا أخْبارُ أُمَمِهِمْ ولا ذَكَّرْناهم لَكَ بِأسْمائِهِمْ ﴿وما﴾ أيْ: أرْسَلْناهم والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ لِرَسُولٍ﴾ أصْلًا ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ أيْ: مُلْجِئَةٍ أوْ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ مِمّا يَطْلُبُ الرَّسُولُ اسْتِعْجالًا لِاتِّباعِ قَوْمِهِ لَهُ، أوِ اقْتِراحًا مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجادِلُ فِيهِ قَوْمَهُ أوْ يُسْلِمُونَ لَهُ أوْ يَنْقادُونَ، وصَرَفَ الكَلامَ عَنِ المَظْهَرِ المُشِيرِ إلى القَهْرِ إلى ما فِيهِ - مَعَ الإهانَةِ - الإكْرامُ فَقالَ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وتَمْكِينِهِ، فَإنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، فَإنْ لَمْ يَأْذَنْ في ذَلِكَ رَضُوا وسَلَّمُوا وصَبَرُوا واحْتَبِسُوا، وإنْ أذِنَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِن عَذابٍ أوْ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ جاءَهم ما أذِنَ فِيهِ ﴿فَإذا جاءَ﴾ وزادَ الأمْرُ عِظَمًا لِمَزِيدِ الخَوْفِ والرَّجاءِ بِالإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ فَقالَ: ﴿أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وأمْرُهُ: ما تَوَعَّدَ بِهِ مِنَ العَذابِ عِنْدَ العِنادِ بَعْدَ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحِ، ومِنَ القِيامَةِ وما فِيها، وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَعْظِيمِ المَقامِ بِاسْتِحْضارِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، ولِثَباتِ ما أرادَ ولُزُومِهِ عَبَّرَ عَنْهُ (p-١٢٢)بِالقَضاءِ، فَقالَ مُشْعِرًا بِصِيغَةِ المَفْعُولِ بِغايَةِ السُّهُولَةِ: ﴿قُضِيَ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ وحَكَمَ بِثُبُوتِهِ مِن إهْلاكِ ناسٍ وإنْجاءِ آخَرِينَ أوْ إيمانِ قَوْمٍ وكُفْرِ آخَرِينَ - وهَذا كُلُّهُ هو الَّذِي أجْرى سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ القَدِيمَةَ بِثُبُوتِهِ، وأمّا الفَضْلُ مِنَ الإمْهالِ والتَّطَوُّلِ بِالنِّعَمِ فَإنَّما هو قَبْلَ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحاتِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا مِن مُرادِ الآيَةِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وما أشْبَهَهُ ﴿وخَسِرَ﴾ أيْ: هَلَكَ أوْ تَحَقَّقَ وتَبَيَّنَ بِالمُشاهَدَةِ أنَّهُ خَسِرَ ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ العَظِيمِ بِعَظَمَةِ ما أنْزَلْنا فِيهِ، ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ إيذانًا بِغايَةِ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ في الخَسارَةِ تَمَكُّنَ الجالِسِ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المَنسُوبُونَ إلى إيثارِ الباطِلِ عَلى الحَقِّ، إمّا بِاقْتِراحِ الآياتِ مَعَ إيتانِهِمْ بِما يُغْنِيهِمْ عَنْها وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ سِحْرًا أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إمّا بِتَيَسُّرِهِمْ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ العِنادِ مِن غَيْرِ إذْعانٍ وإمّا الهَلاكِ، وإمّا بِإدْحاضِ الحُجَجِ والحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالغَلَبِ ثُمَّ النّارِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ سُبْحانَهُ في رَدِّ مَقْطَعِ السُّورَةِ عَلى مَطْلَعِها، فَهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] [ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ ] إلى ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ [غافر: ٥] (p-١٢٣)و ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] إلى ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [غافر: ٥] وهَذا وما بَعْدَهُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ إلى الثَّلاثِ الآياتِ الأُوَلِ.

40:79Page 476

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩

It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.

ولَمّا كانَ المُبْطِلُونَ لَيْسُوا أشَدَّ نَفْرَةً ولا أقْوى مِن بَعْضِ الحَيَواناتِ العَجَمِ، دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن نافِذِ نُصْرَتِهِ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم نِعْمَتَهُ مُسْتَعْطِفًا إلى طاعَتِهِ دالًّا عَلى التَّوْحِيدِ بَعْدَ تَلْيِينِهِمْ بِالوَعِيدِ مُظْهِرًا الِاسْمَ الجامِعَ إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الدَّلالاتِ لا يُحْصى: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الأنْعامَ﴾ أيِ: الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ بِالتَّذْلِيلِ والتَّسْخِيرِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ وهي الإبِلُ مَعَ قُوَّتِها ونَفْرَتِها، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ في الرُّكُوبِ مُطْلَقًا ثُمَّ فِيهِ مُقَيَّدًا بِبُلُوغِ الأماكِنِ الشّاسِعَةِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنها بِالذّاتِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَرْكِيبُها عَلى ما هي عَلَيْهِ، فَنَشَأ مِنهُ بَقِيَّةُ المَنافِعِ فَكانَتْ تابِعَةً.

ولَمّا كانَ الِاقْتِياتُ مِنها - في عَظِيمِ نَفْعِهِ وكَثْرَتِهِ وشَهْوَتِهِ - بِحَيْثُ لا يُناسِبُهُ غَيْرُهُ، عَدَّ الغَيْرَ عَدَمًا فَقالَ تَعالى: ﴿مِنها﴾ أيْ: مِنَ الأنْعامِ كُلِّها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الجارِّ.

40:80Page 476

وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠

And for you therein are [other] benefits and that you may realize upon them a need which is in your breasts;1 and upon them and upon ships you are carried.

ولَمّا كانَ التَّصَرُّفُ فِيها غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ: كُلُّها ﴿مَنافِعُ﴾ أيْ: كَثِيرَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ في الدُّرِّ والوَبَرِ والصُّوفِ وغَيْرِها.

ولَمّا [كانَ] سَوْقُها وبُلُوغُ الأماكِنِ الشّاسِعَةِ عَلَيْها في أقْرَبِ مُدَّةٍ لِنَيْلِ الأُمُورِ الهائِلَةِ عَظِيمِ الجَدْوى جِدًّا، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَطْعِهِ (p-١٢٤)عَمّا قَبْلَهُ بِإجْمالِ المَنافِعِ ثُمَّ تَفْصِيلُهُ مِنهُ فَقالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا﴾ أيْ: مُسْتَعْلِينَ ﴿عَلَيْها﴾ وهي في غايَةِ الذُّلِّ والطَّواعِيَةِ، ونَبَّهَهم عَلى نَقْصِهِمْ وعَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حاجَةً﴾ أيْ: جَنَّسَ الحاجَةَ.

ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّعْظِيمِ لِنِعَمِهِ لِأنَّ مِن سِياقِ الِامْتِنانِ وإظْهارِ القُدْرَةِ وحْدَها وجَمْعُ ما تُضْمِرُ فِيهِ فَقالَ: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ حاجَةً واحِدَةً ضاقَتْ عَنْها قُلُوبُ الجَمِيعِ حَتّى فاضَتْ مِنها فَمَلَأتْ مَساكِنَها.

ولَمّا كانَ الحَمْلُ يَكُونُ مَعَ مُطْلَقِ الِاسْتِعْلاءِ سَواءٌ كانَ عَلى أعْلى الشَّيْءِ أوَّلًا بِخِلافِ الرُّكُوبِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فِيها وفي الفَلَكِ غَيْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّها كانَتْ مُغَطّاةً كَما حُكِيَ فَكانُوا في بَطْنِها [لا] عَلى ظَهْرِها: ﴿وعَلَيْها﴾ أيْ: في البَرِّ ﴿وعَلى الفُلْكِ﴾ أيْ: في البَحْرِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ أيْ: تَحْمِلُ لَكم أمْتِعَتَكم فَإنَّ حَمْلَ الإنْسانِ نَفْسَهُ تَقَدَّمَ بِالرُّكُوبِ.

وأشارَ بِالنَّباءِ لِلْمَفْعُولِ أنَّهُ سَخَّرَ ذَلِكَ تَسْخِيرًا عَظِيمًا لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى عِلاجٍ في نَفْسِ الحَمْلِ.

40:81Page 476

وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١

And He shows you His signs. So which of the signs of Allāh do you deny?

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ آيَةً عَظِيمَةً جَعَلَها سُبْحانَهُ مُشْتَمِلَةً عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ، عَبَّرَ فِيها بِالماضِي وعَطَفَ بِالمُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى التَّجَدُّدِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأراكم هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيكُمْ﴾ أيْ: في لَحْظَةٍ ﴿آياتِهِ﴾ أيِ: الكَثِيرَةَ الكَبِيرَةَ فِيها وفي غَيْرِها مِن أنْفُسِكم ومِنَ الآفاقِ، ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ الآياتِ وعَظَمَتِها بِإسْقاطِ تاءِ التَّأْنِيثِ كَما هو المُسْتَفِيضُ (p-١٢٥)فِي غَيْرِ النِّداءِ بِإظْهارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿تُنْكِرُونَ﴾ حَتّى تَتَوَجَّهَ لَكُمُ المُجادَلَةُ في آياتِهِ الَّتِي مِن أوْضَحِها البَعْثُ.

40:82Page 476

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? They were more numerous than themselves and greater in strength and in impression on the land, but they were not availed by what they used to earn.

ولَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، تُسُبِّبَ عَنْهُ لَفْتُ الخِطابِ عَنْهم دَلالَةً عَلى الغَضَبِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ المُقْتَضِي لِلرَّهَبِ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [أيْ]: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيُّ أرْضٍ كانَتْ، سَيْرَ اعْتِبارٍ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ نَظَرَ ادِّكارٍ فِيما سَلَكُوهُ مِن سَلْبِها ونَواحِيها، ونَبَّهَ زِيادَةَ العَظَمَةِ فِيما حَثَّهم عَلى النَّظَرِ فِيهِ بِسَوْقِهِ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى خُرُوجِهِ عَنْ أمْثالِهِ، ومُبايَنَتِهِ لِأشْكالِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرٍ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى اسْتِغْراقِ نَظَرِ جَمِيعِ الأرْضِ وآثارِ جَمِيعِ أهْلِها، [نَبَّهَ] بِالجارِّ [عَلى] ما تَيَسَّرَ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ والمَكانِ، لَوْمًا كانُوا مُعْتَمِدِينَ في مُغالَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومُجادَلَتِهِ بِالباطِلِ في الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وقِلَّةِ أصْحابِهِ مَعَ ضَعْفِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في المُجادَلَةِ لِإدْحاضِ الحَقِّ، وعَظِيمِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ النَّظَرِ عَنِ المِسِيرِ في (p-١٢٦)الأرْضِ بِأعْيُنِ الِاعْتِبارِ في الآثارِ، مِنَ المَساكِنِ والدِّيارِ، لِمَن مَضى مِنَ الأشْرارِ، وأثْبَتَ لَهُمُ الأشَدِّيَّةِ وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ، وذِكْرُ فِرْعَوْنَ وما كانَ لَهُ مِنَ المُكْنَةِ بِالمالِ والرِّجالِ، وأنَّهُ أخَذَهُ أخْذَةً صارَتْ مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِمّا قَدْ يَتَعَلَّلُ بِهِ في المُغالَبَةِ الكَثْرَةِ، ذَكَرَها مَضْمُومَةً إلى الشِّدَّةِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الخَبَرِ في أنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَ أمْرِهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: ما كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ: عَدَدًا أضْعافًا مُضاعَفَةً [و] لا سِيَّما قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأشَدَّ قُوَّةً﴾ في الأبْدانِ كَقَوْمِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ قالُوا كَما يَأْتِي في الَّتِي بَعْدَها ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِنَحْتِ البُيُوتِ في الجِبالِ، وحَفْرِ الآبارِ، وإنْباطِ المِياهِ، وبِناءِ المَصانِعِ الجَلِيلَةِ- وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ [التَّقْدِيرُ]: فَنَظَرُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، سَبَّبَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وشِدَّتِهِمْ في [ قُوَّتِهِمْ ] قَوْلُهُ نافِيًا صَرِيحًا أوْ يَكُونُ اسْتِفْهامًا (p-١٢٧)إنْكارِيًّا ﴿فَما﴾ أيْ: أيًّ شَيْءٍ ﴿أغْنى عَنْهُمْ﴾ أوْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا مِنَ الغَنِيِّ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا كَما في جِبِلّاتِهِمْ مِن دَواعِيهِ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ بِقُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعِظَمِ عُقُولِهِمْ واحْتِيالِهِمْ وما رَتَّبُوا مِنَ المَصانِعِ لِنَجاتِهِمْ حِينَ جاءَهم أمْرُنا بَلْ كانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ.

40:83Page 476

فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣

And when their messengers came to them with clear proofs, they [merely] rejoiced in what they had of knowledge, but they were enveloped by what they used to ridicule.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وآثارِهِمُ الدّالَّةِ عَلى [مُكْنَتِهِمْ]، سَبَّبَ عَنْهُ شَرْحُ حالِهِمُ، الَّذِي أدّى إلى هَلاكِهِمْ واغْتِيالِهِمْ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِما أغْنى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ وهم مِنهم يَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهم ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿فَرِحُوا﴾ أيِ: القَوْمُ المَوْصُوفُونَ ﴿بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي أثَّرُوا بِهِ تِلْكَ الآثارَ في الأرْضِ مِن إنْباطِ المِياهِ وجَرِّ الأثْقالِ وهَنْدَسَةِ الأبْنِيَةِ ومَعْرِفَةِ الأقالِيمِ وإرْصادِ الكَواكِبِ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَعاشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ظَواهِرِ العُلُومِ المُؤَدِّيَةِ إلى التَّفاخُرِ والتَّعاظُمِ والتَّكاثُرِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ، وتَقْيِيدًا بِالحاضِرِ مِنَ [الرَّسْمِ] مِن عِلْمِ ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا وقَناعَةِ بِالفانِي كَما قالَ الَّتِي قَبْلَها ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] وكَما قالَ قارُونُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وفَرَّحَهم بِهِ (p-١٢٨)لِأنَّهُ أدّاهم إلى التَّوَسُّعِ في الدُّنْيا والتَّلَذُّذِ بِها واسْتَهْزَءُوا بِما آتَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الباطِنِ الدّاعِي إلى الإعْراضِ عَنِ الفانِي والإقْبالِ عَلى الباقِي والخَوْفِ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ والأهْوالِ الآتِيَةِ والكَوائِنِ العَظِيمَةِ المَسْتُورَةِ بِحِجابِ هَذِهِ [الحَياةِ] الدُّنْيا الواهِي، عَلى ما فِيها مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي والأحْوالِ والأوْجالِ والدَّواهِي، والَّذِي حَرَّكَهم إلى الفَرَحِ بِما عِنْدَهم [هُوَ] ما هم فِيهِ مِنَ الزَّهْرَةِ مَعَ ما يَرَوْنَ مَن تَقَلُّلِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وإسْراعِ المَصائِبِ إلَيْهِمْ، وكَثْرَةِ ما يُعانُونَهُ مِنَ الهُمُومِ والأنْكادِ، ويُكابِدُونَهُ مِنَ الأنْدادِ والأضْدادِ، فاشْتَدَّ اسْتِهْزاؤُهم بِهِمْ وبِما أتَوْا بِهِ، بَعْدَهم ذَلِكَ مُحالًا وباطِلًا وضَلالًا، وكانُوا لا يَنْفَكُّونَ مِن فِعْلِ الفَرَحِ الأشِرِ البَطَرِ بِالتَّضاحُكِ والتَّمايُلِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ونَصَبُوا لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمُ المَكايِدَ، وأحاطُوا بِهِمُ المَكْرَ والغَوايِلَ، وهَمُّوا بِأخْذِهِمْ فَأنْجَيْنا رُسُلَنا ومَن آمَنَ بِهِمْ مِنهم وآتَيْناهم بِما أزالَ فَرَحَهُمْ، وأطالَ غَمَّهم وتَرْحَهم ﴿وحاقَ﴾ أيْ: أحاطَ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ ﴿بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ.

ولَمّا كانَ اسْتِهْزاءُهم بِالحَقِّ عَظِيمًا جِدًّا، عَدَّ اسْتِهْزاءَهم بِغَيْرِهِ عَدَمًا، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الحالِ فَقالَ: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي (p-١٢٩)كانُوا قاطِعِينَ بِبُطْلانِهِ فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ إنَّما يَفْرَحُ مِنَ العِلْمِ بِما تَضَمَّنَ النَّجاةَ والسَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ عَلى أنَّ سَوْقَ الكَلامِ هَكَذا مَلِيءٌ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ والتَّهَكُّمِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم نَصَبُوا العالَمَ المُطِيقَ [المِنطِيقَ] الَّذِي إذا غَلَبَ خَصْمُهُ فَأسْكَتَهُ وألْقَمَهُ الحَجَرَ فَأخْرَسَهُ وأفْحَمَهُ بِواضِحِ الحُجَّةِ وقَوِيمِ المَحَجَّةِ ظَهَرَ عَلَيْهِ السُّرُورُ وغَلَبَهُ الفَرَحُ فَإنْ عانَدَ خَصْمُهُ ووَقَفَ مَعَ وهْمِهِ اسْتَهْزَأ بِهِ وتَضاحَكَ مِنهُ - هَذا مَعَ ما عِنْدَهُ مِن عَماياتِ الجَهْلِ الَّتِي لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِها بِدَلِيلِ اعْتِرافِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أعْلَمُ مِنهُمْ، فَكانُوا يُوَجِّهُونَ رِكابَهم إلى اليَهُودِ يَسْألُونَهم عَنْ [أمْرِهِمْ] وأمْرُهُ [عَلى أنَّهُ] قَدْ أتاهم بِما يُعْلِي بِهِ قَدْرَهم عَلى أهْلِ الكِتابِ، ويَجْعَلُهُمُ المَخْصُوصِينَ بِالسِّيادَةِ عَلى مَرِّ الأحْقابِ، وهم يَأْبَوْنَ بِمُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ إلّا سُفُولًا وإعْراضًا عَنِ الصَّوابِ، وعُدُولًا ونُكُوصًا ونُكُولًا، والآيَةُ مُرْشِدَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَعَلَّمُ إلّا مَن ظَنَّ مِن نَفْسِهِ القُصُورَ، ولِهَذا [كانَ] أقْبَلَ شَيْءٍ لِلْعَلَمِ الصِّغارُ. والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الفَرَحِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ (p-١٣٠)ضِدِّهِ ثانِيًا، وإثْباتُ الِاسْتِهْزاءِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في بَيانِ العِزَّةِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ كَمالِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، وكانَ عِظَمُ العِزَّةِ بِحَسَبِ عَظَمَةِ المَأْخُوذِ بِها المُعانِدِ لَها، كَرَّرَ ذِكْرَ المُجادَلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ تَكْرِيرًا أذِنَ بِذَلِكَ فَقالَ في أوَّلِها ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ دَلَّ عَلى أنَّهم مَأْخُوذُونَ مِن غَيْرِ أنْ يُغْنِيَ [عَنْهُمْ] جِدالُهُمُ الَّذِي أنْتَجَهُ ضَلالُهُمْ، وعَلى تَوابِعِ ذَلِكَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا إلى أنْ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ١٣] وذَكَرَ بَعْضَ ما اشْتَدَّ إلْفُهم لَهُ حَتّى سَقَطَتْ غَرابَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَنَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ لِيَكُفَّهم عَنِ الجِدالِ ويَغْتَنُوا بِهِ عَلى اقْتِراحِ غَيْرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُذَكِّرًا لَهم ما حَصَلَ مِن تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ المُجادِلِينَ بَعْدَ وُقُوعِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ومَضى يُذَكِّرُ ويُنْذِرُ ويُحَذِّرُ في تِلْكَ الأسالِيبِ الَّتِي هي أمْضى مِنَ السُّيُوفِ، وأجْلى مِنَ الشُّمُوسِ في الصَّحْوِ دُونَ الكُسُوفِ، حَتّى قالَ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥] ثُمَّ شَرَعَ في إتْمامِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ شَرَعَ يُعَدِّدُ الآياتِ العَظِيمَةَ الَّتِي تَأْبى لِشِدَّةِ وُضُوحِها جِدالَ المُجادِلِ، وضَلالَ المُماحِكِ المُماحِلِ، لَوْلا أنَّهُ قَدْ (p-١٣١)أخْرَجَتْها شِدَّةُ الألِفِ لَها مِن حَيِّزِ الغَرابَةِ مِن خَلْقِ الخافِقِينَ وتَكْوِيرِ المَلَوَيْنِ، وبَسْطِ الأرْضِ ورَفْعِ السَّماءِ وتَصْوِيرِ الإنْسانِ وما فِيهِ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ، فَكَشَفَتْ سُتُورَها، وبَيَّنَ دَلالَتَها وظُهُورَها، ولَفَتَ الكَلامَ إلى تَهْدِيدِ المُجادِلِينَ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] عَلى عادَةِ البُلَغاءِ في أنَّهُ إذا أخْرَسَ أحَدَهم خَصْمَهُ بِما هو مِن حُجَجِهِ كالشَّمْسِ نُورًا وطَلْعَةً [وظُهُورًا] أنْكَرَ بِالِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو أمْرٌ مِن وقْعِ السِّهامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском