Ash-Shuraa 42:17
The Consultation · Juz 25 · Page 485
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 42:17
صفحة ٦٧
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾
قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مِن جُمْلَةِ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في اللَّهِ ومِن أشَدِّها تَشْغِيبًا في زَعْمِهِمْ مُحاجَّتَهم بِإنْكارِ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٧]، وقالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ:
يُخَبِّرُنا الرَّسُولُ بِأنْ سَنَحْيا وكَيْفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ
وقَدْ دَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهم في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ بِنَفْيِ اسْتِحالَتِهِ، وبِدَلِيلِ إمْكانِهِ، وأوْمَأ هُنا إلى مُقْتَضِي إيجابِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ حَقٌّ وعَدْلٌ فَكَيْفَ لا يُقَدِّرُهُ مُدَبِّرُ الكَوْنِ ومُنَزِّلُ الكِتابِ والمِيزانِ. وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا المَعْنى آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] .
وأكْثَرُها جاءَ نَظْمُها عَلى نَحْوِ التَّرْتِيبِ الَّذِي في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ مِن الِابْتِداءِ بِما يُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ الإيجادِ وأنَّ تَمامَ الحِكْمَةِ بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ يُؤْذِنُ بِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَجَعَلَ الجَزاءَ لِلسّائِرِينَ عَلى الحَقِّ والنّاكِبِينَ عَنْهُ في يَوْمِ السّاعَةِ فَلا مَحِيصَ لِلْعِبادِ عَنْ لِقاءِ الجَزاءِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعُها مِن جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] مَوْقِعُ الدَّلِيلِ، والدَّلِيلُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِشِدَّةِ اتِّصالِ مَعْناها بِمَعْنى الأُخْرى.
والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي مَضْمُونُ صِلَتِهِ إنْزالُهُ الكِتابَ
صفحة ٦٨
والمِيزانَ، لِأجْلِ ما في المَوْصُولِيَّةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الآتِي، وأنَّهُ مِن جِنْسِ الحَقِّ والعَدْلِ، مِثْلَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
ولامُ التَّعْرِيفِ في (الكِتابِ) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أيْ إنْزالُ الكُتُبِ وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .
والباءُ في (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أنْزَلَ الكُتُبَ مُقْتَرِنَةً بِالحَقِّ بَعِيدَةً عَنِ الباطِلِ.
والحَقُّ: كُلُّ ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ في بابِ الصَّلاحِ عَمَلُهُ ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِالأغْراضِ الصَّحِيحَةِ النّافِعَةِ.
والمِيزانُ حَقِيقَتُهُ: آلَةُ الوَزْنِ، والوَزْنُ: تَقْدِيرُ ثِقَلِ جِسْمٍ، والمِيزانُ آلَةٌ ذاتُ كِفَّتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ مُعَلَّقَتَيْنِ في طَرَفَيْ قَضِيبٍ مُسْتَوٍ مُعْتَدِلٍ، لَهُ عُرْوَةٌ في وسَطِهِ، بِحَيْثُ لا تَتَدَلّى إحْدى الكِفَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى إذا أُمْسِكَ القَضِيبُ مِن عُرْوَتِهِ.
والمِيزانُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ والهَدْيِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (أنْزَلَ) فَإنَّ الدِّينَ هو المُنَزَّلُ والدِّينُ يَدْعُو إلى العَدْلِ والإنْصافِ في المُجادَلَةِ في الدِّينِ وفي إعْطاءِ الحُقُوقِ، فَشُبِّهَ بِالمِيزانِ في تَساوِي رُجْحانِ كِفَّتَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وجُمْلَةُ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾، والمُناسَبَةُ هي ما ذَكَرْناهُ مِن إيذانِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِمُقَدَّرٍ.
وكَلِمَةُ وما يُدْرِيكَ جارِيَةٌ مَجْرى المَثَلِ، والكافُ مِنها خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِمَعْنى: قَدْ تَدْرِي، أيْ قَدْ يَدْرِي الدّارِي، فَـ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والتَّهْيِئَةِ. و(يُدْرِيكَ) مِنَ الدِّرايَةِ بِمَعْنى العِلْمِ وقَدْ عُلِّقَ فِعْلُ (يَدْرِي) عَنِ العَمَلِ بِحَرْفِ التَّرَجِّي.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ ما جاءَ فِعْلُ ما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) نَحْوَ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠] وكُلُّ ما جاءَ فِيهِ وما يُدْرِيكَ
صفحة ٦٩
لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِ أيْ لَمْ يُعْقِبْهُ بِما يُبَيِّنُ إبْهامَهُ نَحْوَ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] . ولَعَلَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّ كُلَّ صِيغَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ بِهَذا الِاسْتِعْمالِ فَتَأمَّلْ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أيُّها السّامِعُ السّاعَةَ قَرِيبًا، أيْ مُقْتَضِي عِلْمِكَ مُتَوَفِّرٌ، فالخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإخْبارُ عَنِ السّاعَةِ بِـ (قَرِيبٌ) وهو غَيْرُ مُؤَنَّثٍ لِأنَّهُ غَلَبَ لُزُومُ كَلِمَةِ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ لِلتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
Page 485
42:16
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦
And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.
1 translator’s note
- i.e., after people have accepted the truth from Allāh, in an attempt to turn the believers away from His religion of Islām. ↩
42:17
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
42:18
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨
Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.
1 translator’s note
- They had challenged the Prophet (ﷺ) to bring it on immediately. ↩
42:19
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
1 translator’s note
- See footnote in 12:100. ↩
42:20
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
42:21
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
1 translator’s note
- Decree. See footnote to 10:19. ↩
42:22
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.