Qaf 50:16
The Letter "Qaf" · Juz 26 · Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
1 translator’s note
- In absolute knowledge of everything about him. "We" has also been interpreted to mean the angels who are mentioned in the following verse. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 50:16
صفحة ٢٩٩
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾
هَذا تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ الخَلْقِ الأوَّلِ بِذِكْرِ خَلْقِ الإنْسانِ وهو أهَمُّ في هَذا المَقامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الَّذِي هو تَتْمِيمٌ لِإحاطَةِ صِفَةِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] ولِيَنْتَقِلَ الإنْذارُ بِإحْصاءِ أعْمالِ النّاسِ عَلَيْها وهو ما اسْتَرْسَلَ في وصْفِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] إلَخْ.
ووَصَفَ البَعْثَ وصْفَ الجَزاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِاللّامِ و”(قَدْ) مُراعًى فِيهِ المُتَعاطِفاتُ وهي (نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) لِأنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ.
و“ الإنْسانُ ”يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهم أوَّلًا المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ إلَيْهِمْ هَذا الخَبَرُ، وهو تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠] .
والباءُ في قَوْلِهِ (بِهِ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، والضَّمِيرُ عائِدُ الصِّلَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَتَكَلَّمُهُ نَفْسُهُ عَلى طَرِيقَةِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.
وفائِدَةُ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ كُلِّ إنْسانٍ التَّنْبِيهُ عَلى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ كُلِّها فَإذا كانَ يَعْلَمُ حَدِيثَ النَّفْسِ فَلا عَجَبَ أنْ يَعْلَمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم.
والإخْبارُ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ ظاهِرٌ، وأمّا الإخْبارُ عَنْ عِلْمِ ما تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ تَعالى بِالوَسْوَسَةِ مُتَجَدِّدٌ غَيْرُ مُنْقَضٍ ولا مَحْدُودٍ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، والكِنايَةُ عَنِ التَّحْذِيرِ مِن إضْمارِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ.
صفحة ٣٠٠
وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ ونَعْلَمُ ”.
والمَقْصُودُ مِنها تَأْكِيدُ عامِلِها وتَحْقِيقُ اسْتِمْرارِ العِلْمِ بِباطِنِ الإنْسانِ، ومَعْنى تُوَسْوِسُ تَتَكَلَّمُ كَلامًا خَفِيًّا هَمْسًا. ومَصْدَرُهُ الوَسْواسُ والوَسْوَسَةُ أُطْلِقَتْ هُنا مَجازًا عَلى ما يَجُولُ في النَّفْسِ مِنَ الخَواطِرِ والتَّقْدِيراتِ والعَزائِمِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ أقْرَبُ شَيْءٍ تُشَبَّهُ بِهِ تِلْكَ الخَواطِرُ وأحْسَنُ ما يُسْتَعارُ لَها لِأنَّها تَجْمَعُ مُخْتَلِفَ أحْوالِ ما يَجُولُ في العَقْلِ مِنَ التَّقادِيرِ وما عَداها مِن نَحْوِ ألْفاظِ التَّوَهُّمِ والتَّفَكُّرِ إنَّما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الخَواطِرِ دُونَ بَعْضٍ.
والحَبْلُ: هُنا واحِدُ حِبالِ الجِسْمِ. وهي العُرُوقُ الغَلِيظَةُ المَعْرُوفَةُ في الطِّبِّ بِالشَّرايِينِ، واحِدُها: شَرْيانٌ بِفَتْحِ الشِّينِ المُهْمَلَةِ وتُكْسَرُ وبِسُكُونِ الرّاءِ وتُعْرَفُ بِالعُرُوقِ الضَّوارِبِ ومَنبَتُها مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِن تَجْوِيفَيِ القَلْبِ. ولِلشَّرايِينِ عَمَلٌ كَثِيرٌ في حَياةِ الجِسْمِ لِأنَّها الَّتِي تُوصِلُ الدَّمَ مِنَ القَلْبِ إلى أهَمِّ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ مِثْلَ الرِّئَةِ والدِّماغِ والنُّخاعِ والكُلْيَتَيْنِ والمَعِدَةِ والأمْعاءِ. ولِلشَّرايِينِ أسْماءٌ بِاعْتِبارِ مَصابِّها مِنَ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ.
والوَرِيدُ: واحِدٌ مِنَ الشَّرايِينِ وهو ثانِي شَرْيانَيْنِ يَخْرُجانِ مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ. واسْمُهُ في عِلْمِ الطِّبِّ أوُرْطِيٌّ ويَتَشَعَّبُ إلى ثَلاثِ شُعَبٍ ثالِثَتُهُما تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أكْبَرَ وقِسْمٍ أصْغَرَ. وهَذا الأُصَيْغِرُ يَخْرُجُ مِنهُ شَرْيانانِ يُسَمَّيانِ السُّباتِيَّ ويَصْعَدانِ يَمِينًا ويَسارًا مَعَ الوَدَجَيْنِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ يُسَمّى الوَرِيدَ. وفي الجَسَدِ ورِيدانِ وهُما عِرْقانِ يَكْتَنِفانِ صَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِهِما مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ.
وقَدْ تَخْتَلِفُ أسْماءُ أجْزائِهِ بِاخْتِلافِ مَواقِعِها مِنَ الجَسَدِ فَهو في العُنُقِ يُسَمّى الوَرِيدَ، وفي القَلْبِ يُسَمّى الوَتِينَ، وفي الظَّهْرِ يُسَمّى الأبْهَرَ، وفي الذِّراعِ والفَخِذِ يُسَمُّونَهُ الأكْحَلَ والنَّسا، وفي الخِنْصَرِ يُدْعى الأسْلَمَ.
وإضافَةُ“ حَبْلِ ”إلى“ الوَرِيدِ " بَيانِيَّةٌ، أيِ الحَبَلُ الَّذِي هو الوَرِيدُ، فَإنَّ إضافَةَ الأعَمِّ إلى الأخَصِّ إذا وقَعَتْ في الكَلامِ كانَتْ إضافَةً بَيانِيَّةً، كَقَوْلِهِمْ: شَجَرُ الأراكِ.
صفحة ٣٠١
والقُرْبُ هُنا كِنايَةُ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِالحالِ لِأنَّ القُرْبَ يَسْتَلْزِمُ الِاطِّلاعَ، ولَيْسَ هو قُرْبًا بِالمَكانِ بِقَرِينَةِ المُشاهَدَةِ فَآلَ الكَلامُ إلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ تَشْبِيهِ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، وهَذا مِن بِناءِ التَّشْبِيهِ عَلى الكِنايَةِ بِمَنزِلَةِ بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ.
ومِن لَطائِفِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّ حَبْلَ الوَرِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لا يَشْعُرُ الإنْسانُ بِقُرْبِهِ لِخَفائِهِ، وكَذَلِكَ قُرْبُ اللَّهِ مِنَ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ قُرْبٌ لا يَشْعُرُ بِهِ الإنْسانُ فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ تَمْثِيلُ هَذا القُرْبِ بِقُرْبِ حَبْلِ الوَرِيدِ. وبِذَلِكَ فاقَ هَذا التَّشْبِيهُ لِحالَةِ القُرْبِ كُلَّ تَشْبِيهٍ مِن نَوْعِهِ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هو مِنهُ مِقْعَدُ القابِلَةِ ومُعَقَّدَ الإزارِ، وقَوْلُ زُهَيْرٍ:
فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
وقَوْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ سَيّارٍ وهو حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَيّارٍ العِجْلِيِّ مُخَضْرَمٌ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٍ في إهْلِهِ ∗∗∗ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ
Page 519
50:16
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
1 translator’s note
- In absolute knowledge of everything about him. "We" has also been interpreted to mean the angels who are mentioned in the following verse. ↩
50:17
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
1 translator’s note
- And record each word and deed. ↩
50:18
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
50:19
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
50:20
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
50:21
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
And every soul will come, with it a driver and a witness.1
1 translator’s note
- i.e., one angel driving the soul to the Judgement and one to testify as to its deeds. ↩
50:22
لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢
[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."
1 translator’s note
- Of heedlessness, or that which had sealed your hearing, your vision and your heart from guidance. ↩
50:23
وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣
And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."
50:24
أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤
[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,
50:25
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥
Preventer of good, aggressor, and doubter,
50:26
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦
Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."
50:27
۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧
His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."
50:28
قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨
[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].
50:29
مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩
The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."
50:30
يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠
On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"
50:31
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١
And Paradise will be brought near to the righteous, not far,
50:32
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢
[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].
50:33
مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣
Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].
50:34
ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤
Enter it in peace. This is the Day of Eternity."
50:35
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥
They will have whatever they wish therein, and with Us is more.