At-Tur 52:35
The Mount · Juz 27 · Page 525
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 52:35
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ .
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى إبْطالِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن شُبْهَتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وقَدْ عَلِمْتَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مِن أغْراضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ عَلى أنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ مِن وصْفِ يَوْمِ الجَزاءِ وحالِ أهْلِهِ قَدِ اقْتَضَتْهُ مُناسَباتٌ نَشَأتْ عَنْها تِلْكَ التَّفاصِيلُ، فَإذْ وُفِّيَ حَقُّ ما اقْتَضَتْهُ تِلْكَ المُنْسَباتُ ثُنِّيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وإبْطالِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي تَعَلَّلُوا بِها مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] .
فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ الآياتِ أدِلَّةٌ عَلى أنَّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ. وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]؛ لِأنَّ شُبْهَتَهُمُ المَقْصُودَ رَدُّها بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] هي قَوْلُهم ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩]، ونَحْوُ ذَلِكَ.
فَحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ بَعْدَ أمْ تَقْرِيرِيًّا. والمَعْنى: أيُقِرُّونَ أنَّهم خُلِقُوا بَعْدَ أنْ كانُوا عَدَمًا فَكُلَّما خُلِقُوا مِن عَدَمٍ في نَشْأتِهِمُ الأُولى يُنْشَئُونَ مِن عَدَمٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ إثْباتٌ لِإمْكانِ البَعْثِ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]
صفحة ٦٨
وقَوْلِهِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
ومَعْنى ”شَيْءٍ“ عَلى هَذا الوَجْهِ: المَوْجُودُ، فَغَيْرُ شَيْءٍ: المَعْدُومُ، والمَعْنى: أخُلِقُوا مِن عَدَمٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونَ الِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ إنْكارِيًّا، ويَكُونَ اسْمُ شَيْءٍ صادِقًا عَلى ما يَصْلُحُ لِمَعْنى التَّعْلِيلِ المُسْتَفادِ مِن حَرْفِ مِنَ التَّعْلِيلِيَّةِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ خَلْقَهم بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، وهَذا إثْباتٌ أنَّ البَعْثَ واقِعٌ لِأجْلِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، بِأنَّ الجَزاءَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها فِعْلُ أحْكَمِ الحُكَماءِ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] .
ولِحَرْفِ ”مِن“ في هَذا الكَلامِ الوَقْعُ البَدِيعُ إذْ كانَتْ عَلى احْتِمالِ مَعْنَيَيْها دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ وعَلى وُقُوعِهِ وعَلى وُجُوبِ وُقُوعِهِ وُجُوبًا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ العُلْيا. ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِالصِّيغَةِ الغالِبَةِ في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، أعْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ بِأنْ يُقالَ: أما خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ؛ والعُدُولُ عَنْ تَعْيِينِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (غَيْرِ) إلى الإتْيانِ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ وهو لَفْظُ شَيْءٍ، رُوعِيَ فِيهِ الصَّلاحِيَّةُ لِاحْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ وذَلِكَ مِن مُنْتَهى البَلاغَةِ.
وإذا كانَ فَرْضُ أنَّهم خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ واضِحَ البُطْلانِ لَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ عَلى إبْطالِهِ بِقَوْلِهِ:
* * *
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] .
وهُوَ إضْرابُ انْتِقالٍ أيْضًا، والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ ”أمْ“ إنْكارِيٌّ، أيْ: ما هُمُ الخالِقُونَ وإذْ كانُوا لَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ فالإنْكارُ مُرَتَّبٌ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُونَ أنَّهم خالِقُونَ.
وصِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ الحَصْرِ الَّذِي طَرِيقُهُ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ قَصْرًا إضافِيًّا لِلرَّدِ عَلَيْهِمْ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُمُ الخالِقُونَ لا اللَّهَ؛ لِأنَّهم عَدُّوا مِنَ
صفحة ٦٩
المُحالِ ما هو خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، فَجَعَلُوهُ خارِجًا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، فالتَّقْدِيرُ: أمْ هُمُ الخالِقُونَ لا نَحْنُ. والمَعْنى: نَحْنُ الخالِقُونَ لا هم.
وحُذِفَ مَفْعُولُ الخالِقُونَ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيِ الخالِقُونَ لِلْمَخْلُوقاتِ وعَلى هَذا جَرى الطَّبَرِيُّ وقَدَّرَهُ المُفَسِّرُونَ عَدا الطَّبَرِيِّ: أمْ هُمُ الخالِقُونَ أنْفُسَهم كَأنَّهم جَعَلُوا ضَمِيرَ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَحْذُوفَ اسْمُ مَعادِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ ولا افْتِراءَ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونُوا خالِقِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَصَدَّ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى هَذا الِانْتِفاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] يَظْهَرُ لِي أنَّها بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، إنْ كانَ مَفْعُولُ ”الخالِقُونَ“ المَحْذُوفُ مُرادًا بِهِ العُمُومُ وكانَ المُرادُ بِالسَّماءِ والأرْضِ ذاتَيْهِما مَعَ مَن فِيهِما، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أنَّ المُرادُ ذاتَيِ السَّماءِ والأرْضِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ خَلْقِهِما.
وإعادَةُ حَرْفِ ”أمْ“ لِلتَّأْكِيدِ كَما يُعادُ عامِلُ المُبَدَلِ مِنهُ في البَدَلِ، والمَعْنى: أمْ هُمُ الخالِقُونَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ.
والمَعْنى: أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لا يُعْجِزُهُ إعادَةَ الأجْسادِ بَعْدَ المَوْتِ والفَناءِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ: أنْ يَخْلُقَ أمْثالَ أجْسادِهِمْ بَعْدَ انْعِدامِهِمْ.
Page 525
52:32
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
1 translator’s note
- In this expression is also a subtle allusion to the leaders of the Quraysh, who considered themselves to be great minds. ↩
52:33
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
52:34
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
52:35
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
52:36
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
52:37
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
52:38
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
52:39
أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩
Or has He daughters while you have sons?
52:40
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
52:41
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
52:42
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
52:43
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
52:44
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
1 translator’s note
- Marking the onset of Allāh's punishment, as they had requested. ↩
52:45
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
52:46
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦
The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.
52:47
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧
And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.
1 translator’s note
- If not in this world, in the grave. ↩
52:48
وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨
And be patient, [O Muḥammad], for the decision of your Lord, for indeed, you are in Our eyes [i.e., sight]. And exalt [Allāh] with praise of your Lord when you arise
52:49
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩
And in a part of the night exalt Him and after [the setting of] the stars.