Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tur 52:29–35
52:29Page 524
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ كُلِّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]؛ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، وعَقَّبَ بِهَذا؛ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُتَيَقِّنِينَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ مَعَ ما أُعِدَّ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ فَكانَ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ في اسْتِمْرارِ التَّذْكِيرِ حِكْمَةً أرادَها اللَّهُ، وهي ارْعِواءُ بَعْضِ المُكَذِّبِينَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وازْدِيادُ المُصَدِّقِينَ تَوَغُّلًا في إيمانِهِمْ، فَفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ.
فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ مِثْلِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . ولَمّا كانَ أثَرُ التَّذْكِيرِ أهَمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى فَرِيقِ المُكَذِّبِينَ لِيَهْتَدِي مَن شُرِحَ قَلْبُهُ لِلْإيمانِ رُوعِيَ ما يَزِيدُ النَّبِيءَ ﷺ ثَباتًا عَلى التَّذْكِيرِ مِن تَبْرِئَتِهِ مِمّا يُواجِهُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: هو كاهِنٌ أوْ هو مَجْنُونٌ، فَرَبَطَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ ﷺ وأعْلَمَهُ بِأنَّ بَراءَتَهُ
صفحة ٥٩
مِن ذَلِكَ نِعْمَةٌ أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ رَبُّهُ تَعالى فَفَرَّعَ هَذا الخَبَرَ عَلى الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ بِقَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ والباءُ في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أنْتَ.
ونَفْيُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ عَنْهُ في خِطابِ أمْثالِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الوَصْفَ بِصِفاتِ الكَمالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْيِ غَرَضٌ آخَرُ وهو هُنا إبْطالُ نِسْبَةِ مَن نَسَبَهُ إلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ولِذَلِكَ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] مُصَرِّحًا فِيهِ بِبَعْضِ أقْوالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْهُ فِيما قَبْلَهُ مَقالَةٌ مِن مَقالِهِمْ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هاتِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ عَلى خَصائِصَ تُناسِبُ تَعْظِيمَ مَن وُجِّهَتْ إلَيْهِ وهي أنَّها صِيغَتْ في نَظْمِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقِيلَ فِيها: ما أنْتَ بِكاهِنٍ، دُونَ: فَلَسْتَ بِكاهِنٍ، لِتَدُلَّ عَلى ثَباتِ مَضْمُونِ هَذا الخَبَرِ.
وقُدِّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقَدَّمَ المُسْنَدُ وهو كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الِاهْتِمامَ بِالمُسْنَدِ ولَكِنَّ الِاهْتِمامَ بِالضَّمِيرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كانَ أرْجَحَ هُنا لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ مَعادِهِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ وأفادَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالخَبَرِ لا نَفْسُ الإخْبارِ عَنْهُ بِالخَبَرِ كَقَوْلِنا: الرَّسُولُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَتَزَوَّجُ النِّساءَ. وأفادَ أيْضًا قَصْرًا إضافِيًّا بِقَرِينَةِ المَقامِ لِقَلْبِ ما يَقُولُونَهُ أوْ يَعْتَقِدُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: هو كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] .
وقُرِنَ الخَبَرُ المَنفِيُّ بِالباءِ الزّائِدَةِ لِتَحْقِيقِ النَّفْيِ فَحَصُلَ في الكَلامِ تَقَوِيَتانِ، وجِيءَ بِالحالِ قَبْلَ الخَبَرِ، أوْ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ وإظْهارِ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالبَراءَةِ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ.
وعُدِلَ عَنِ اسْتِحْضارِ الجَلالَةِ بِالِاسْمِ العَلَمِ إلى تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ وبِوَصْفِهِ الرَّبَّ؛ لِإفادَةِ لُطْفِهِ تَعالى بِرَسُولِهِ ﷺ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَهو يَرُبُّهُ ويُدَبِّرُ نَفْعَهُ، ولِتُفِيدَ الإضافَةُ تَشْرِيفَ المُضافِ إلَيْهِ.
صفحة ٦٠
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ رَدٌّ عَلى مَقالَةِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو كاهِنٌ، وعَلى عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إذْ قالَ: هو مَجْنُونٌ، ويَدُلُّ لِكَوْنِهِ رَدًّا عَلى مَقالَةٍ سَبَقَتْ أنَّهُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] ما سَيَكُونُ وما خَفِيَ مِمّا هو كائِنٌ.
والكاهِنُ: الَّذِي يَنْتَحِلُ مَعْرِفَةَ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ وما خَفِيَ مِمّا هو كائِنٌ ويُخْبِرُ بِهِ بِكَلامٍ ذِي أسْجاعٍ قَصِيرَةٍ. وكانَ أصْلُ الكَلِمَةِ مَوْضُوعَةً لِهَذا المَعْنى غَيْرَ مُشْتَقَّةٍ، ونَظِيرُها في العِبْرِيَّةِ (الكُوهِينُ) وهو حافِظُ الشَّرِيعَةِ والمُفْتِي بِها، وهو مِن بَنِي (لاوِي)، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكِهانَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَدِ اكْتُفِيَ في إبْطالِ كَوْنِهِ كاهِنًا أوْ مَجْنُونًا بِمُجَرَّدِ النَّفْيِ دُونَ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ التَّأمُّلِ في حالِ النَّبِيءِ ﷺ كافٍ في تَحَقُّقِ انْتِفاءِ ذَيْنَكَ الوَصْفَيْنِ عَنْهُ فَلا يَحْتاجُ في إبْطالِ اتِّصافِهِ بِهِما إلى أكْثَرَ مِنَ الإخْبارِ بِنَفْيِهِما؛ لِأنَّ دَلِيلَهُ المُشاهَدَةُ.
52:30Page 524
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
إنْ كانَتْ أمْ مُجَرَّدَةً عَنْ عَمَلِ العَطْفِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وإلّا فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] .
وعَنِ الخَلِيلِ كُلُّ ما في سُورَةِ الطُّورِ مِن ”أمْ“ فاسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ، يَعْنِي أنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ لا عَلى عَطْفِ المُفْرَداتِ. وهَذا ضابِطٌ ظاهِرٌ. ومُرادُهُ: أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ”أمْ“ وهي مُنْقَطِعَةٌ وهي لِلْإضْرابِ عَنْ مَقالَتِهِمُ المَرْدُودَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] لِلِانْتِقالِ إلى مَقالَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهم: هو شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ. وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِحَرْفِ (بَلْ) مَعَ أنَّهُ أشْهَرُ في الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، لِقَصْدِ تَضَمُّنِ (أمْ) لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: بَلْ أيَقُولُونَ شاعِرٌ إلَخْ. والِاسْتِفْهامُ المُقَرَّرُ إنْكارِيٌّ.
ومُناسَبَةُ هَذا الِانْتِقالِ عَنْ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ يُشِيرُ إلى مَقالاتِهِمْ
صفحة ٦١
الَّتِي يَرُدُّونَ بِها دَعْوَتَهُ فَلَمّا أُشِيرُ إلى بَعْضِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] انْتَقَلَ إلى إبْطالِ صِفَةٍ أُخْرى يُثَلِّثُونَ بِها الصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها وهي صِفَةُ (شاعِرٌ) .
رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ قائِلُونَ مِنَ النّاسِ: تَرَبَّصُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ المَوْتَ يَكْفِيكُمُوهُ كَما كَفاكم شاعِرَ بَنِي فُلانٍ وشاعِرَ بَنِي فُلانٍ، ولَمْ يُعَيِّنُوا اسْمَ الشّاعِرِ ولا أنَّهُ كانَ يَهْجُو كُفّارَ قُرَيْشٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ: أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ بَنُو عَبْدِ الدّارِ: هو شاعِرٌ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَسَيَهْلِكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَحَكَتْ مَقالَتَهم كَما قالُوها، أيْ: فَلَيْسَ في الكَلامِ خُصُوصُ ارْتِباطٍ بَيْنَ دَعْوى أنَّهُ شاعِرٌ، وبَيْنَ تَرَبُّصِ المَوْتِ بِهِ؛ لِأنَّ رَيْبَ المَنُونِ يُصِيبُ الشّاعِرَ والكاهِنَ والمَجْنُونَ وجاءَ (يَقُولُونَ) مُضارِعًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم. والتَّرَبُّصُ مُبالَغَةٌ في: الرَّبْصِ، وهو الِانْتِظارُ.
والرَّيْبُ هُنا: الحَدَثانِ، وفُسِّرَ بِصَرْفِ الدَّهْرِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَيْبٌ في القُرْآنِ شَكٌّ إلّا مَكانًا واحِدًا في الطُّورِ ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِهِ، أيْ: نَتَرَبَّصُ لِأجْلِهِ فَتَكُونَ الباءُ مُتَعَلِّقَةً بِ ”نَتَرَبَّصُ“ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ وتَتَعَلَّقُ ”بِ ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ حالًا مِنهُ مُقَدَّمًا عَلى صاحِبِها، أيْ: حُلُولَ رَيْبِ المَنُونِ بِهِ.
والمَنُونُ: مِن أسْماءِ المَوْتِ ومِن أسْماءِ الدَّهْرِ، ويُذَكَّرُ. وقَدْ فُسِّرَ بِكِلا المَعْنَيَيْنِ، فَإذا فُسِّرَ بِالمَوْتِ فَإضافَةُ رَيْبِ إلَيْهِ بَيانِيَّةٌ؛ أيِ الحَدَثانِ الَّذِي هو المَوْتُ، وإذْ فُسِّرَ المَنُونُ بِالدَّهْرِ فالإضافَةُ عَلى أصْلِها، أيْ: أحْداثُ الدَّهْرِ مِثْلُ مَوْتٍ أوْ خُرُوجٍ مِنَ البَلَدِ أوِ الرُّجُوعِ إلى دَعْوَتِهِ، فَرَيْبُ المَنُونِ جِنْسٌ وقَدْ ذَكَرُوا في مَقالَتِهِمْ قَوْلَهم: فَسَيُهْلَكُ، فاحْتُمِلَتْ أنْ يَكُونُوا أرادُوهُ بَيانَ رَيْبِ المَوْتِ أوْ أنْ أرادُوهُ مِثالًا لِرَيْبِ الدَّهْرِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ جارٍ في الآيَةِ لِأنَّها حَكَتْ مَقالَتَهم.
صفحة ٦٢
وقَدْ ورَدَ“ رَيْبَ المَنُونِ " في كَلامِ العَرَبِ بِالمَعْنَيَيْنِ؛ فَمِن وُرُودِهِ في مَعْنى المَوْتِ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
ومِن وُرُودِهِ بِمَعْنى حَدَثانِ الدَّهْرِ قَوْلُ الأعْشى:
أأنْ رَأتْ رَجُلًا أعْشى أضَرَّ بِهِ ∗∗∗ رَيْبُ المَنُونِ ودَهْرٌ مُفْنِدٌ خَبِلُ
أرادَ أضَرَّ بِذاتِهِ حَدَثانِ الدَّهْرِ، ولَمْ يُرِدْ إصابَةَ المَوْتِ كَما أرادَ أبُو ذُؤَيْبٍ.
ولَمّا كانَ انْتِفاءُ كَوْنِهِ شاعِرًا أمْرًا واضِحًا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ التَّأمُّلِ لَمْ يَتَصَدَّ القُرْآنُ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِهِ وإنَّما اشْتَمَلَتْ مَقالَتُهم عَلى أنَّهم يَتَرَبَّصُونَ أنْ يَحُلَّ بِهِ ما حَلَّ بِالشُّعَراءِ الَّذِينَ هم مِن جُمْلَةِ النّاسِ.
فَأمْرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَهم عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ بِأنْ يَقُولُ: ﴿تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]، وهو جَوابٌ مُنْصِفٌ؛ لِأنَّ تَرَبُّصَ حُلُولِ حَوادِثِ الدَّهْرِ بِأحَدِ الجانِبَيْنِ أوْ حُلُولِ المَنِيَّةِ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لا يَدْرِي أحَدُنا ماذا يَحُلُّ بِالآخَرِ.
52:31Page 524
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ .
ورَدَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّها وقَعَتْ في مَقامِ المُحاوَرَةِ لِسَبْقِها بِجُمْلَةِ ﴿يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] إلَخْ، فَإنْ أُمِرَ أحَدٌ بِأنْ يَقُولَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ فَأُمِرَ بِقَوْلِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] .
والأمْرُ في تَرَبَّصُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: سَواءٌ عِنْدِي تَرَبُّصُهم بِي وعَدَمُهُ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾، أيْ: فَإنِّي مُتَرَبِّصٌ بِكم مِثْلَ ما تَتَرَبَّصُونَ بِي إذْ لا نَدْرِي أيُّنا يُصِيبُهُ رَيْبُ المَنُونِ قَبْلُ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ كَما يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؛ لِأنَّهم لِغُرُورِهِمُ اقْتَصَرُوا عَلى أنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِهِ لِيَرَوْا هَلاكَهُ، فَهَذا مِن تَنْزِيلِ غَيْرِ المُنْكِرِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ.
صفحة ٦٣
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ مَعَكم ظاهِرُها أنَّها لِلْمُشارَكَةِ في وصْفِ التَّرَبُّصِ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ مُقَدَّرًا مَعَهُ (بِكم) لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] كانَ في الكَلامِ تَوْجِيهٌ بِأنَّهُ يَبْقى مَعَهم يَتَرَبَّصُ هَلاكَهم حِينَ تَبْدُو بَوادِرُهُ، إشارَةً إلى أنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ إذْ أصابَهم مِنَ الحَدَثانِ القَتْلُ والأسْرُ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى صَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] . وإنَّما قالَ هُنا ﴿مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ لِيُشِيرَ إلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ رَيْبَ المَنُونِ في جُمْلَةِ المُتَرَبِّصِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ ما في آيَةِ سُورَةِ بَراءَةَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ صِيغَ نَظْمُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما يُناسِبُ الِانْتِقالَ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ وذَلِكَ بِما نُهِّيَ بِهِ مِن شِبْهِ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ إذْ تَمَّتْ بِهِ الفاصِلَةُ.
52:32Page 525
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ .
إضْرابُ انْتِقالٍ دَعا إلَيْهِ ما في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُقَدَّرِ بَعْدَ ”أمْ“ مِن مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ السّابِقِ ويَسْتَقِرُّ ذَلِكَ في إدْراكِهِمْ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أهْلُ عُقُولٍ لا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أحْوالُ النّاسِ فَهم لا يَجْهَلُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِحالِ الكُهّانِ ولا المَجانِينَ ولا الشُّعَراءِ وقَدْ أبى عَلَيْهِمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ في قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وكانَتْ قُرَيْشٌ يُدْعَوْنَ أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى والمَعْنى: أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمُ المَزْعُومَةُ بِهَذا القَوْلِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ بِهَذا إلى المَذْكُورِ مِنَ القَوْلِ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، والمُصَرَّحِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، وهَذا كَما يَقُولُ مَن يَلُومُ عاقِلًا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ
صفحة ٦٤
يَجْهَلَ ما فِيهِ مِن فَسادٍ: أعاقَلٌ أنْتَ ؟ أوْ هَذا لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ما حَكى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] .
والحِلْمُ: العَقْلُ، قالَ الرّاغِبُ: المانِعُ مِن هَيَجانِ الغَضَبِ. وفي القامُوسِ هو الأناةُ. وفي مَعارِجَ النُّورِ: والحِلْمُ مَلَكَةٌ غَرِيزِيَّةٌ تُورِثُ لِصاحِبِها المُعامَلَةَ بِلُطْفٍ ولِينٍ لِمَن أساءَ أوْ أزْعَجَ اعْتِدالَ الطَّبِيعَةِ.
ومَعْنى إنْكارِ أنْ تَأْمُرَهم أحْلامُهم بِهَذا أنَّ الأحْلامَ الرّاجِحَةَ لا تَأْمُرُ بِمِثْلِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أضاعُوا أحْلامَهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأحْلامَ لا تَأْمُرُ بِمِثْلِهِ فَهم كَمَنَ لا أحْلامَ لَهم وهَذا تَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ الكافِرَ لا عَقْلَ لَهُ. قالُوا: وإنَّما لِلْكافِرِ الذِّهْنُ والذِّهْنُ يَقْبَلُ العِلْمَ جُمْلَةً، والعَقْلُ يُمَيِّزُ العِلْمَ ويُقَدِّرُ المَقادِيرَ لِحُدُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ.
والأمْرُ في ”تَأْمُرُهم“ مُسْتَعارٌ لِلْباعِثِ، أيْ: تَبْعَثُهم أحْلامُهم عَلى هَذا القَوْلِ.
* * *
﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ .
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ أيْضًا مُتَّصِلٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ انْتَقَلَ بِهِ إلى اسْتِفْهامٍ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالطُّغْيانِ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ مُسْتَعْمَلٌ: إمّا في التَّشْكِيكِ لِيَكُونَ التَّشْكِيكُ باعِثًا عَلى التَّأمُّلِ في حالِهِمْ فَيُؤْمِنُ بِأنَّهم طاغُونَ، وإمّا مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ لِكُلِّ سامِعٍ إذْ يَجِدُهم طاغِينَ.
وإقْحامُ كَلِمَةِ قَوْمٍ يُمَهِّدُ لِكَوْنِ الطُّغْيانِ مِن مُقَوِّماتِ حَقِيقَةِ القَوْمِيَّةِ فِيهِمْ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: تَأصَّلَ فِيهِمُ الطُّغْيانُ وخالَطَ نُفُوسَهم فَدَفَعَهم إلى أمْثالِ تِلْكَ الأقْوالِ.
52:33–34Page 525
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
صفحة ٦٥
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ .
انْتِقالٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] إلَخْ. وهَذا حِكايَةٌ لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ وحْيًا مِنَ اللَّهِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ تَقَوَّلَهُ النَّبِيءُ ﷺ عَلى اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ وهم قَدْ أكْثَرُوا مِنَ الطَّعْنِ وتَمالَئُوا عَلَيْهِ ولِذَلِكَ جِيءَ في حِكايَتِهِ عَنْهم بِصِيغَةِ ”يَقُولُونَ“ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ.
والتَّقَوُّلُ: نِسْبَةُ كَلامٍ إلى أحَدٍ لَمْ يَقُلْهُ، ويَتَعَدّى إلى الكَلامِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَدّى إلى مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] الآيَةَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في تَقَوَّلَهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ.
وابْتُدِئَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِتَعْجِيلِ تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ولِيَكُونَ وُرُودُ الِاسْتِدْلالِ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ بِمَنزِلَةِ دَلِيلٍ ثانٍ. ومَعْنى لا يُؤْمِنُونَ: أنَّ دَلائِلَ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ تَقَوُّلِ القُرْآنِ بَيِّنَةٌ لَدَيْهِمْ ولَكِنَّ الزّاعِمِينَ ذَلِكَ يَأْبَوْنَ الإيمانَ فَهم يُبادِرُونَ إلى الطَّعْنِ دُونَ نَظَرٍ ويُلْقُونَ المَعاذِيرَ سَتْرًا لِمُكابَرَتِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ طَعْنًا في القُرْآنِ وهو المُعْجِزَةُ القائِمَةُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكانَتْ دَعْواهم أنَّهُ تَقَوَّلَ عَلى اللَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ قَدْ تَرُوجُ عَلى الدَّهْماءِ تَصَدّى القُرْآنُ لِبَيانِ إبْطالِها بِأنْ تَحَدّاهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾، أيْ: صادِقِينَ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، أيْ: فَعَجْزُهم عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كاذِبُونَ.
ووَجْهُ المُلازَمَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أحَدُ العَرَبِ وهو يَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ. فالمُساواةُ بَيْنَهَ وبَيْنَهم في المَقْدِرَةِ عَلى نَظْمِ الكَلامِ ثابِتَةٌ، فَلَوْ كانَ القُرْآنُ قَدْ قالَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ لَكانَ بَعْضُ خاصَّةِ العَرَبِ البُلَغاءِ قادِرًا عَلى تَأْلِيفِ مِثْلِهِ، فَلَمّا تَحَدّاهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ القُرْآنِ وفِيهِمْ بُلَغاؤُهم وشُعَراؤُهم وكَلِمَتُهم وكُلُّهم واحِدٌ في الكُفْرِ كانَ عَجْزُهم
صفحة ٦٦
عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ دالًّا عَلى عَجْزِ البَشَرِ عَنِ الإتْيانِ بِالقُرْآنِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] .
كَما قالَ تَعالى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ مِن مَكانٍ آخَرَ. واخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ دُونَ نَحْوِ: فَلْيَقُولُوا مِثْلَهُ، ونَحْوِهِ، لِقَصْدِ الإعْذارِ لَهم بِأنْ يُقْتَنَعَ مِنهم بِجَلْبِ كَلامٍ مِثْلِهِ ولَوْ مِن أحَدٍ غَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، هُما: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ القُرْآنِ، أوْ فَأْتُوا مِن مِثْلِ الرَّسُولِ ﷺ أيْ: مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ.
والحَدِيثُ: الإخْبارُ بِالحَوادِثِ وأصْلُ الحَوادِثِ أنَّها الواقِعاتُ الحَدِيثَةُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فَأُطْلِقَتْ عَلى الواقِعاتِ، ولَوْ كانَتْ قَدِيمَةً كَقَوْلِهِمْ: حَوادِثُ سَنَةِ كَذا، وتَبِعَ ذَلِكَ إطْلاقُ الحَدِيثِ عَلى الخَبَرِ مُطْلَقًا، وتُوسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى الكَلامِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ إخْبارًا، ومِنهُ إطْلاقُ الحَدِيثِ عَلى كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ .
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ هُنا قَدْ أُطْلِقَ عَلى الكَلامِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ لا خُصُوصَ الأخْبارِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ هُنا أُطْلِقَ عَلى الأخْبارِ، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِأخْبارٍ مِثْلِ قَصَصِ القُرْآنِ فَيَكُونَ اسْتِنْزالًا لَهم فَإنَّ التَّكَلُّمَ بِالأخْبارِ أسْهَلُ عَلى المُتَكَلِّمِ مِنِ ابْتِكارِ الأغْراضِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيها، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ القُرْآنَ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، أيْ: أخْبارٌ عَنِ الأُمَمِ الماضِينَ فَقِيلَ لَهم: فَلْيَأْتُوا بِأخْبارٍ مِثْلِ أخْبارِهِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِ ما في القُرْآنِ مِنَ المَعارِفِ والشَّرائِعِ والدَّلائِلِ لا قِبَلَ لِعُقُولِهِمْ بِهِ، وقُصاراهم أنْ يَفْهَمُوا ذَلِكَ إذا سَمِعُوهُ.
ومَعْنى المِثْلِيَّةِ في قَوْلِهِ ”مِثْلِهِ“ المِثْلِيَّةُ في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وهي خُصُوصِيّاتٌ يُدْرِكُونَها إذا سَمِعُوها ولا تُحِيطُ قَرائِحُهم بِإيداعِها في كَلامِهِمْ. وقَدْ بَيَّنا أُصُولَ الإعْجازِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
صفحة ٦٧
ولامُ الأمْرِ في ”فَلْيَأْتُوا“ مُسْتَعْمَلَةٌ في أمْرِ التَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
وقَوْلُهُ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾، أيْ: في زَعْمِهِمْ أنَّهُ تَقَوَّلَهُ، أيْ: فَإنَّ لَمْ يَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِهِ فَهم كاذِبُونَ. وهَذا إلْهابٌ لِعَزِيمَتِهِمْ لِيَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِ القُرْآنِ لِيَكُونَ عَدَمُ إتْيانِهِمْ بِمِثْلِهِ حُجَّةً عَلى كَذِبِهِمْ وقَدْ أشْعَرَ نَظْمُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ الواقِعِ مَوْقِعًا شَبِيهًا بِالتَّذْيِيلِ والمَخْتُومِ بِكَلِمَةِ الفاصِلَةِ، أنَّهُ نِهايَةُ غَرَضٍ وأنَّ ما بَعْدَهُ شُرُوعٌ في غَرَضٍ آخَرَ كَما تَقَدَّمَ في نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] .
52:35Page 525
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ .
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى إبْطالِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن شُبْهَتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وقَدْ عَلِمْتَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ مِن أغْراضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ عَلى أنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ مِن وصْفِ يَوْمِ الجَزاءِ وحالِ أهْلِهِ قَدِ اقْتَضَتْهُ مُناسَباتٌ نَشَأتْ عَنْها تِلْكَ التَّفاصِيلُ، فَإذْ وُفِّيَ حَقُّ ما اقْتَضَتْهُ تِلْكَ المُنْسَباتُ ثُنِّيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وإبْطالِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي تَعَلَّلُوا بِها مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] .
فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ الآياتِ أدِلَّةٌ عَلى أنَّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ. وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]؛ لِأنَّ شُبْهَتَهُمُ المَقْصُودَ رَدُّها بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] هي قَوْلُهم ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩]، ونَحْوُ ذَلِكَ.
فَحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ بَعْدَ أمْ تَقْرِيرِيًّا. والمَعْنى: أيُقِرُّونَ أنَّهم خُلِقُوا بَعْدَ أنْ كانُوا عَدَمًا فَكُلَّما خُلِقُوا مِن عَدَمٍ في نَشْأتِهِمُ الأُولى يُنْشَئُونَ مِن عَدَمٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ إثْباتٌ لِإمْكانِ البَعْثِ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]
صفحة ٦٨
وقَوْلِهِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
ومَعْنى ”شَيْءٍ“ عَلى هَذا الوَجْهِ: المَوْجُودُ، فَغَيْرُ شَيْءٍ: المَعْدُومُ، والمَعْنى: أخُلِقُوا مِن عَدَمٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونَ الِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ إنْكارِيًّا، ويَكُونَ اسْمُ شَيْءٍ صادِقًا عَلى ما يَصْلُحُ لِمَعْنى التَّعْلِيلِ المُسْتَفادِ مِن حَرْفِ مِنَ التَّعْلِيلِيَّةِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ خَلْقَهم بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، وهَذا إثْباتٌ أنَّ البَعْثَ واقِعٌ لِأجْلِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، بِأنَّ الجَزاءَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها فِعْلُ أحْكَمِ الحُكَماءِ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] .
ولِحَرْفِ ”مِن“ في هَذا الكَلامِ الوَقْعُ البَدِيعُ إذْ كانَتْ عَلى احْتِمالِ مَعْنَيَيْها دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ وعَلى وُقُوعِهِ وعَلى وُجُوبِ وُقُوعِهِ وُجُوبًا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ العُلْيا. ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِالصِّيغَةِ الغالِبَةِ في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، أعْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ بِأنْ يُقالَ: أما خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ؛ والعُدُولُ عَنْ تَعْيِينِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (غَيْرِ) إلى الإتْيانِ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ وهو لَفْظُ شَيْءٍ، رُوعِيَ فِيهِ الصَّلاحِيَّةُ لِاحْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ وذَلِكَ مِن مُنْتَهى البَلاغَةِ.
وإذا كانَ فَرْضُ أنَّهم خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ واضِحَ البُطْلانِ لَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ عَلى إبْطالِهِ بِقَوْلِهِ:
* * *
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] .
وهُوَ إضْرابُ انْتِقالٍ أيْضًا، والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ ”أمْ“ إنْكارِيٌّ، أيْ: ما هُمُ الخالِقُونَ وإذْ كانُوا لَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ فالإنْكارُ مُرَتَّبٌ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُونَ أنَّهم خالِقُونَ.
وصِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ الحَصْرِ الَّذِي طَرِيقُهُ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ قَصْرًا إضافِيًّا لِلرَّدِ عَلَيْهِمْ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُمُ الخالِقُونَ لا اللَّهَ؛ لِأنَّهم عَدُّوا مِنَ
صفحة ٦٩
المُحالِ ما هو خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، فَجَعَلُوهُ خارِجًا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، فالتَّقْدِيرُ: أمْ هُمُ الخالِقُونَ لا نَحْنُ. والمَعْنى: نَحْنُ الخالِقُونَ لا هم.
وحُذِفَ مَفْعُولُ الخالِقُونَ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيِ الخالِقُونَ لِلْمَخْلُوقاتِ وعَلى هَذا جَرى الطَّبَرِيُّ وقَدَّرَهُ المُفَسِّرُونَ عَدا الطَّبَرِيِّ: أمْ هُمُ الخالِقُونَ أنْفُسَهم كَأنَّهم جَعَلُوا ضَمِيرَ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَحْذُوفَ اسْمُ مَعادِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ ولا افْتِراءَ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونُوا خالِقِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَصَدَّ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى هَذا الِانْتِفاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] يَظْهَرُ لِي أنَّها بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، إنْ كانَ مَفْعُولُ ”الخالِقُونَ“ المَحْذُوفُ مُرادًا بِهِ العُمُومُ وكانَ المُرادُ بِالسَّماءِ والأرْضِ ذاتَيْهِما مَعَ مَن فِيهِما، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أنَّ المُرادُ ذاتَيِ السَّماءِ والأرْضِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ خَلْقِهِما.
وإعادَةُ حَرْفِ ”أمْ“ لِلتَّأْكِيدِ كَما يُعادُ عامِلُ المُبَدَلِ مِنهُ في البَدَلِ، والمَعْنى: أمْ هُمُ الخالِقُونَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ.
والمَعْنى: أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لا يُعْجِزُهُ إعادَةَ الأجْسادِ بَعْدَ المَوْتِ والفَناءِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ: أنْ يَخْلُقَ أمْثالَ أجْسادِهِمْ بَعْدَ انْعِدامِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences