Al-Hadid 57:17
The Iron · Juz 27 · Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
1 translator’s note
- That similarly, Allāh (subḥānahu wa taʿālā) can soften a heart after its hardness and guide one who had previously been astray. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 57:17
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
افْتِتاحُ الكَلامِ بِـ ”اعْلَمُوا“ ونَحْوِهِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما سَيُلْقى جَدِيرٌ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ بِشَراشِرِهِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، الآيَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وهُوَ هُنا يُشِيرُ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي بُعْدُهُ مَغْزًى عَظِيمٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ حالِ احْتِياجِ القُلُوبِ المُؤْمِنَةِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ بِحالِ الأرْضِ المَيِّتَةِ في الحاجَةِ إلى المَطَرِ، وحالِ الذِّكْرِ في تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ واسْتِنارَتِها بِحالِ الغَيْثِ في إحْياءِ الأرْضِ الجَدْبَةِ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وإلّا فَإنَّ إحْياءَ اللَّهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِما يُصِيبُها مِنَ المَطَرِ لا خَفاءَ فِيها فَلا يَقْتَضِي أنْ يَفْتَتِحَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمِثْلِ ”اعْلَمُوا“ إلّا لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ وهي دَلالَةُ التَّمْثِيلِ، ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وقَدْ رَآهُ لَطَمَ وجْهَ عَبْدٍ لَهُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا» .
فالجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”فَقَسَتْ قُلُوبُهم“، لِما تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الخُشُوعِ
صفحة ٣٩٤
لِذِكْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مِمّا نَزَلَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، الآيَةَ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ اعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إقْبالًا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمامِ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُصَرَّحَةٌ ويَتَضَمَّنُ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ تَشْبِيهَ حالِ ذِكْرِ اللَّهِ والقُرْآنِ في إصْلاحِ القُلُوبِ بِحالِ المَطَرِ في إصْلاحِهِ الأرْضَ بَعْدَ جَدْبِها. وطُوِيَ ذِكْرُ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِلازِمِها وهو إسْنادُ إحْياءِ الأرْضِ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِسَبَبِ المَطَرِ كَما قالَ تَعالى ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.
والمَقْصُودُ الإرْشادُ إلى وسِيلَةِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ والحَثِّ عَلى تَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرُ بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْلِيمِهِ وأنَّ في اللَّجَأِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ نَجاةً وفي المَفْزَعِ إلَيْهِما عِصْمَةً وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، وقالَ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ، وكانَتْ مِنها أجادِبَ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لِأنَّ السّامِعَ قَوْلَهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةَ الغَرَضِ مِن هَذا الإعْلامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾، جَوابًا عَنْ تَطَلُّبِهِ، أيْ: أعْلَمْناكم بِهَذا تَبْيِينًا لِلْآياتِ.
ويُفِيدُ بِعُمُومِهِ مُفادَ التَّذْيِيلِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَكِيِّها ومَدَنِيِّها لِأنَّ
صفحة ٣٩٥
الآيَةَ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَمَوْقِعُها بَعْدَ الآياتِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا، ولِأنَّ التَّعْرِيفَ في الآياتِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما هو شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ.
والآياتُ: الدَّلائِلُ. والمُرادُ بِها: ما يَشْمَلُ مَضْمُونَ قَوْلِهِ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”بَعْدَ مَوْتِها“ وهو مَحَلُّ ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّ التَّنْظِيرَ بِحالِ أهْلِ الكِتابِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وبَيانُ الآياتِ يَحْصُلُ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ وتَوْضِيحِها، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ في هَذِهِ الآياتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ومِن أوْضَحِ البَيانِ التَّنْظِيرُ بِأحْوالِ المُشابِهِينَ في حالَةِ التَّحْذِيرِ أوِ التَّحْضِيضِ.
و”لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ“: رَجاءٌ وتَعْلِيلٌ، أيْ: بَيَّنا لَكم لِأنَّكم حالُكم كَحالِ مَن يُرْجى فَهْمُهُ، والبَيانُ عِلَّةٌ لِفَهْمِهِ.
Page 539
57:12
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
57:13
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
1 translator’s note
- To where light was acquired, i.e., in the worldly life. ↩
57:14
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
1 translator’s note
- By hypocrisy or by falling into temptations. ↩
57:15
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
57:16
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
57:17
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
1 translator’s note
- That similarly, Allāh (subḥānahu wa taʿālā) can soften a heart after its hardness and guide one who had previously been astray. ↩
57:18
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.