Al-Hashr 59:10
The Exile · Juz 28 · Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 59:10
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
صفحة ٩٦
عَطْفٌ عَلى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ [الحشر: ٩] عَلى التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ فَأمّا عَلى رَأْيِ مَن جَعَلُوا ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ [الحشر: ٩] مَعْطُوفًا عَلى (لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ) جَعَلُوا ﴿الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَرِيقًا مِن أهْلِ القُرى، وهو غَيْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بَلْ هو مَن جاءَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَضَمِيرُ (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ.
والمَجِيءُ مُسْتَعْمَلٌ لِلطُّرُوِّ والمَصِيرِ إلى حالَةٍ تُماثِلُ حالَهم، وهي حالَةُ الإسْلامِ، فَكَأنَّهم أتَوْا إلى مَكانٍ لِإقامَتِهِمْ، وهَذا فَرِيقٌ ثالِثٌ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] أيِ اتَّبَعُوهم في الإيمانِ.
وإنَّما صِيغَ (جاءُوا) بِصِيغَةِ الماضِي تَغْلِيبًا لِأنَّ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مَن أسْلَمُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ مِثْلِ غِفارَةَ، ومُزَيْنَةَ، وأسْلَمَ، ومِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ جاءُوا ويَجِيئُونَ، بِدِلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا: زِيادَةُ دَفْعِ إيهامِ أنْ يَخْتَصَّ المُهاجِرُونَ بِما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن أهْلِ القُرى كَما اخْتَصَّهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.
وقَدْ شَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ مَن يُوجَدُ مِنَ المُسْلِمِينَ أبَدَ الدَّهْرِ وعَلى هَذا جَرى فَهْمُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوى البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ عُمَرُ لَوْلا آخِرُ المُسْلِمِينَ ما فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إلّا قَسَّمْتُها بَيْنَ أهْلِها (أيِ الفاتِحِينَ) كَما قَسَّمَ النَّبِيءُ ﷺ خَيْبَرَ» .
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ عُمَرَ دَعا المُهاجِرِينَ والأنْصارَ واسْتَشارَهم فِيما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وقالَ لَهم: تَثَبَّتُوا الأمْرَ وتَدَبَّرُوهُ ثُمَّ اغْدُوا عَلَيَّ فَلَمّا غَدَوْا عَلَيْهِ قالَ: قَدْ مَرَرْتُ بِالآياتِ الَّتِي في سُورَةِ الحَشْرِ وتَلا ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] إلى قَوْلِهِ (أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ) . قالَ: ما هي لِهَؤُلاءِ فَقَطْ وتَلا ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ثُمَّ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ اهـ.
وهَذا ظاهِرٌ في الفَيْءِ، وأمّا ما فُتِحَ عَنْوَةً فَمَسْألَةٌ أُخْرى ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في
صفحة ٩٧
عَدَمِ قِسْمَتِهِ سَوادَ العِراقِ بَيْنَ جَيْشِ الفاتِحِينَ لَهُ عَمَلٌ آخَرُ، وهو لَيْسَ غَرَضَنا. ومَحَلُّهُ كُتُبُ الفِقْهِ والحَدِيثِ.
والفَرِيقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وجَعَلَ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩] خَبَرًا عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ، جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفًا.
ومِنَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا) مَعْطُوفًا عَلى ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا. ونَسَبَهُ ابْنُ الفَرَسِ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى الشّافِعِيِّ. ورَأى أنَّ الفَيْءَ إذا كانَ أرْضًا فَهو إلى تَخْيِيرِ الإمامِ ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ في فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ عَلى التَّفْسِيرِ المُخْتارِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ .
والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ: الحَسَدُ والبُغْضُ، أيْ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُطَهِّرَ نُفُوسَهم مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنِ عَلى ما أُعْطُوهُ مِن فَضِيلَةِ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ وما فُضِّلَ بِهِ بَعْضُهم مِنَ الهِجْرَةِ وبَعْضُهم مِنَ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ما يُكْسِبُهم فَضِيلَةً لَيْسَتْ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهي فَضِيلَةُ الدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ وانْطِواءِ ضَمائِرِهِمْ عَلى مَحَبَّتِهِمْ وانْتِفاءِ البُغْضِ لَهم.
والمُرادُ أنَّهم يُضْمِرُونَ ما يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لَهم في نُفُوسِهِمْ ويُرْضُونَ أنْفُسَهم عَلَيْهِ.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حَقًّا عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَذْكُرُوا سَلَفَهم بِخَيْرٍ، وأنَّ حَقًّا عَلَيْهِمْ مَحَبَّةُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَعْظِيمُهم، قالَ مالِكٌ: مَن كانَ يُبْغِضُ أحَدًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ كانَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ.
فَلَعَلَّهُ أخَذَ بِمَفْهُومِ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ، فَإنَّ المَقْصِدَ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنْ يُضْمِرُوا مَضْمُونَهُ في نُفُوسِهِمْ فَإذا أضْمَرُوا خِلافَهُ وأعْلَنُوا بِما يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ تَخَلَّفَ فِيهِمْ هَذا الوَصْفُ، فَإنَّ الفَيْءَ عَطِيَّةٌ
صفحة ٩٨
أعْطاها اللَّهُ تِلْكَ الأصْنافَ ولَمْ يَكْتَسِبُوها بِحَقِّ قِتالٍ، فاشْتَرَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِها أنْ يَكُونُوا مُحِبِّينَ لِسَلَفِهِمْ غَيْرَ حاسِدِينَ لَهم.
وهُوَ يَعْنِي إلّا ما كانَ مِن شَنَآنٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لِأسْبابٍ عادِيَّةٍ أوْ شَرْعِيَّةٍ مِثْلِ ما كانَ بَيْنَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ حِينَ تَحاكَما إلى عُمَرَ، فَقالَ العَبّاسُ: اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَ هَذا الظّالِمِ الخائِنِ الغادِرِ. ومِثْلِ إقامَةِ عُمَرَ حَدَّ القَذْفِ عَلى أبِي بَكْرَةَ.
وأمّا ما جَرى بَيْنَ عائِشَةَ وعَلِيٍّ مِنَ النِّزاعِ والقِتالِ وبَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ مِنَ القِتالِ فَإنَّما كانَ انْتِصارًا لِلْحَقِّ في كِلا رَأْيَيِ الجانِبَيْنِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغِلٍّ أوْ تَنَقُّصٍ، فَهو كَضَرْبِ القاضِي أحَدًا تَأْدِيبًا لَهُ فَوَجَبَ إمْساكُ غَيْرِهِمْ مِنَ التَّحَزُّبِ لَهم بَعْدَهم فَإنَّهُ وإنْ ساغَ ذَلِكَ لِآحادِهِمْ لِتَكافُئِ دَرَجاتِهِمْ أوْ تَقارُبِها. والظَّنُّ بِهِمْ زَوالُ الحَزازاتِ مِن قُلُوبِهِمْ بِانْقِضاءِ تِلْكَ الحَوادِثِ، لا يُسَوِّغُ ذَلِكَ لِلْأذْنابِ مِن بَعْدِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنهم في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ، وإنَّما هي مَسْحَةٌ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ نَخَرَتْ عَضُدَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
Page 547
59:10
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
59:11
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
59:12
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
59:13
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
59:14
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
59:15
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
59:16
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."