Al-An'am 6:2
The Cattle · Juz 7 · Page 128
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 6:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إثْباتِ الصّانِعِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ وتَعاقُبِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ أتْبَعَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم مِن آدَمَ وآدَمُ كانَ مَخْلُوقًا مِن طِينٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، وهُما يَتَوالَدانِ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، فَإنْ كانَتْ حَيَوانِيَّةً كانَ الحالُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ نَباتِيَّةً فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الأغْذِيَةِ النَّباتِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الطِّينِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الطِّينِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هُنا الطِّينُ قَدْ تَوَلَّدَتِ النُّطْفَةُ مِنهُ بِهَذا الطَّرِيقِ المَذْكُورِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنَ النُّطْفَةِ أنْواعُ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ في الصِّفَةِ والصُّورَةِ واللَّوْنِ والشَّكْلِ مِثْلَ القَلْبِ والدِّماغِ والكَبِدِ، وأنْواعُ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ وغَيْرِها، وتَوَلُّدُ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ في المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، ومُدَبِّرٍ رَحِيمٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
صفحة ١٢٧
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ أمْرِ المَعادِ، فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ تَخْلِيقَ بَدَنِ الإنْسانِ إنَّما حَصَلَ لِأنَّ الفاعِلَ الحَكِيمَ والمُقَدِّرَ الرَّحِيمَ رَتَّبَ خِلْقَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وتِلْكَ القُدْرَةُ والحِكْمَةُ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الحَيَوانِ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَتِها وإعادَةِ الحَياةِ فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: لَفْظُ القَضاءِ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الحُكْمِ والأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبِمَعْنى الخَبَرِ والإعْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤]، وبِمَعْنى صِفَةِ الفِعْلِ إذا تَمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] ومِنهُ قَوْلُهم: قَضى فُلانٌ حاجَةَ فُلانٍ، وأمّا الأجَلُ فَهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ عُمُرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ مَحِلُّهُ لِانْقِضاءِ التَّأْخِيرِ فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجَلُ أجُولًا، وهو آجِلٌ إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ مَوْتَ كُلِّ واحِدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وذَلِكَ التَّخْصِيصُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِإيقاعِ ذَلِكَ المَوْتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ أجَلَيْنِ لِكُلِّ إنْسانٍ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِما عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الماضِينَ مِنَ الخَلْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الباقِينَ مِنَ الخَلْقِ فَهو خَصَّ هَذا الأجَلَ الثّانِيَ بِكَوْنِهِ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّ الماضِينَ لَمّا ماتُوا صارَتْ آجالُهم مَعْلُومَةً، أمّا الباقُونَ فَهم بَعْدُ لَمْ يَمُوتُوا فَلَمْ تَصِرْ آجالُهم مَعْلُومَةً، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .
والثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ هو أجَلُ المَوْتِ والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَ اللَّهِ هو أجَلُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ حَياتِهِمْ في الآخِرَةِ لا آخِرَةَ لَها ولا انْقِضاءَ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والثّالِثُ: الأجَلُ الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ وهو البَرْزَخُ.
والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ هو النَّوْمُ، والثّانِيَ المَوْتُ.
والخامِسُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ، والأجَلَ الثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ.
والسّادِسُ: وهو قَوْلُ حُكَماءَ الإسْلامِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلَيْنِ:
أحَدُهُما: الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ.
والثّانِي: الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ، أمّا الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ: فَهي الَّتِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا مِنَ العَوارِضِ الخارِجِيَّةِ لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ، وأمّا الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ: فَهي الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ كالغَرَقِ والحَرْقِ ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُعْضِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أيْ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ أوْ مَذْكُورٌ اسْمُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْنى عِنْدَهُ شَبِيهٌ بِما يَقُولُ الرَّجُلُ في المَسْألَةِ: عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا أيْ هَذا اعْتِقادِي وقَوْلِي.
فَإنْ قِيلَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا وجَبَ تَأْخِيرُهُ فَلِمَ جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ؟
صفحة ١٢٨
قُلْنا: لِأنَّهُ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ فَنَقُولُ: المِرْيَةُ والِامْتِراءُ هو الشَّكُّ.
واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ كانَ مَعْناهُ أنَّ بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ: أنْتُمْ تَمْتَرُونَ في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ تَصْحِيحَ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَكَذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
Page 128
سورة الأنعام
Al-An'am
The Cattle · Meccan · 165 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
6:1
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
6:2
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
6:3
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
6:4
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
6:5
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
1 translator’s note
- They will experience the reality of what they had denied and the consequence of their denial. ↩
6:6
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
6:7
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."
6:8
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨
And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.