Al-An'am 6:89
The Cattle · Juz 7 · Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩
Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 6:89
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .
صفحة ٣٥٢
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَهي فَذْلَكَةٌ ثانِيَةٌ، لِأنَّ الفَذْلَكَةَ الأُولى راجِعَةٌ إلى ما في الجُمَلِ السّابِقَةِ مِنَ الهُدى وهَذِهِ راجِعَةٌ إلى ما فِيها مِنَ المَهْدِيِّينَ.
واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَمْيِيزِهِمْ وإخْطارِ سِيرَتِهِمْ في الأذْهانِ. والمُشارُ إلَيْهِمْ هُمُ المُعَيَّنُونَ بِأسْمائِهِمْ والمَذْكُورُونَ إجْمالًا في قَوْلِهِ ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ.
و”﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ: أيِ الكُتُبُ. وإيتاءُ الكِتابِ يَكُونُ بِإنْزالِ ما يُكْتَبُ، كَما أنْزَلَ عَلى الرُّسُلِ وبَعْضِ الأنْبِياءِ، وما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ يُعْتَبَرُ كِتابًا، لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يُكْتَبَ سَواءٌ كُتِبَ أمْ لَمْ يُكْتَبْ. وقَدْ نَصَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَتْ لَهُ صُحُفٌ بِقَوْلِهِ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى وكانَ لِعِيسى كَلامُهُ الَّذِي كُتِبَ في الإنْجِيلِ. ولِداوُدَ الكَلامُ الصّادِرُ مِنهُ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ نَبِيئًا ولَمْ يَكُنْ رَسُولًا، ولِسُلَيْمانَ الأمْثالُ، والجامِعَةُ، والنَّشِيدُ المَنسُوبُ في ثَلاثَتِها أحْكامٌ أمَرَ اللَّهُ بِها. ويُقالُ: إنَّ إدْرِيسَ كَتَبَ الحِكْمَةَ في صُحُفٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الإسْرائِيلِيُّونَ (أخْنُوخَ) ويَدْعُوهُ القِبْطُ (تُوتًا) ويَدْعُوهُ الحُكَماءُ (هُرْمُسَ) . ويَكُونُ إيتاءُ الكِتابِ بِإيتاءِ النَّبِيءِ فَهْمَ وتَبْيِينَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ، كَما أُوتِيَ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى أمْثالَ يَحْيى فَقَدْ قالَ تَعالى لَهُ يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ.
والحُكْمُ هو الحِكْمَةُ، أيِ العِلْمُ بِطُرُقِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ. قالَ تَعالى في شَأْنِ يَحْيى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ولَمْ يَكُنْ يَحْيى حاكِمًا أيْ قاضِيًا، وقَدْ يُفَسَّرُ الحُكْمُ بِالقَضاءِ بِالحَقِّ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا.
وإيتاءُ هَذِهِ الثَّلاثِ عَلى التَّوْزِيعِ، فَمِنهم مَن أُوتِيَ جَمِيعَها وهُمُ الرُّسُلُ مِنهم والأنْبِياءُ الَّذِينَ حَكَمُوا بَيْنَ النّاسِ مِثْلُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، ومِنهم مَن أُوتِيَ بَعْضَها وهُمُ الأنْبِياءُ غَيْرُ الرُّسُلِ، والصّالِحُونَ مِنهم غَيْرُ الأنْبِياءِ، وهَذا بِاعْتِبارِ شُمُولِ اسْمِ الإشارَةِ لِآبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ.
صفحة ٣٥٣
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَإنْ يَكْفُرْ“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عُقِّبَتْ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ وفُرِّعَتْ عَلَيْها لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ هو تَشْوِيهُ أمْرِ الشِّرْكِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِهِ بِنَبْذِ أهْلِ الفَضْلِ والخَيْرِ إيّاهُنَّ فَكانَ لِلْفاءِ العاطِفَةِ عَقِبَ ذَلِكَ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ مِن أحْكامِ نَظْمِ الكَلامِ.
وضَمِيرُ ”بِها“ عائِدٌ إلى المَذْكُوراتِ: الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَؤُلاءِ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهي إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ . وفي البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ.
وقَدْ تَقَصَّيْتُ مَواقِعَ آيِ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ يُعَبِّرُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرًا بِكَلِمَةٍ هَؤُلاءِ، كَقَوْلِهِ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ.
وكُفْرُ المُشْرِكِينَ بِنُبُوءَةِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ تابِعٌ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم بَعْدُ أنَّهم ﴿قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .
ومَعْنى ”وكَّلْنا بِها“ وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها ومُراعاتِها والقِيامِ بِحَقِّها. فالتَّوْكِيلُ هُنا اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ إسْنادُ صاحِبِ الشَّيْءِ تَدْبِيرِ شَيْئِهِ إلى مَن يَتَوَلّى تَدْبِيرَهُ ويَكْفِيهِ كُلْفَةَ حِفْظِهِ ورِعايَةِ ما بِهِ بَقاؤُهُ وصَلاحُهُ ونَماؤُهُ. يُقالُ: وكَّلْتُهُ عَلى الشَّيْءِ ووَكَّلْتُهُ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَدّى بِعَلى وبِالباءِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّوْفِيقِ إلى الإيمانِ بِالنُّبُوءَةِ والكِتابِ والحُكْمِ والنَّظَرِ في ما تَدْعُو إلَيْهِ ورِعايَتِهِ تَشْبِيهًا لِتِلْكَ الرِّعايَةِ بِرِعايَةِ الوَكِيلِ، وتَشْبِيهًا لِلتَّوْفِيقِ إلَيْها بِإسْنادِ النَّظَرِ إلى الوَكِيلِ، لِأنَّ الوَكالَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّيْءِ المُوَكَّلِ بِيَدِ الوَكِيلِ مَعَ حِفْظِهِ ورِعايَتِهِ، فَكانَتِ اسْتِعارَةُ ”وكَّلْنا“ لِهَذا المَعْنى إيجازًا
صفحة ٣٥٤
بَدِيعًا يُقابِلُ ما يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الكُفْرِ بِها مِن إنْكارِها الَّذِي فِيهِ إضاعَةُ حُدُودِها.
والقَوْمُ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والقُرْآنِ، وبِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ. والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ ومَن آمَنَ مِنَ الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ. وقَدْ فَسَّرَ في الكَشّافِ ”القَوْمَ“ بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وادَّعى أنَّ نَظْمَ الآيَةِ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وهو تَكَلُّفٌ لا حامِلَ إلَيْهِ.
ووَصَفَ القَوْمَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم سارَعُوا إلى الإيمانِ بِها بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إلى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ جِيءَ في وصْفِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَلَّفَةِ مِنِ اسْمِ (لَيْسَ) وخَبَرِها لِأنَّ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ حَرْفِ نَفْيٍ؛ إذْ هي فَعْلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، فَجُمْلَتُها تَدُلُّ عَلى دَوامِ نَفْيِ الكُفْرِ عَنْهم، وأُدْخِلَتِ الباءُ في خَبَرِ (لَيْسَ) لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَصارَ دَوامَ نَفْيٍ مُؤَكَّدًا.
والمَعْنى إنْ يَكْفُرِ المُشْرِكُونَ بِنُبُوءَتِكَ ونُبُوءَةِ مَن قَبْلِكَ فَلا يَضُرُّكَ كُفْرُهم لِأنّا قَدْ وفَّقْنا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ لِلْإيمانِ بِكَ وبِهِمْ، فَهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى إعْراضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ”﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾“ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمُعادٍ الضَّمِيرِ: الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوءَةِ.
Page 138
6:82
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢
They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.
1 translator’s note
- Specifically, the association of others in divinity with Allāh. ↩
6:83
وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣
And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.
6:84
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤
And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.
6:85
وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥
And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.
6:86
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦
And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.
6:87
وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧
And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.
6:88
ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨
That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.
6:89
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩
Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.
6:90
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠
Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."