At-TaghabunJuz 28 · Page 556

At-Taghabun 64:3

The Mutual Disillusion · Juz 28 · Page 556

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.

Tafsir · in Arabic

Ibn 'Ashur

Detailed

Whole surah

Change

Commentary on 64:3

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .

صفحة ٢٦٤

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] يُبَيِّنُ أنَّ انْقِسامَهم إلى قِسْمَيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ نَشَأ عَنْ حِيادِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ الحَقَّ أنْ يُؤْمِنَ النّاسُ بِوُجُودِ خالِقِهِمْ، وبِأنَّهُ واحِدٌ وأنْ يَفْرِدُوهُ بالعِبادَةِ فَذَلِكَ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقالَ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فَمَن حادَ عَنِ الإيمانِ ومالَ إلى الكُفْرِ فَقَدْ حادَ عَنِ الحَقِّ والفِطْرَةِ.

* * *

﴿بِالحَقِّ﴾ .

وقَوْلُهُ (﴿بِالحَقِّ﴾) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) .

وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إيماءٌ إلى إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (خَلَقَ) تَعَلُّقَ المُلابَسَةِ المُفادَ بِالباءِ، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِ، والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . والباطِلُ ماصَدَقَهُ هُنالِكَ هو العَبَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] فَتَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَ الحَقِّ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ ضِدُّ العَبَثِ والإهْمالِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَلَقَ ذَواتِهِنَّ وخُلِقَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، أيْ ما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

ومُلابَسَةُ الحَقِّ لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُلابَسَةً عامَّةً مُطَّرِدَةً لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَّتْ مُلابَسَةُ حالٍ مِن أحْوالِ مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ لِلْحَقِّ لَكانَ ناقِضًا لِمَعْنى مُلابَسَةِ خَلْقِها لِلْحَقِّ، فَكانَ نَفْيُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِ المَخْلُوقاتِ مُوجِبًا

صفحة ٢٦٥

اخْتِلالَ تِلْكَ المُلابَسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ. وتَخَلُّفُ الجَزاءِ عَنِ الأعْمالِ في الدُّنْيا مُشاهَدٌ إذْ كَثِيرًا ما نَرى الصّالِحِينَ في كَرْبٍ ونَرى أهْلَ الفَسادِ في نِعْمَةٍ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا قُصارى حَياةِ المُكَلَّفِينَ لَكانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ غَيْرَ لاقٍ جَزاءً عَلى صَلاحِهِ. وانْقَلَبَ أكْثَرُ أهْلِ الفَسادِ مُتَمَتِّعًا بِإرْضاءِ خَباثَةِ نَفْسِهِ ونَوالِ مُشْتَهَياتِهِ، فَكانَ خَلْقُ كِلا هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْحَقِ، بِالمَعْنى المُرادِ.

ولِزِيادَةِ الإيقاظِ لِهَذا الإيماءِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾) وكُلُّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ إلى ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] ) الآيَةَ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ رَمْزٌ إلى الجَزاءِ وهو وعِيدٌ ووَعْدٌ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِهِ إظْهارٌ أيْضًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ.

* * *

﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إدْماجُ امْتِنانٍ عَلى النّاسِ بِأنَّهم مَعَ ما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن مُلابَسَةِ الحَقِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذَلِكَ مِنَ الكَمالِ وهو ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فَقَدْ خُلِقُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إذْ كانَتْ صُورَةُ الإنْسانِ مُسْتَوْفِيَةَ الحُسْنِ مُتَماثِلَةً فِيهِ لا يَعْتَوِرُها مِن فَظاعَةِ بَعْضِ أجْزائِها ونُقْصانِ الِانْتِفاعِ بِها ما يُناكِدُ مَحاسِنَ سائِرِها بِخِلافِ مَحاسِنِ أحاسِنِ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ والحِيتانِ مِن مَشْيٍ عَلى أرْبَعٍ مَعَ انْتِكاسِ الرَّأْسِ غالِبًا، أوْ زَحْفٍ، أوْ نَقْزٍ في المَشْيِ في البَعْضِ.

ولا تَعْتَوِرُ الإنْسانَ نَقائِصُ في صُورَتِهِ إلّا مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في مُدَّةِ تَكْوِينِهِ مِن صَدَماتٍ لِبُطُونِ الأُمَّهاتِ، أوْ عِلَلٍ تَحِلُّ بِهِنَّ، أوْ بِالأجِنَّةِ أوْ مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ لَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ فَتُشَوِّهُ بَعْضَ مَحاسِنِ الصُّوَرِ. فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن أصْلِ تَصْوِيرِ الإنْسانِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ نُدْرَتِهِ لا يُعَدُّ فَظاعَةً ولَكِنَّهُ نَقْصٌ نِسْبِيٌّ في المَحاسِنِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الإيماءِ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ قَدْ نَبَّهَهم إلى ما اقْتَضاهُ الإنْعامُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .

* * *

صفحة ٢٦٦

﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) لِأنَّ التَّصْوِيرَ يَقْتَضِي الإيجادَ فَأُعْقِبَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ بَعْدَ هَذا الإيجادِ فَناءً ثُمَّ بَعْثًا لِلْجَزاءِ.

والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلٍ صارَ بِمَعْنى رَجَعَ وانْتَهى، ولِذَلِكَ يُعَدّى بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ، أيْ ومَرْجِعَكم إلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ المَوْتِ وهو مَصِيرُ الحَشْرِ لِلْجَزاءِ.

وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (المَصِيرُ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ إفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ ذَلِكَ المَصِيرِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ المَحْضِ. ولَيْسَ مُرادًا بِالتَّقْدِيمِ قَصْرٌ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِهَذا المَصِيرِ مِن أصْلِهِ بَلْهَ أنْ يَدَّعُوا أنَّهُ مَصِيرٌ إلى غَيْرِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بالقَصْرِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ أشَدُّ ارْتِباطًا بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مِنها بِجُمْلَةِ ( ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

Saheeh International · Ibn 'Ashur · Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api · Quran Foundation

Page 556

At-TaghabunJuz 28 · Page 556

سورة التغابن

At-Taghabun

The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

64:1

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.

1 translator’s note
  1. See footnote to 57:1. ↩

64:2

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢

It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.

64:3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.

64:4

يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤

He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

64:5

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥

Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

64:6

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦

That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.

64:7

زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧

Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."

64:8

فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨

So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.

64:9

يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

1 translator’s note
  1. "At-Taghābun" suggests having been outdone by others in the acquisition of something valued. That Day, the disbelievers will suffer the loss of Paradise to the believers. ↩
Ibn 'AshurTafsir · 64:3

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
View

Читать на русском