Al-Mulk 67:1
The Sovereignty · Juz 29 · Page 562
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 67:1
سُورَةُ المُلْكِ
وتُسَمّى تَبارَكَ والمانِعَةَ والواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ، قالَ الوَلِيُّ المَلْوِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّها لِكَثْرَةِ عُلُومِها، وقالَ: «”ودِدْتُ لَوْ كانَتْ في صَدْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ“».
مَقْصُودُها الخُضُوعُ لِلَّهِ لِاتِّصافِهِ بِكَمالِ المُلْكِ الدّالِّ عَلَيْهِ [ تَمامَ القُدْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ -] قَطْعًا أحْكامُ المُكَوِّناتِ الدّالِّ عَلَيْهِ تَمامُ العِلْمِ الدّالِّ عَلَيْهِ أحْكامُ المَصْنُوعاتِ عِلْمُ ما في الصُّدُورِ لِيَنْتُجَ ذَلِكَ العِلْمُ بِتَحَتُّمِ البَعْثِ لِدَيْنُونَةِ العِبادِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاحِ والعِنادِ كَما هي عادَةُ المُلُوكِ في دَيْنُونَةِ رَعاياهم لِتُكْمِلَ الحِكْمَةَ وتَتِمَّ النِّعْمَةُ وتَظْهَرَ سُورَةُ المُلْكِ، واسْمُها المُلْكُ واضِحٌ في ذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ مَحَلُّ الخُضُوعِ مِن كَلِّ (p-٢١٦)مَن يَرى المُلْكَ وكَذا تَبارَكَ لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لَهُ تَمامُ الثَّباتِ والبَقاءِ، وكانَ لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كَمالُ الخُضُوعِ والِاتِّقاءِ، وكَذا اسْمُها المانِعَةُ والواقِيَةُ والمُنْجِيَةُ لِأنَّ الخُضُوعَ حامِلٌ عَلى لُزُومِ طَرِيقِ السَّعادَةِ، ومَن لَزِمَها نَجا مِمّا يَخافُ ومُنِعَ مَن كُلِّ هَوْلٍ ووُقِيَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، وتَرُدُّ السُّؤالَ عَمَّنْ لازَمَ عَلَيْها وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَضَعَتْ لِكَمالِ عَظَمَتِهِ المُلُوكُ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ وتِبْيانِ مَحَلِّ السُّلُوكِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ الهِدايَةَ وزَوالَ الشُّكُوكِ.
* *
لَمّا خَتَمَتْ تِلْكَ بِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ سُبْحانَهُ أهْلَكَتْهُ ولَمْ يُغْنِ عَنْهُ أحَدٌ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ رَفَعَهُ واسْتَخْلَصَهُ ولَمْ يَضُرَّهُ أحَدٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ قَوّى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ حَتّى كانَتْ في دَرَجَةِ الكَمْلَةِ ورَزَقَها الرُّسُوخَ في الإخْلاصِ، وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ إلّا مَن لا كُفُوءَ لَهُ، وكانَ مَن لا كُفُوءَ لَهُ أهْلًا لِأنْ يُخْلِصُ لَهُ الأعْمالَ ولا يَلْتَفِتَ إلى سِواهُ بِحالٍ، لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ المُلْكَ قالَ مُثِيرًا لِلْهِمَمِ إلى (p-٢١٧)الِاسْتِبْصارِ المُثِيرِ لِلْإرادَةِ إلى رِياضَةٍ تُثْمِرُ جَمِيعَ أبْوابِ السَّعادَةِ: ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ تَكَبَّرَ وتَقَدَّسَ وتَعالى [ وتَعاظَمَ -] وثَبَتَ ثَباتًا لا مِثْلَ لَهُ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ وتَواتُرِ الإحْسانِ والعُلى.
ولَمّا كانَ مَن لَهُ المُلْكُ قَدْ لا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن إبْقائِهِ في يَدِهِ أوْ إعْطاءِ ما يُرِيدُ مِنهُ لِغَيْرِهِ ونَزْعِهِ مِنهُ مَتى أرادَ قالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أيْ بِقُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ ﴿المُلْكُ﴾ أيْ أمْرٍ ظاهِرَ العالَمَ فَإلَيْهِ كُلُّ تَدْبِيرٍ لَهُ وتَدْبِيرٍ فِيهِ وبِقُدْرَتِهِ إظْهارُ ما يُرِيدُ، لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ ولا كُفُوءَ لَهُ بِوَجْهٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وذِكْرُ اليَدِ إنَّما هو تَصْوِيرٌ لِلْإحاطَةِ ولِتَمامِ القُدْرَةِ لِأنَّها [ مَحَلُّها -] مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الجارِحَةِ وعَنْ كُلِّ ما يَفْهَمُ حاجَةً أوْ شَبَهًا بِالخَلْقِ.
وقالَ [ الإمامُ -] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وُرُودُ ما افْتَتَحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْزِيهِ وصِفاتِ التَّعالِي إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ تَفْصِيلٍ وإيرادِ عَجائِبَ مِن صُنْعِهِ سُبْحانَهُ كَوُرُودِ قَوْلِهِ تَعالى ”فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ“ عَقِيبَ تَفْصِيلِ التَّقَلُّبِ الإنْسانِيِّ مِن لَدُنْ خَلْقِهِ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ إلى إنْشائِهِ خَلْقًا آخَرَ وكَذا كُلُّ ما ورَدَ مِن هَذا ما لَمْ يَرِدْ أثْناءَ أيٍّ قَدْ جُرِّدَتْ لِلتَّنْزِيهِ والإعْلامِ بِصِفاتِ التَّعالِي [و -] الجَلالِ.
(p-٢١٨)ولَمّا كانَ قَدْ أوْقَعَ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ما فِيهِ أعْظَمَ عِبْرَةٍ لِمَن تَذَكَّرَ، وأعْلى آيَةٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، مِن ذِكْرِ امْرَأتَيْنِ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنَ قَدْ بَعَثَهُما اللَّهُ [ تَعالى رَحْمَةً لِعِبادِهِ -] واجْتَهَدا في دُعاءِ الخَلْقِ، فَحَرَّمَ الِاسْتِنارَةَ بِنُورِهِما والعِياذُ بِهُداهُما مَن لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن جِنْسِهِما أقْرَبُ إلَيْهِما مِنهُ ولا أكْثَرَ مُشاهَدَةً لِما مَدّا بِهِ مِنَ الآياتِ وعَظِيمِ المُعْجِزاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ أعْقَبَتْ هَذِهِ العِظَةُ بِما جَعَلَ في طَرَفٍ مِنها ونَقِيضٍ مِن حالِها، وهو ذِكْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي لَمْ يَغُرَّها مُرْتَكَبُ صاحِبِها وعَظِيمُ جُرْأتِهِ مَعَ شِدَّةِ الوَصْلَةِ واسْتِمْرارِ الأُلْفَةِ لِما سَبَقَ لَها في العِلْمِ القَدِيمِ مِنَ السَّعادَةِ وعَظِيمِ الرَّحْمَةِ فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] وحَصَلَ في هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ تَقْدِيمُ سَبَبِ رَحْمَةٍ حَرَّمَ التَّمَسُّكَ بِهِ أوْلى النّاسِ في ظاهِرِ الأمْرِ وتَقْدِيمُ سَبَبِ امْتِحانٍ عَصَمَ مِنهُ أقْرَبَ النّاسِ إلى التَّوَرُّطِ [ فِيهِ-]، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقِصَّةٍ عَرِيَتْ عَنْ مِثْلِ هَذَيْنِ [ السَّبَبَيْنِ -] وانْفَصَلَتْ في مُقَدِّماتِها عَنْ تَيْنِكَ القِصَّتَيْنِ، وهو ذِكْرُ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ لِيَعْلَمَ العاقِلُ حَيْثُ يَضَعُ الأسْبابَ، وأنَّ القُلُوبَ بِيَدِ العَزِيزِ الوَهّابِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ.
بِقَوْلِهِ الحَقِّ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ (p-٢١٩)قَدِيرٌ﴾ وإذا كانَ المَلِكُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِيَدِهِ المُلْكُ فَهو الَّذِي يُؤْتِي المُلْكَ والفَضْلَ مَن يَشاءُ ويَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشاءُ ويَعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآيَةُ الأُخْرى في آلِ عِمْرانَ، فَقَدِ اتَّضَحَ اتِّصالُ سُورَةِ المُلْكِ بِما قَبْلَها ثُمَّ بُنِيَتْ سُورَةُ المُلْكِ عَلى التَّنْبِيهِ والِاعْتِبارِ بِبَسْطِ الدَّلائِلِ ونَصْبِ البَراهِينِ حَسْبَما يُبْسِطُهُ التَّفْسِيرُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ المُتَصَرِّفُ في المُلْكِ قَدْ لا يَكُونُ قُدْرَتُهُ تامَّةً ولا عامَّةً قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ لَهُ عَظَمَةٌ تَسْتَوْلِي عَلى القُلُوبِ وسِياسَةٌ تَعُمُّ كُلَّ جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضَرَرٍ لِأنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ يُمَكِّنُ مَن يَشاؤُهُ مِنَ المُلْكِ وغَيْرِهِ مِن باطِنِهِ وهو المَلَكُوتُ وغَيْرِهِ مِمّا وُجِدَ وما لَمْ يُوجَدْ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ تامُّ القُدْرَةِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
Page 562
سورة الملك
Al-Mulk
The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
67:1
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
67:2
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢
[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -
67:3
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣
[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?
1 translator’s note
- i.e., one covering or fitting over the other. ↩
67:4
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
1 translator’s note
- i.e., repeatedly. ↩
67:5
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
1 translator’s note
- Thereby driving them from the heavens and preventing them from eavesdropping. See 72:8-9. ↩
67:6
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
67:7
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
67:8
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
67:9
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
67:10
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
67:11
فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١
And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.
1 translator’s note
- From all good and from Allāh's mercy. ↩
67:12
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.