Al-A'raf 7:168
The Heights · Juz 9 · Page 172
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨
And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Qayyim
Detailed
Change
Commentary on 7:168
(فصل)
اعلمْ أنَّ اليَهُودَ مُبَدَّدُونَ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها وجَنُوبِها وشَمالِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾
وَما مِن جَماعَةٍ مِنهم في بَلْدَةٍ إلّا إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ دِينِهِمْ مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الخُشُونَةَ في دِينِهِ والمُبالَغَةَ في الِاحْتِياطِ، فَإنْ كانَ مِن فُقَهائِهِمْ شَرَعَ في إنْكارِ أشْياءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهم قِلَّةَ دِينِهِمْ وعَمَلِهِمْ، وكُلَّما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قالُوا: هَذا هو العالِمُ، فَأعْلَمُهم أعْظَمُهم تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَراهُ أوَّلَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لا يَأْكُلُ مِن أطْعِمَتِهِمْ وذَبائِحِهِمْ، ويَتَأمَّلُ سِكِّينَ الذّابِحِ ويَشْرَعُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أمْرِهِ، ويَقُولُ: لا آكُلُ إلّا مِن ذَبِيحَةِ يَدِي.
فَتَراهم مَعَهُ في عَذابٍ، ويَقُولُونَ: هَذا عالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنا فَلا يَزالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الحَلالَ، ويُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الآصارَ والأغْلالَ، ويَفْتَحُ لَهم أبْوابَ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، وكُلَّما فَعَلَ هَذا قالُوا: هَذا هو العالِمُ الرَّبّانِيُّ والحاخامُ الفاضِلُ، فَإذا رَآهُ رَئِيسُهم قَدْ مَشى حالُهُ وقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقالَهُ، وزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإذا رَأى أنَّهُ أزْرى بِهِ وطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ، فَإنَّ النّاسَ في الغالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الغَرِيبِ، ويَنْسُبُهُ أصْحابُهُ إلى الجَهْلِ وقِلَّةِ الدِّينِ، ولا يُصَدِّقُونَهُ لِأنَّهم يَرَوْنَ القادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وضَيَّقَ، وكُلَّما كانَ الرَّجُلُ أعْظَمَ تَشْدِيدًا وتَضْيِيقًا كانَ أفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ في مَدْحِهِ وشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوابَ فُلانٍ إذْ قَوّى نامُوسَ الدِّينِ في قُلُوبِ هَذِهِ الجَماعَةِ، شَيَّدَ أساسَهُ، وأحْكَمَ سِياجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ القادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذا ما عِنْدَكم أفْقَهُ مِنهُ، ولا أعْلَمُ مِنهُ وإذا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أهْلَ بَلَدِنا ونَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطّائِفَةَ.
وَإنْ كانَ القادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِن أحْبارِهِمْ فَهُناكَ تَرى العَجَبَ العَجِيبَ مِنَ النّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ والسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُها، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أحَدٌ، بَلْ تَراهم مُسَلِّمِينَ لَهُ، وهو يَجْتَلِبُ دَرَّهم ويَجْتَلِبُ دِرْهَمَهم. وإذا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتّى يَرى مِنهُ جُلُوسًا عَلى قارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أوْ يَبْلُغَهُ أنَّهُ اشْتَرى مِن مُسْلِمٍ لَبَنًا أوْ خَمْرًا أوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أحْكامِ المِشْنا، والتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ اليَهُودِ، وأباحَهم عِرْضَهُ، ونَسَبَهُ إلى الخُرُوجِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ البَلَدُ عَلى هَذا الحالِ، فَلا يَسَعُهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَبْرِ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إنَّ فُلانًا قَدْ أبْصَرَ رُشْدَهُ وراجَعَ الحَقَّ وأقْلَعَ عَمّا كانَ فِيهِ، وهو اليَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلى الوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ والإكْرامِ.
وَأذْكُرُ لَكَ مَسْألَةً مِن مَسائِلِ شَرْعِهِمُ المُبَدَّلِ أوِ المَنسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْألَةِ البَياما والجالُوسِ وهِيَ: أنْ عِنْدَهم في التَّوْراةِ: إذا أقامَ أخَوانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وماتَ أحَدُهُما ولَمْ يُعَقِّبْ فَلا تَصِيرُ امْرَأةُ المَيِّتِ إلى رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوها يَنْكِحُها، وأوَّلُ ولَدٍ يُولَدُ لَها يُنْسَبُ إلى أخِيهِ الدّارِجِ، فَإنْ أبى أنْ يَنْكِحَها خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إلى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قائِلَةً: قَدْ أبى حَمْوِي أنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأخِيهِ في بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يُرِدْ نِكاحِي، فَيُحْضِرُهُ ويُكَلِّفُهُ أنْ يَقِفَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، فَتَتَناوَلَ المَرْأةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِن رِجْلِهِ وتُمْسِكُهُ بِيَدِها وتَبْصُقُ في وجْهِهِ، وتُنادِي عَلَيْهِ: كَذا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، ويُدْعى فِيما بَعْدُ بِالمَخْلُوعِ النَّعْلِ، ويُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذا اللَّقَبِ.
وَفِي هَذا كالتَّلْجِئَةِ لَهُ إلى نِكاحِها، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلى المَرْأةِ وعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما اسْتَحى وخَجِلَ مِن شَيْلِ نَعْلِهِ مِن رِجْلِهِ والبَصْقِ في وجْهِهِ، ونَبْذِهِ بِاللَّقَبِ المُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقى عَلَيْهِ وعَلى أوْلادِهِ عارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن نِكاحِها، فَإنْ كانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيها والكَراهَةِ لَها، بِحَيْثُ يَرى أنَّ هَذا كُلَّهُ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِن أنْ يُبْتَلى بِها، وهانَ عَلَيْهِ هَذا كُلُّهُ في التَّخَلُّصِ مِنها لَمْ يُكْرَهْ عَلى نِكاحِها.
هَذا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَشَأ لَهم مِن ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وهُوَ: أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأةِ مُحِبًّا لَها، وهي في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، فَأحْدَثُوا بِهَذا الفَرْعِ حُكْمًا في غايَةِ الظُّلْمِ والفَضِيحَةِ، فَإذا جاءَتْ إلى الحاكِمِ أحْضَرُوهُ مَعَها ولَقَّنُوها، أنْ تَقُولَ: إنَّ حَمْوِي لا يُقِيمُ لِأخِيهِ اسْمًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَرُدْ نِكاحِي، وهو عاشِقٌ لَها، فَيُلْزِمُونَها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وأنَّها أرادَتْهُ فامْتَنَعَ - فَإذا قالَتْ ذَلِكَ ألْزَمَهُ الحاكِمُ أنْ يَقُومَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، ونِكاحُها غايَةُ سُؤْلِهِ وأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِن رِجْلِهِ إلّا أنَّهُ لا شَيْلَ هُنا ويُبْصَقُ في وجْهِهِ، ويُنادى عَلَيْهِ: هَذا جَزاءُ مَن لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وأقامُوهُ مَقامَ الخِزْيِ وألْزَمُوهُ بِالكَذِبِ والبُصاقِ في وجْهِهِ والعِتابِ عَلى ذَنْبٍ جَرَّهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، كَما قِيلَ:
؎وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهاءُ قَوْمٍ ∗∗∗ وحَلَّ بِغَيْرِ جارِمِهِ العَذابُ
أفَلا يَسْتَحِي مِن تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ مَن هَذا شَرْعُهُ ودِينُهُ؟!
Page 172
7:164
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤
And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."
7:165
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥
And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.
7:166
فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦
So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."
7:167
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧
And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
7:168
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨
And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].
7:169
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩
And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?
7:170
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠
But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.