At-Tawbah 9:110
The Repentance · Juz 11 · Page 204
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Qayyim
Detailed
Change
Commentary on 9:110
(فصل)
التَّوْبَةُ المَقْبُولَةُ الصَّحِيحَةُ لَها عَلاماتٌ.
مِنها: أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمّا كانَ قَبْلَها.
وَمِنها: أنَّهُ لا يَزالُ الخَوْفُ مُصاحِبًا لَهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَخَوْفُهُ مُسْتَمِرٌّ إلى أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ الرُّسُلِ لِقَبْضِ رُوحِهِ ﴿أنْ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] فَهُناكَ يَزُولُ الخَوْفُ.
وَمِنها: انْخِلاعُ قَلْبِهِ، وتَقَطُّعُهُ نَدَمًا وخَوْفًا، وهَذا عَلى قَدْرِ عِظَمِ الجِنايَةِ وصِغَرِها، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠]
قالَ: تَقَطُّعُها بِالتَّوْبَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِنَ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ يُوجِبُ انْصِداعَ القَلْبِ وانْخِلاعَهُ، وهَذا هو تَقَطُّعُهُ، وهَذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ يَتَقَطَّعُ قَلْبُهُ حَسْرَةً عَلى ما فَرَطَ مِنهُ، وخَوْفًا مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ، فَمَن لَمْ يَتَقَطَّعْ قَلْبُهُ في الدُّنْيا عَلى ما فَرَّطَ حَسْرَةً وخَوْفًا، تَقَطَّعَ في الآخِرَةِ إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ، وعايَنَ ثَوابَ المُطِيعِينَ، وعِقابَ العاصِينَ، فَلا بُدَّ مِن تَقَطُّعِ القَلْبِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.
وَمِن مُوجِباتِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ أيْضًا: كَسْرَةٌ خاصَّةٌ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لا يُشْبِهُها شَيْءٌ، ولا تَكُونُ لِغَيْرِ المُذْنِبِ، لا تَحْصُلُ بِجُوعٍ، ولا رِياضَةٍ، ولا حُبٍّ مُجَرَّدٍ، وإنَّما هي أمَرٌّ وراءَ هَذا كُلِّهِ، تَكْسِرُ القَلْبَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ كَسْرَةً تامَّةً، قَدْ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وألْقَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا خاشِعًا، كَحالِ عَبْدٍ جانٍ آبِقٍ مِن سَيِّدِهِ، فَأُخِذَ فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَجِدْ مَن يُنْجِيهِ مِن سَطْوَتِهِ، ولَمْ يَجِدْ مِنهُ بُدًّا ولا عَنْهُ غَناءً، ولا مِنهُ مَهْرَبًا، وعَلِمَ أنَّ حَياتَهُ وسَعادَتَهُ وفَلاحَهُ ونَجاحَهُ في رِضاهُ عَنْهُ، وقَدْ عَلِمَ إحاطَةَ سَيِّدِهِ بِتَفاصِيلِ جِناياتِهِ، هَذا مَعَ حُبِّهِ لِسَيِّدِهِ، وشِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ وقُوَّةِ سَيِّدِهِ، وذُلِّهِ وعِزِّ سَيِّدِهِ.
فَيَجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْوالِ كَسْرَةٌ وذِلَّةٌ وخُضُوعٌ، ما أنْفَعَها لِلْعَبْدِ وما أجْدى عائِدَتَها عَلَيْهِ! وما أعْظَمَ جَبْرَهُ بِها، وما أقْرَبَهُ بِها مِن سَيِّدِهِ! فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى سَيِّدِهِ مِن هَذِهِ الكَسْرَةِ، والخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، والإخْباتِ، والِانْطِراحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والِاسْتِسْلامِ لَهُ، فَلَلَّهِ ما أحْلى قَوْلَهُ في هَذِهِ الحالِ: أسْألُكَ بِعِزِّكَ وذُلِّي إلّا رَحِمْتَنِي، أسْألُكَ بِقُوَّتِكَ وضَعْفِي، وبِغِناكَ عَنِّي وفَقْرِي إلَيْكَ، هَذِهِ ناصِيَتِي الكاذِبَةُ الخاطِئَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوايَ كَثِيرٌ، ولَيْسَ لِي سَيِّدٌ سِواكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ، أسْألُكَ مَسْألَةَ المِسْكِينِ، وأبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهالَ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، وأدْعُوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَّرِيرِ، سُؤالَ مَن خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، ورَغِمَ لَكَ أنْفُهُ، وفاضَتْ لَكَ عَيْناهُ، وذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ.
؎يا مَن ألُوذُ بِهِ فِيما أُؤَمِّلُهُ ∗∗∗ ومَن أعُوذُ بِهِ مِمّا أُحاذِرُهُ
؎لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْمًا أنْتَ كاسِرُهُ ∗∗∗ ولا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنْتَ جابِرُهُ
فَهَذا وأمْثالُهُ مِن آثارِ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَلْيَتَّهِمْ تَوْبَتَهُ ولْيَرْجِعْ إلى تَصْحِيحِها، فَما أصْعَبَ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ بِالحَقِيقَةِ، وما أسْهَلَها بِاللِّسانِ والدَّعْوى! وما عالَجَ الصّادِقُ بِشَيْءٍ أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ الخالِصَةِ الصّادِقَةِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
وَأكْثَرُ النّاسِ مِنَ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الكَبائِرِ الحِسِّيَّةِ والقاذُوراتِ في كَبائِرَ مِثْلِها أوْ أعْظَمَ مِنها أوْ دُونَها، ولا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ أنَّها ذُنُوبٌ لِيَتُوبُوا مِنها، فَعِنْدَهم - مِنَ الإزْراءِ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ واحْتِقارِهِمْ، وصَوْلَةِ طاعاتِهِمْ، ومِنَّتِهِمْ عَلى الخَلْقِ بِلِسانِ الحالِ، واقْتِضاءِ بَواطِنِهِمْ لِتَعْظِيمِ الخَلْقِ لَهم عَلى طاعاتِهِمْ، اقْتِضاءً لا يَخْفى عَلى أحَدٍ غَيْرِهِمْ، وتَوابِعِ ذَلِكَ - ما هو أبْغَضُ إلى اللَّهِ، وأبْعَدُ لَهم عَنْ بابِهِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنْ تَدارَكَ اللَّهُ أحَدَهم بِقاذُورَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ يُوقِعُهُ فِيها لِيَكْسِرَ بِها نَفْسَهُ، ويُعَرِّفَهُ قَدْرَهُ، ويُذِلَّهُ بِها، ويُخْرِجَ بِها صَوْلَةَ الطّاعَةِ مَن قَلْبِهِ، فَهي رَحْمَةٌ في حَقِّهِ، كَما أنَّهُ إذا تَدارَكَ أصْحابَ الكَبائِرِ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وإقْبالٍ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْهِ، فَهو رَحْمَةٌ في حَقِّهِمْ، وإلّا فَكِلاهُما عَلى خَطَرٍ.
Page 204
9:107
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
9:108
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
1 translator’s note
- This description is of the Qubā’ mosque. ↩
9:109
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
9:110
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.
9:111
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١
Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.