At-Tawbah 9:17
The Repentance · Juz 10 · Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 9:17
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ .
هَذا ابْتِداءُ غَرَضٍ مِن أغْراضِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهو مَنعُ المُشْرِكِينَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ في العامِ القابِلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما تَضَمَّنَتْهُ البَراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ولِما اتَّصَلَ بِتِلْكَ الآيَةِ مِن بَيانِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: «أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وهو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] .
وتَرْكِيبُ ما كانَ لَهم أنْ يَفْعَلُوا يَدُلُّ عَلى أنَّهم بُعَداءُ مِن ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِما تُعْمَرُ بِهِ مِنَ العِباداتِ.
صفحة ١٤٠
و﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ مَواضِعُ عِبادَتِهِ بِالسُّجُودِ والرُّكُوعِ: المُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَسْعى، وعَرَفَةَ، والمَشْعَرِ الحَرامِ، والجَمَراتِ، والمَنحَرِ مِن مِنًى.
وعَمْرُ المَساجِدِ: العِبادَةُ فِيها لِأنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِلْعِبادَةِ، فَعَمْرُها بِمَن يَحِلُّ فِيها مِنَ المُتَعَبِّدِينَ، ومِن ذَلِكَ اشْتُقَّتِ العُمْرَةُ، والمَعْنى: ما يَحِقُّ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ في مَساجِدِ اللَّهِ. وإناطَةُ هَذا النَّفْيِ بِهِمْ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ: إيماءٌ إلى أنَّ الشِّرْكَ مُوجِبٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ.
وقَدْ جاءَ الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ مُبَيِّنًا لِسَبَبِ بَراءَتِهِمْ مِن أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ يَعْمُرُوا فَبَيَّنَ عامِلَ الضَّمِيرِ وهو يَعْمُرُوا الدّاخِلَ في حُكْمِ الِانْتِفاءِ، أيْ: انْتَفى تَأهُّلُهم لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِحالِ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ لِهَذِهِ الحالِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهَذا الحِرْمانِ الخاصِّ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ، وهو الحِرْمانُ الَّذِي لا اسْتِحْقاقَ بَعْدَهُ.
والمُرادُ بِالكُفْرِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فالكُفْرُ مُرادِفٌ لِلشِّرْكِ، فالكُفْرُ في حَدِّ ذاتِهِ مُوجِبٌ لِلْحِرْمانِ مِن عِمارَةِ أصْحابِهِ مَساجِدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها مَساجِدُ اللَّهِ فَلا حَقَّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيها، ثُمَّ هي قَدْ أُقِيمَتْ لِعِبادَةِ اللَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وأقامَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ مَسْجِدٍ وهو الكَعْبَةُ عُنْوانًا عَلى التَّوْحِيدِ، وإعْلانًا بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهَذِهِ أوَّلُ دَرَجَةٍ مِنَ الحِرْمانِ. ثُمَّ كَوْنُ كُفْرِهِمْ حاصِلًا بِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مُوجِبٌ لِانْتِفاءِ أقَلِّ حَظٍّ مِن هَذِهِ العِمارَةِ، ولِلْبَراءَةِ مِنِ اسْتِحْقاقِها، وهَذِهِ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ مِنَ الحِرْمانِ.
وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ حاصِلَةٌ في كَثِيرٍ مِن أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَ ذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ في التَّلْبِيَةِ ”لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“، ومِثْلَ سُجُودِهِمْ لِلْأصْنامِ، وطَوافِهِمْ بِها، ووَضْعِهِمْ إيّاها في جَوْفِ الكَعْبَةِ وحَوْلَها وعَلى سَطْحِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِإفْرادِ ”مَسْجِدَ اللَّهِ“، أيِ المَسْجِدَ الحَرامَ وهو المَقْصُودُ، أوِ التَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ لِلْجِنْسِ. وقَرَأ الباقُونَ: ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾، فَيَعُمُّ المَسْجِدَ الحَرامَ وما عَدَدْناهُ مَعَهُ آنِفًا.
صفحة ١٤١
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ابْتِداءُ ذَمٍّ لَهم، وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِأنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِوَصْفِ الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الآيَةَ.
وحَبِطَتْ بَطَلَتْ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَقْدِيمُ في النّارِ عَلى خالِدُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ويَحْصُلُ مِنهُ تَعْجِيلُ المَساءَةِ لِلْكُفّارِ إذا سَمِعُوهُ.
Page 189
9:14
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤
Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people
9:15
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
9:16
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
9:17
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
9:18
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
9:19
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
9:20
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].