Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:13–18

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:13–18

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّوانِي في قِتالِهِمْ عَدا ما اسْتُثْنِيَ مِنهم بَعْدَ الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ، وأسْرِهِمْ، وحِصارِهِمْ، وسَدِّ مَسالِكِ النَّجْدَةِ في وُجُوهِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] . وبَعْدَ أنْ أُثْبِتَتْ لَهم ثَمانِيَةُ خِلالٍ تُغْرِي بِعَدَمِ

صفحة ١٣٢

الهَوادَةِ في قِتالِهِمْ، وهي قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] وقَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]

فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ التَّراخِي في مُبادَرَتِهِمْ بِالقِتالِ.

ولَفْظُ ألا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ حَرْفَيْنِ: هُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ولا النّافِيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَرْفًا واحِدًا لِلتَّحْضِيضِ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، عَلى انْتِفاءِ مُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهو ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ، فَيَكُونُ دَفْعًا لِأنْ يَتَوَهَّمَ المُسْلِمُونَ حُرْمَةً لِتِلْكَ العُهُودِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، وهو ظاهِرُ ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، تَقْرِيرًا عَلى النَّفْيِ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن تَرَكَ القِتالَ فاسْتَوْجَبَ طَلَبَ إقْرارِهِ بِتَرْكِهِ، قالَ في الكَشّافِ: ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى القِتالِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وفي مُغَنِي اللَّبِيبِ أنَّ ألا الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ تَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وسَلَّمَهُ شارِحاهُ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ الكَشّافِ يُنادِي عَلى خِلافِهِ.

وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنْ يَكُونَ ألا حَرْفًا واحِدًا لِلتَّحْضِيضِ فَهو تَحْضِيضٌ عَلى القِتالِ. وجَعَلَ في المُغْنِي هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لِهَذا الِاسْتِعْمالِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ ولَعَلَّ مُوجِبَ هَذا التَّفَنُّنِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِقِتالِهِمْ مَعَ بَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاهُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ فَرِحُوا بِالنَّصْرِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومالُوا إلى اجْتِناءِ ثَمَرَةِ السَّلْمِ، بِالإقْبالِ عَلى إصْلاحِ أحْوالِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلِذَلِكَ لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا مَظِنَّةَ التَّثاقُلِ عَنْهُ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، بَعْدَ أنْ فازُوا بِسُمْعَةِ النَّصْرِ. وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ أتَخْشَوْنَهم ما يَزِيدُ هَذا وُضُوحًا.

أمّا نَكْثُهم أيْمانَهم فَظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ [التوبة: ٤] الآيَةَ. وذَلِكَ نَكْثُهم عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ إذْ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ وكانَتْ خُزاعَةُ مِن جانِبِ عَهْدِ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.

صفحة ١٣٣

وأمّا هَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ فَظاهِرُهُ أنَّهُ هَمٌّ حَصَلَ مَعَ نَكْثِ أيْمانِهِمْ وأنَّ المُرادَ إخْراجُ الرَّسُولِ مِنَ المَدِينَةِ، أيْ نَفْيُهُ عَنْها لِأنَّ إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ أمْرٌ قَدْ مَضى مُنْذُ سِنِينَ، ولِأنَّ إلْجاءَهُ إلى القِتالِ لا يُعْرَفُ إطْلاقُ الإخْراجِ عَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنَّ هَمَّهم هَذا أضْمَرُوهُ في أنْفُسِهِمْ وعَلِمَهُ اللَّهُ - تَعالى - ونَبَّهَ المُسْلِمِينَ إلَيْهِ. وهو أنَّهم لَمّا نَكَثُوا العَهْدَ طَمِعُوا في إعادَةِ القِتالِ وتَوَهَّمُوا أنْفُسَهم مَنصُورِينَ وأنَّهم إنِ انْتَصَرُوا أخْرَجُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ المَدِينَةِ.

(والهَمُّ) هو العَزْمُ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، سَواءٌ فَعَلَهُ أمِ انْصَرَفَ عَنْهُ. ومُؤاخَذَتُهم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُجَرَّدِ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُخْرِجُوهُ وإلّا لَكانَ الأجْدَرُ أنْ يَنْعى عَلَيْهِمِ الإخْراجَ لا الهَمَّ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] وتَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا عَمّا هَمُّوا بِهِ إلّا لَمّا حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ تَنْفِيذِهِ، فَعَنِ الحَسَنِ: هَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ غَزَوْهُ في أُحُدٍ وحِينَ غَزَوْا غَزْوَةَ الأحْزابِ، أيْ فَكَفاهُ اللَّهُ سُوءَ ما هَمُّوا بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ لِلْهِجْرَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ حَدَثَ قَبْلَ انْعِقادِ العَهْدِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ في الحُدَيْبِيَةِ.

فالوَجْهُ عِنْدِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِالَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ قَبائِلُ كانُوا مُعاهِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَكَثُوا العَهْدَ سَنَةَ ثَمانٍ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَمُّوا بِنَجْدَةِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، والغَدْرِ بِالنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ، وأنْ يَأْتُوهم وهم غارُّونَ، فَيَكُونُوا هم وقُرَيْشٌ ألْبًا واحِدًا عَلى المُسْلِمِينَ، فَيُخْرِجُونَ الرَّسُولَ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ، ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ هَمُّوا، وفَضَحَ دَخِيلَتَهم لِلنَّبِيءِ ﷺ، وأمَرَهُ بِقِتالِهِمْ ونَبْذِ عَهِدِهِمْ في سَنَةِ تِسْعٍ.

ولا نَدْرِي أقاتَلَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أمْ كانَ إعْلانُ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ (وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المُرادُ بِهَذا الأمْرِ) سَبَبًا في إسْلامِهِمْ وتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، تَحْقِيقًا لِلرَّجاءِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ولَعَلَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ كانُوا قَدْ أعْلَنُوا الحَرْبَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ الفَتْحِ ناكِثِينَ العَهْدَ، وأمَدُّوا قُرَيْشًا بِالعُدَدِ، فَلَمّا لَمْ تَنْشِبْ حَرْبٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أيِسُوا مِن نُصْرَتِهِمْ فَرَجَعُوا إلى دِيارِهِمْ، وأغْضى النَّبِيءُ ﷺ عَنْهم، فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِغَدْرِهِمْ، وبَقِيَ عَلى مُراعاةِ ذَلِكَ العَهْدِ، فاسْتَمَرَّ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾

صفحة ١٣٤

أيْ كانُوا البادِئِينَ بِالنَّكْثِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا انْتَصَرُوا لِأحْلافِهِمْ مِن كِنانَةَ، فَقاتَلُوا خُزاعَةَ أحْلافَ المُسْلِمِينَ.

و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وإضافَةُ (أوَّلَ) إلى (مَرَّةٍ) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ. والتَّقْدِيرُ: مَرَّةً أُولى والمَرَّةُ الوَحْدَةُ مِن حَدَثَ يَحْدُثُ، فَمَعْنى ﴿بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَءُوكم أوَّلَ بَدْءٍ بِالنَّكْثِ، أيْ بَدْءًا أوَّلَ؛ فالمَرَّةُ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِلْوَحْدَةِ مِن فِعْلٍ ما، والأغْلَبُ أنْ يُفَسَّرَ إبْهامُهُ بِالمَقامِ، كَما هُنا، وقَدْ يُفَسِّرُهُ اللَّفْظُ.

وأوَّلُ اسْمِ تَفْضِيلٍ جاءَ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وإنْ كانَ مَوْصُوفُهُ مُؤَنَّثًا لَفْظًا؛ لِأنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ بِدَلالَةِ المُضافِ إلَيْهِ ويُقالُ: ثانِيَ مَرَّةٍ وثالِثَ مَرَّةٍ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْدِيدُهم عَلى النَّكْثِ الَّذِي أضْمَرُوهُ، وأنَّهُ لا تَسامُحَ فِيهِ. وعَلى كُلٍّ فالمَقْصُودُ مِن إخْراجِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إمّا إخْراجُهُ مِن مَكَّةَ مُنْهَزِمًا بَعْدَ أنْ دَخَلَها ظافِرًا، وإمّا إخْراجُهُ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ أنْ رَجَعَ إلَيْها عَقِبَ الفَتْحِ، بِأنْ يَكُونُوا قَدْ هَمُّوا بِغَزْوِ المَدِينَةِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ مِنها وتَشْتِيتِ جامِعَةِ الإسْلامِ.

وجُمْلَةُ أتَخْشَوْنَهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ فالِاسْتِفْهامُ فِيها إنْكارٌ أوْ تَقْرِيرٌ عَلى سَبَبِ التَّرَدُّدِ في قِتالِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: أيَنْتَفِي قِتالُكم إيّاهم لِخَشْيِكم إيّاهم، وهَذا زِيادَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى قِتالِهِمْ.

وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ جُمْلَةُ ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ أيْ فاللَّهُ الَّذِي أمَرَكم بِقِتالِهِمْ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إذا خَطَرَ في نُفُوسِكم خاطِرُ عَدَمِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي الخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ وعَدَمَ التَّرَدُّدِ في نَجاحِ الِامْتِثالِ لَهُ.

وجِيءَ بِالشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالمُسْتَقْبَلِ، مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ، لِقَصْدِ إثارَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ فَيُبَرْهِنُوا عَلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا يُقَدِّمُونَ خَشْيَةَ اللَّهِ عَلى خَشْيَةِ النّاسِ.

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

صفحة ١٣٥

﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥]

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْعَوْدِ مِن غَرَضِ التَّحْذِيرِ، إلى صَرِيحِ الأمْرِ بِقِتالِهِمُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وشَأْنُ مِثْلِ هَذا العَوْدِ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ بِاسْتِئْنافٍ كَما وقَعَ هُنا.

وجُزِمَ (يُعَذِّبْهم) وما عُطِفَ عَلَيْهِ في جَوابِ الأمْرِ. وفي جَعْلِهِ جَوابًا وجَزاءً أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن تِلْكَ المُقاتَلَةِ خَمْسَ فَوائِدَ تَنْحَلُّ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ إذْ تَشْتَمِلُ كُلُّ فائِدَةٍ مِنها عَلى كَرامَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وإهانَةٍ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ورُوعِيَ في كُلِّ فائِدَةٍ مِنها الغَرَضُ الأهَمُّ فَصَرَّحَ بِهِ وجَعَلَ ما عَداهُ حاصِلًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.

الفائِدَةُ الأوْلى: تَعْذِيبُ المُشْرِكِينَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ وهَذِهِ إهانَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ وكَرامَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

الثّانِيَةُ: خِزْيُ المُشْرِكِينَ وهو يَسْتَلْزِمُ عِزَّةَ المُسْلِمِينَ.

الثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ كَرامَةٌ صَرِيحَةٌ لَهم وتَسْتَلْزِمُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وهي إهانَةٌ لَهم.

الرّابِعَةُ: شِفاءُ صُدُورِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في شِفاءِ صُدُورِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهم خُزاعَةُ، وتَسْتَلْزِمُ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وتَسْتَلْزِمُ حَرَجَ صُدُورِ أعْدائِهِمْ فَهَذِهِ ثَلاثُ فَوائِدَ في فائِدَةٍ.

الخامِسَةُ: إذْهابُ غَيْظِ قُلُوبِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وهَذِهِ تَسْتَلْزِمُ ذَهابَ غَيْظِ بَقِيَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي تَحَمَّلُوهُ مِن إغاظَةِ أحْلامِهِمْ وتَسْتَلْزِمُ غَيْظَ قُلُوبِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ ثَلاثُ فَوائِدَ في فائِدَةٍ.

والتَّعْذِيبُ تَعْذِيبُ القَتْلِ والجِراحَةِ. وأُسْنِدَ التَّعْذِيبُ إلى اللَّهِ وجُعِلَتْ أيْدِي المُسْلِمِينَ آلَةً لَهُ تَشْرِيفًا لِلْمُسْلِمِينَ.

والإخْزاءُ: الإذْلالُ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. وهو هُنا الإذْلالُ بِالأسْرِ.

صفحة ١٣٦

والنَّصْرُ حُصُولُ عاقِبَةِ القِتالِ المَرْجُوَّةِ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ.

والشِّفاءُ: زَوالُ المَرَضِ ومُعالَجَةُ زَوالِهِ. أُطْلِقَ هُنا اسْتِعارَةً لِإزالَةِ ما في النُّفُوسِ مِن تَعَبِ الغَيْظِ والحِقْدِ، كَما اسْتُعِيرَ ضِدُّهُ وهو المَرَضُ لِما في النُّفُوسِ مِنَ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] قالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:

شَفَيْتُ النَّفْسَ مِن حَمَلِ بْنِ بَدْرٍ وسَيْفِي مِن حُذَيْفَةَ قَدْ شَفانِي

وإضافَةُ (الصُّدُورِ) إلى ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ دُونَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَشْفِي اللَّهُ صُدُورَهم بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ بِالقِتالِ، وهم أقْوامٌ كانَتْ في قُلُوبِهِمْ إحَنٌ عَلى بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوْهم وأعانُوا عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم كانُوا مُحافِظِينَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مُجازاتِهِمْ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وكانُوا يَوَدُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم بِقِتالِهِمْ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِنَقْضِ عُهُودِ المُشْرِكِينَ سُرُّوا بِذَلِكَ وفَرِحُوا، فَهَؤُلاءِ فَرِيقٌ تُغايِرُ حالَتُهُ حالَةَ الفَرِيقِ المُخاطَبِينَ بِالتَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ والتَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ فِيهِ. فَعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ أنَّ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ هم خُزاعَةُ حُلَفاءُ النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ نُفُوسُ خُزاعَةَ إحَنٌ عَلى بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِالقِتالِ، وفي ذِكْرِ هَذا الفَرِيقِ زِيادَةُ تَحْرِيضٍ عَلى القِتالِ بِزِيادَةِ ذِكْرِ فَوائِدِهِ، وبِمُقارَنَةِ حالِ الرّاغِبِينَ فِيهِ بِحالِ المُحَرِّضِينَ عَلَيْهِ، المَلْحُوحِ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِالقِتالِ.

وعَطْفُ فِعْلِ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] عَلى فِعْلِ ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، يُؤْذِنُ بِاخْتِلافِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكْفِي في الِاخْتِلافِ بَيْنَهُما اخْتِلافُ المَفْهُومَيْنِ والحالَيْنِ، فَيَكُونُ ذَهابُ غَيْظِ القُلُوبِ مُساوِيًا لِشِفاءِ الصُّدُورِ، فَيَحْصُلُ تَأْكِيدُ الجُمْلَةِ الأُولى بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، مَعَ بَيانِ مُتَعَلِّقِ الشِّفاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ بِالماصَدَقِ مَعَ اخْتِلافِ المَفْهُومِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِشِفاءِ الصُّدُورِ ما يَحْصُلُ مِنَ المَسَرَّةِ والِانْشِراحِ بِالنَّصْرِ، والمُرادُ بِذَهابِ الغَيْظِ اسْتِراحَتَهم مِن تَعَبِ الغَيْظِ، وتَحَرُّقِ الحِقْدِ. وضَمِيرُ قُلُوبِهِمْ عائِدٌ إلى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَهم مَوْعُودُونَ بِالأمْرَيْنِ: شِفاءُ صُدُورِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ، وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ عَلى نَكْثِ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَهم.

والغَيْظُ: الغَضَبُ المَشُوبُ بِإرادَةِ الِانْتِقامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

9:15Page 189

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

صفحة ١٣٧

﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لَيْسَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ، بَلْ لِذِكْرِ مَن لَمْ يُقْتَلُوا، ولِذَلِكَ جاءَ الفِعْلُ فِيها مَرْفُوعًا، فَدَلَّ هَذا النَّظْمُ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ خانُوا وغَدَرُوا، ولَمْ يُقْتَلُوا، بَلْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ هَذا الأمْرِ أوْ بَعْدَهُ. وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: هي قَبُولُ إسْلامِهِمْ أوْ دُخُولُهم فِيهِ، وفي هَذا إعْذارٌ وإمْهالٌ لِمَن تَأخَّرَ. وإنَّما لَمْ تُفْصَلِ الجُمْلَةُ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها مِن بَقِيَّةِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَ انْتِظامَها مَعَ ما قَبْلَها. فَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وسُلَيْمِ بْنِ أبِي عَمْرٍو (وذَكَرَ هَذا الثّالِثَ القُرْطُبِيُّ ولَمْ أقِفْ عَلى اسْمِهِ في الصَّحابَةِ) .

والتَّذْيِيلُ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ لِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ يُعامِلُ النّاسَ بِما يَعْلَمُ مِن نِيّاتِهِمْ، وأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ تَحْقِيقُ الحِكْمَةِ، فَوَجَبَ عَلى النّاسِ امْتِثالُ أوامِرِهِ، وأنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَن تابَ إلَيْهِ تَكْثِيرًا لِلصَّلاحِ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ لِإفادَةِ الإضْرابِ عَنْ غَرَضٍ مِنَ الكَلامِ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضٍ آخَرَ. والكَلامُ بَعْدَ أمِ المُنْقَطِعَةِ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِفْهامِ دائِمًا، فَقَوْلُهُ: حَسِبْتُمْ في قُوَّةِ (أحَسِبْتُمْ) والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ إنْكارِيٌّ.

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في مُدَّةِ إسْلامِهِمْ، فَشَمِلَ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أظْهَرُوا الإسْلامَ.

صفحة ١٣٨

وحَسِبْتُمْ ظَنَنْتُمْ. ومَصْدَرُ حَسِبَ، بِمَعْنى ظَنَّ الحِسْبانُ بِكَسْرِ الحاءِ فَأمّا مَصْدَرُ حَسِبَ بِمَعْنى أحْصى العَدَدَ فَهو بِضَمِّ الحاءِ.

والتَّرْكُ افْتِقادُ الشَّيْءِ وتَعَهُّدُهُ، أيْ: أنْ يَتْرُكَكُمُ اللَّهُ، فَحُذِفَ فاعِلُ التَّرْكِ لِظُهُورِهِ. ولا بُدَّ لِفِعْلِ التَّرْكِ مِن تَعْلِيقِهِ بِمُتَعَلِّقٍ: مِن حالٍ أوْ مَجْرُورٍ، يَدُلُّ عَلى الحالَةِ الَّتِي يُفارِقُ فِيها التّارِكُ مَتْرُوكَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] . ومِثْلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ

وقَوْلِ كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَلى لِسانِ شَقِيقِها عَبْدِ اللَّهِ حِينَ قَتَلَتْهُ بَنُو مازِنِ بْنِ زُبَيْدٍ في بَلَدِ صَعْدَةَ مِن بِلادِ اليَمَنِ:

وأُتْرَكُ في بَيْتٍ بِصَعْدَةِ مُظْلِمِ

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تُتْرَكُوا في الآيَةِ: لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، أيْ أنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهادٍ، أيْ أنْ تُتْرَكُوا في دَعَةٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

والمَعْنى: كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنْ تُتْرَكُوا، أيْ: لا تَحْسَبُوا أنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهادٍ لِأعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ تُتْرَكُوا أيْ لا تَظُنُّوا أنْ تُتْرَكُوا في حالِ عَدَمِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُقُوعِ ابْتِدارِ المُجاهِدِينَ لِلْجِهادِ، وحُصُولِ تَثاقُلِ مَن تَثاقَلُوا، وحُصُولِ تَرْكِ الجِهادِ مِنَ التّارِكِينَ.

ولَمّا حَرْفٌ لِلنَّفْيِ، وهي أُخْتُ لَمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ لَمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ومَعْنى عِلْمِ اللَّهِ بِالَّذِينَ جاهَدُوا: عِلْمُهُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم وحُصُولِ امْتِثالِهِمْ، وهو مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالأُمُورِ الواقِعَةِ، وهو أخَصُّ مِن عِلْمِهِ - تَعالى - الأزَلِيِّ بِأنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ أوْ لا يَقَعُ، ويَجْدُرُ أنْ يُوصَفَ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ١٣٩

و(الوَلِيجَةُ) فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، أيِ الدَّخِيلَةُ، وهي الفِعْلَةُ الَّتِي يُخْفِيها فاعِلُها، فَكَأنَّهُ يُولِجُها، أيْ يُدْخِلُها في مَكْمَنٍ بِحَيْثُ لا تَظْهَرُ، والمُرادُ بِها هُنا: ما يَشْمَلُ الخَدِيعَةَ وإغْراءَ العَدُوِّ بِالمُسْلِمِينَ، وما يَشْمَلُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن أعْداءِ الإسْلامِ يُخْلِصُ إلَيْهِمْ ويُفْضِي إلَيْهِمْ بِسِرِّ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ تَنْكِيرَ ولِيجَةً في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ سائِرَ أفْرادِها.

و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ولِيجَةً في مَوْضِعِ الحالِ المُبَيِّنَةِ.

ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ ولِيجَةً كائِنَةً في حالَةِ تَشْبِيهِ المَكانِ الَّذِي هو مَبْدَأٌ لِلْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ، أيْ: لا تَحْسَبُوا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ.

9:17Page 189

مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ .

هَذا ابْتِداءُ غَرَضٍ مِن أغْراضِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهو مَنعُ المُشْرِكِينَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ في العامِ القابِلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما تَضَمَّنَتْهُ البَراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ولِما اتَّصَلَ بِتِلْكَ الآيَةِ مِن بَيانِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: «أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وهو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] .

وتَرْكِيبُ ما كانَ لَهم أنْ يَفْعَلُوا يَدُلُّ عَلى أنَّهم بُعَداءُ مِن ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِما تُعْمَرُ بِهِ مِنَ العِباداتِ.

صفحة ١٤٠

و﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ مَواضِعُ عِبادَتِهِ بِالسُّجُودِ والرُّكُوعِ: المُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَسْعى، وعَرَفَةَ، والمَشْعَرِ الحَرامِ، والجَمَراتِ، والمَنحَرِ مِن مِنًى.

وعَمْرُ المَساجِدِ: العِبادَةُ فِيها لِأنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِلْعِبادَةِ، فَعَمْرُها بِمَن يَحِلُّ فِيها مِنَ المُتَعَبِّدِينَ، ومِن ذَلِكَ اشْتُقَّتِ العُمْرَةُ، والمَعْنى: ما يَحِقُّ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ في مَساجِدِ اللَّهِ. وإناطَةُ هَذا النَّفْيِ بِهِمْ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ: إيماءٌ إلى أنَّ الشِّرْكَ مُوجِبٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ.

وقَدْ جاءَ الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ مُبَيِّنًا لِسَبَبِ بَراءَتِهِمْ مِن أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ يَعْمُرُوا فَبَيَّنَ عامِلَ الضَّمِيرِ وهو يَعْمُرُوا الدّاخِلَ في حُكْمِ الِانْتِفاءِ، أيْ: انْتَفى تَأهُّلُهم لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِحالِ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ لِهَذِهِ الحالِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهَذا الحِرْمانِ الخاصِّ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ، وهو الحِرْمانُ الَّذِي لا اسْتِحْقاقَ بَعْدَهُ.

والمُرادُ بِالكُفْرِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فالكُفْرُ مُرادِفٌ لِلشِّرْكِ، فالكُفْرُ في حَدِّ ذاتِهِ مُوجِبٌ لِلْحِرْمانِ مِن عِمارَةِ أصْحابِهِ مَساجِدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها مَساجِدُ اللَّهِ فَلا حَقَّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيها، ثُمَّ هي قَدْ أُقِيمَتْ لِعِبادَةِ اللَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وأقامَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ مَسْجِدٍ وهو الكَعْبَةُ عُنْوانًا عَلى التَّوْحِيدِ، وإعْلانًا بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهَذِهِ أوَّلُ دَرَجَةٍ مِنَ الحِرْمانِ. ثُمَّ كَوْنُ كُفْرِهِمْ حاصِلًا بِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مُوجِبٌ لِانْتِفاءِ أقَلِّ حَظٍّ مِن هَذِهِ العِمارَةِ، ولِلْبَراءَةِ مِنِ اسْتِحْقاقِها، وهَذِهِ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ مِنَ الحِرْمانِ.

وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ حاصِلَةٌ في كَثِيرٍ مِن أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَ ذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ في التَّلْبِيَةِ ”لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“، ومِثْلَ سُجُودِهِمْ لِلْأصْنامِ، وطَوافِهِمْ بِها، ووَضْعِهِمْ إيّاها في جَوْفِ الكَعْبَةِ وحَوْلَها وعَلى سَطْحِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِإفْرادِ ”مَسْجِدَ اللَّهِ“، أيِ المَسْجِدَ الحَرامَ وهو المَقْصُودُ، أوِ التَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ لِلْجِنْسِ. وقَرَأ الباقُونَ: ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾، فَيَعُمُّ المَسْجِدَ الحَرامَ وما عَدَدْناهُ مَعَهُ آنِفًا.

صفحة ١٤١

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ابْتِداءُ ذَمٍّ لَهم، وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِأنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِوَصْفِ الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الآيَةَ.

وحَبِطَتْ بَطَلَتْ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَقْدِيمُ في النّارِ عَلى خالِدُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ويَحْصُلُ مِنهُ تَعْجِيلُ المَساءَةِ لِلْكُفّارِ إذا سَمِعُوهُ.

9:18Page 189

إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨

The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] لَمّا اقْتَضَتْ إقْصاءَ المُشْرِكِينَ عَنِ العِبادَةِ في المَساجِدِ كانَتْ بِحَيْثُ تُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَطَلَّبُوا مَن هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يَعْمُرُوا المَساجِدَ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفِيدَةً جَوابَ هَذا السّائِلِ.

ومَجِيءُ صِيغَةِ القَصْرِ فِيها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَقْصُودَ إقْصاءُ فِرَقٍ أُخْرى عَنْ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، غَيْرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ إقْصاؤُهم بِالصَّرِيحِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ خُصُوصَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الصِّلَةِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِمْ، فاليَهُودُ والنَّصارى آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لَكِنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ولَمْ يُؤْتُوا الزَّكاةَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ العِبادَتانِ المَعْهُودَتانِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ والمَفْرُوضَتانِ في الإسْلامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] كِنايَةً عَنْ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.

واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الإيمانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن آثارِ شَرِيعَتِهِ: وهو الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وإقامُ الصَّلاةِ: وإيتاءُ الزَّكاةِ.

صفحة ١٤٢

وقَصَرَ خَشْيَتَهم عَلى التَّعَلُّقِ بِجانِبِ اللَّهِ - تَعالى - بِصِيغَةِ القَصْرِ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم لا يَخافُونَ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَإنَّهم قَدْ يَخافُونَ الأسَدَ ويَخافُونَ العَدُوَّ، ولَكِنَّ مَعْناهُ إذا تَرَدَّدَ الحالُ بَيْنَ خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ وخَشْيَتِهِمْ غَيْرَهُ قَدَّمُوا خَشْيَةَ اللَّهِ عَلى خَشْيَةِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِاعْتِبارِ تَعارُضِ خَشْيَتَيْنِ.

وهَذا مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ: فَأمّا المُشْرِكُونَ فَهم يَخْشَوْنَ شُرَكاءَهم ويَنْتَهِكُونَ حُرُماتِ اللَّهِ لِإرْضاءِ شُرَكائِهِمْ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَيَخْشَوْنَ النّاسَ ويَعْصُونَ اللَّهَ بِتَحْرِيفِ كَلِمِهِ ومُجاراةِ أهْواءِ العامَّةِ، وقَدْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]

وفَرَّعَ عَلى وصْفِ المُسْلِمِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ رَجاءَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، أيْ مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِالمُهْتَدِينَ وهو الفَرِيقُ الَّذِي الِاهْتِداءُ خُلُقٌ لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ وفي غَيْرِها. ووَجْهُ هَذا الرَّجاءِ أنَّهم لَمّا أتَوْا بِما هو اهْتِداءٌ لا مَحالَةَ قَوِيَ الأمَلُ في أنْ يَسْتَقِرُّوا عَلى ذَلِكَ ويَصِيرُ خُلُقًا لَهم فَيَكُونُوا مِن أهْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ.

وفِي هَذا حَثُّ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِن هَذا الِاهْتِداءِ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغُرُورِ والِاعْتِمادِ عَلى بَعْضِ العَمَلِ الصّالِحِ بِاعْتِقادِ أنَّ بَعْضَ الأعْمالِ يُغْنِي عَنْ بَقِيَّتِها.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا هَذا الأمَلَ فِيهِمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الأعْمالِ الَّتِي عُدَّتْ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском