At-Tawbah 9:48
The Repentance · Juz 10 · Page 195
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
1 translator’s note
- Or "turned matters related to you over [in their minds, considering how to cause you failure]." ↩
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 9:48–50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.
والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.
والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ
صفحة ٦٨
فاتْرُكْنِي. وقُرِئَ: ”ولا تُفْتِنِّي“ مِن أفْتَنَهُ.﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنِ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهم في الحالِ ما وقَعُوا إلّا في الفِتْنَةِ، فَإنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ التَّكْلِيفِ. وأيْضًا فَهم يَبْقَوْنَ خالِفِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، خائِفِينَ مِن أنْ يَفْضَحَهُمُ اللَّهُ، ويُنْزِلَ آياتٍ في شَرْحِ نِفاقِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”سَقَطَ“؛ لِأنَّ لَفْظَ مَن مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى. قالَ أهْلُ المَعانِي: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ لِغَرَضٍ ما، فَإنَّهُ تَعالى يَبْطُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا القُعُودَ؛ لِئَلّا يَقَعُوا في الفِتْنَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم في عَيْنِ الفِتْنَةِ واقِعُونَ ساقِطُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قِيلَ: إنَّها تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ أسْبابَ تِلْكَ الإحاطَةِ حاصِلَةٌ في الحالِ، فَكَأنَّهم في وسَطِها. وقالَ الحُكَماءُ الإسْلامِيَّةُ: إنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ مِن نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَمالًا وسَعادَةً سِوى الدُّنْيا وما فِيها مِنَ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بَيْنَ النّاسِ بِالنِّفاقِ والطَّعْنِ في الدِّينِ، وقَصْدِ الرَّسُولِ بِكُلِّ سُوءٍ، وكانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ الإسْلامِ أبَدًا في التَّرَقِّي والِاسْتِعْلاءِ والتَّزايُدِ، وكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ؛ والحاصِلُ أنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ عَنْ كُلِّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ، بِسَبَبِ الأحْوالِ العاجِلَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مَعَ الجَهْلِ الشَّدِيدِ أعْظَمُ أنْواعِ العُقُوباتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
Page 195
9:48
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
1 translator’s note
- Or "turned matters related to you over [in their minds, considering how to cause you failure]." ↩
9:49
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
1 translator’s note
- By avoiding their obligation, they fell into destruction. ↩
9:50
إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠
If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.
1 translator’s note
- The hypocrites claim to have protected themselves by remaining behind. ↩
9:51
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١
Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.
9:52
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢
Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."
9:53
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."
9:54
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.