At-Tawbah 9:53
The Repentance · Juz 10 · Page 195
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 9:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .
صفحة ٧١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي العَذابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم وإنْ أتَوْا بِشَيْءٍ مِن أعْمالِ البِرِّ فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أسْبابَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُجْتَمِعَةٌ في حَقِّهِمْ، وأنَّ أسْبابَ الرّاحَةِ والخَيْرِ زائِلَةٌ عَنْهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ هَهُنا، وفي النِّساءِ والأحْقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ مِنَ المَشَقَّةِ، وفي النِّساءِ والتَّوْبَةِ بِالفَتْحِ مِنَ الإكْراهِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الكافِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ ما أُكْرِهْتَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، وهَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا إلّا أنَّ الحُكَمَ عامٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ أمْرٍ، إلّا أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ. والمَعْنى: سَواءٌ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنكم.
واعْلَمْ أنَّ الخَبَرَ والأمْرَ يَتَقارَبانِ، فَيَحْسُنُ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ. أمّا إقامَةُ الأمْرِ مَقامَ الخَبَرِ فَكَما هَهُنا، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] . وأمّا إقامَةُ الخَبَرِ مَقامَ الأمْرِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٨٨] . وقالَ كُثَيِّرٌ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وقَوْلُهُ: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يُرِيدُ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ. وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مُكْرَهِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وسَمّى الإلْزامَ إكْراهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَكانَ إلْزامُ اللَّهِ إيّاهُمُ الإنْفاقَ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم؛ لِأنَّ رُؤَساءَ أهْلِ النِّفاقِ كانُوا يَحْمِلُونَ الِاتِّباعَ عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ أوْ مُكْرَهِينَ مِن جِهَتِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَتَقَبَّلُ تِلْكَ الأمْوالَ مِنهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ نَفَقَتَهم لا تُقْبَلُ البَتَّةَ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، ومَعْنى التَّقَبُّلِ هو الثَّوابُ والمَدْحُ، وإذا لَمْ يُتَقَبَّلْ ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثَوابَ ولا مَدْحَ، فَلَمّا عَلَّلَ ذَلِكَ بِالفِسْقِ دَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ الجُبّائِيَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِمُ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا.
واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَذْكُرَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بَعْدَما أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى بِصَرِيحِ هَذا اللَّفْظِ أنَّهُ
صفحة ٧٢
لا مُؤَثِّرَ في مَنعِ قَبُولِ هَذِهِ الأعْمالِ إلّا الكُفْرُ، وعِنْدَ هَذا يَصِيرُ هَذا الكَلامُ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَكَأنَّهُ سَألَ سائِلٌ وقالَ: هَذا الحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعُمُومِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ فِسْقًا، أوْ بِخُصُوصِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ الفِسْقِ. فَبَيَّنَ تَعالى بِهِ ما أزالَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وهو أنَّ عَدَمَ القَبُولِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ، وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقِ كُفْرًا. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ باطِلٌ.
Page 195
9:48
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
1 translator’s note
- Or "turned matters related to you over [in their minds, considering how to cause you failure]." ↩
9:49
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
1 translator’s note
- By avoiding their obligation, they fell into destruction. ↩
9:50
إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠
If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.
1 translator’s note
- The hypocrites claim to have protected themselves by remaining behind. ↩
9:51
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١
Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.
9:52
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢
Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."
9:53
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."
9:54
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.