At-Tawbah 9:54
The Repentance · Juz 10 · Page 195
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 9:54
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْفِسْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِسْقٌ في هَذا المَنعِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ عَلى ما لَخَّصْناهُ وبَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنعَ القَبُولِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَدَمُ الإتْيانِ بِالصَّلاةِ إلّا عَلى وجْهِ الكَسَلِ، والإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ الكَراهِيَةِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكُفْرُ بِاللَّهِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في المَنعِ مِنَ القَبُولِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إسْنادُ هَذا الحُكَمِ إلى السَّبَبَيْنِ الباقِيَيْنِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، أمّا عِنْدَنا فَإنَّ شَيْئًا مِنَ الأفْعالِ لا يُوجِبُ ثَوابًا ولا عِقابًا البَتَّةَ، وإنَّما هي مُعَرِّفاتٌ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مُحالٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ في هَذِهِ الأحْكامِ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في حَقِّهِمْ، فَلَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُوجِبًا تامًّا لِهَذا الحُكْمِ، لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ أسْبابٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ المَعْلُولَ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَيَلْزَمُ افْتِقارُهُ إلَيْها بِأسْرِها حالَ اسْتِغْنائِهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ هَذِهِ الأفْعالِ مُؤَثِّرَةً في هَذِهِ الأحْكامِ يُفْضِي إلى هَذا المُحالِ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
قُلْنا: وجَبَ أنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ إلى تَأْثِيرِهِ في تَخْفِيفِ العِقابِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لازِمَةٌ لِلْكافِرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِعْلِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ.
صفحة ٧٣
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُوجِبُ لِلذَّمِّ لَيْسَ هو تَرْكَ الصَّلاةِ ؟ بَلِ المُوجِبُ لِلذَّمِّ هو الإتْيانُ بِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ جارِيًا مَجْرى سائِرِ تَصَرُّفاتِها مِن قِيامٍ وقُعُودٍ، وكَما لا يَكُونُ قُعُودُهم عَلى وجْهِ الكَسَلِ مانِعًا مِن تَقَبُّلِ طاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ كانَ يَجِبُ في صَلاتِهِمْ لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَضى تَفْسِيرُ الكُسالى في سُورَةِ النِّساءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”كُسالى“ بِالضَّمِّ والفَتْحِ جَمْعُ الكَسْلانِ؛ نَحْوُ سُكارى وحَيارى في سَكْرانَ وحَيْرانَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الكَسَلُ مَعْناهُ أنَّهُ إنْ كانَ في جَماعَةٍ صَلّى، وإنْ كانَ وحْدَهُ لَمْ يُصَلِّ. قالَ المُصَنِّفُ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما أثَّرَ في مَنعِ قَبُولِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُصَلِّي طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ، وإنَّما يُصَلِّي خَوْفًا مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ. أمّا لَمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِالكُفْرِ، دَلَّ عَلى أنَّ الكَسَلَ إنَّما كانَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ الإنْفاقَ مَغْرَمًا وضَيْعَةً بَيْنَهم، وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ طَيِّبَةً عِنْدَ أداءِ الزَّكاةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ المُنافِقِينَ بِكَراهَتِهِمُ الإنْفاقَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أدُّوا زَكاةَ أمْوالِكم طَيِّبَةً بِها نُفُوسُكم» “؛ فَإنْ أدّاها وهو كارِهٌ لِذَلِكَ كانَ مِن عَلاماتِ الكُفْرِ والنِّفاقِ. قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاصِلُ هَذِهِ المَباحِثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ الطّاعاتِ الإتْيانُ بِها لِغَرَضِ العُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ في الطّاعَةِ، فَإنْ لَمْ يُؤْتَ بِها لِهَذا الغَرَضِ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما صارَتْ وبالًا عَلى صاحِبِها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أنْ يُقْبَلَ“ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ. وجْهُ الأوَّلَيْنِ: أنَّ النَّفَقاتِ في مَعْنى الإنْفاقِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّأْنِيثِ: أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”نَفَقاتُهم“ و”نَفَقَتُهم“ عَلى الجَمْعِ والتَّوْحِيدِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”أنْ يَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
Page 195
9:48
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
1 translator’s note
- Or "turned matters related to you over [in their minds, considering how to cause you failure]." ↩
9:49
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
1 translator’s note
- By avoiding their obligation, they fell into destruction. ↩
9:50
إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠
If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.
1 translator’s note
- The hypocrites claim to have protected themselves by remaining behind. ↩
9:51
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١
Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.
9:52
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢
Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."
9:53
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."
9:54
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.