Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:51–54
9:51Page 195
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١
Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن كَيْدِ المُنافِقِينَ ومِن خُبْثِ بَواطِنِهِمْ، والمَعْنى: إنْ تُصِبْكَ في بَعْضِ الغَزَواتِ حَسَنَةٌ؛ سَواءً كانَ ظَفَرًا، أوْ كانَ غَنِيمَةً، أوْ كانَ انْقِيادًا لِبَعْضِ مُلُوكِ الأطْرافِ، يَسُؤْهم ذَلِكَ، وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ؛ مِن نَكْبَةٍ وشِدَّةٍ ومُصِيبَةٍ ومَكْرُوهٍ يَفْرَحُوا بِهِ، ويَقُولُوا: قَدْ أخَذْنا أمْرَنا الَّذِي نَحْنُ مَشْهُورُونَ بِهِ، وهو الحَذَرُ والتَّيَقُّظُ والعَمَلُ بِالحَزْمِ،﴿مِن قَبْلُ﴾ . أيْ: قَبْلَ ما وقَعَ، وتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحَدُّثِ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهالِيهِمْ، وهم فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ.
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَةَ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةَ في يَوْمِ أُحُدٍ. فَإنْ ثَبَتَ بِخَبَرٍ أنَّ هَذا هو المُرادُ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإلّا فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ حَسَنَةٍ، وعَلى كُلِّ مُصِيبَةٍ؛ إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنَّهم في كُلِّ حَسَنَةٍ وعِنْدَ كُلِّ مُصِيبَةٍ بِالوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المَعْنى أنَّهُ لَنْ يُصِيبَنا خَيْرٌ ولا شَرٌّ، ولا خَوْفٌ ولا رَجاءٌ، ولا شِدَّةٌ ولا رَخاءٌ، إلّا وهو
صفحة ٦٩
مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، وكَوْنُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ مَقْضِيًّا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ لا يَتَرَجَّحُ إلّا بِتَرْجِيحِ الواجِبِ، والمُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ قَضاءَ اللَّهِ شامِلٌ لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، وأنَّ تَغَيُّرَ الشَّيْءِ عَمّا قَضى اللَّهُ بِهِ مُحالٌ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ يَمْتَنِعُ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ لِنَفْسِهِ؛ فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ إلى تَرْجِيحِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وما سِواهُ فَواجِبٌ بِإيجادِهِ وتَأْثِيرِهِ وتَكْوِينِهِ. ولِهَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَتَبَ جَمِيعَ الأحْوالِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَقَدْ عَلِمَها وحَكَمَ بِها، فَلَوْ وقَعَ الأمْرُ بِخِلافِها لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا والحُكْمِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وقَدْ أطْنَبْنا في شَرْحِ هَذِهِ المُناظَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ في فَرَحِهِمْ بِحُزْنِهِ ومَكارِهِهِ، فَأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا المَذْهَبِ بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن عَلِمَ سِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ فَإنَّهُ إذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ الَّذِي وقَعَ امْتَنَعَ أنْ لا يَقَعَ، زالَتِ المُنازَعَةُ عَنِ النَّفْسِ، وحَصَلَ الرِّضا بِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ . أيْ: في عاقِبَةِ أمْرِنا مِنَ الظَّفَرِ بِالعَدُوِّ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنْ يَظْهَرَ لِلْمُنافِقِينَ أنَّ أحْوالَ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في السُّرُورِ والغَمِّ، إلّا أنَّ في العاقِبَةِ الدَّوْلَةَ لَهم، والفَتْحَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جانِبِهِمْ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ اغْتِياظًا لِلْمُنافِقِينَ، ورَدًّا عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الفَرَحِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إذا صِرْنا مَغْلُوبِينَ صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِلْأجْرِ العَظِيمِ، والثَّوابِ الكَثِيرِ، وإنْ صِرْنا غالِبِينَ صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ في الآخِرَةِ، وفُزْنا بِالمالِ الكَثِيرِ والثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، صارَتْ تِلْكَ المَصائِبُ والمُحْزِناتُ في جَنْبِ هَذا الفَوْزِ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مُتَحَمَّلَةً. وهَذِهِ الأقْوالُ وإنْ كانَتْ حَسَنَةً، إلّا أنَّ الحَقَّ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ والمُرادُ بِهِ ما يَقُولُهُ أصْحابُنا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَحْسُنُ مِنهُ التَّصَرُّفُ في العالَمِ كَيْفَ شاءَ، وأرادَ لِأجْلِ أنَّهُ مالِكٌ لَهم وخالِقٌ لَهم، ولِأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا الكَلامُ يَنْطَبِقُ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ ولِذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى وإنْ أوْصَلَ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ أنْواعًا مِنَ المَصائِبِ فَإنَّهُ يَجِبُ الرِّضا بِها؛ لِأنَّهُ تَعالى مَوْلاهم وهم عَبِيدُهُ، فَحَسُنَ مِنهُ تَعالى تِلْكَ التَّصَرُّفاتُ، بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَوْلًى لَهم، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، ولا أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا أنَّهُ مَعَ هَذا عَظِيمُ الرَّحْمَةِ كَثِيرُ الفَضْلِ والإحْسانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَوَكَّلَ المُؤْمِنُ في الأصْلِ إلّا عَلَيْهِ، وأنْ يَقْطَعَ طَمَعَهُ إلّا مِن فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِينَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ وأنَّهم لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ العاجِلَةِ الفانِيَةِ.
9:52Page 195
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢
Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ فَرَحِ المُنافِقِينَ بِمَصائِبِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا ذَهَبَ إلى الغَزْوِ، فَإنْ صارَ مَغْلُوبًا مَقْتُولًا فازَ بِالِاسْمِ الحَسَنِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلشُّهَداءِ في الآخِرَةِ، وإنْ صارَ غالِبًا فازَ في الدُّنْيا بِالمالِ الحَلالِ والِاسْمِ الجَمِيلِ، وهي الرُّجُولِيَّةُ والشَّوْكَةُ والقُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ العَظِيمِ. وأمّا المُنافِقُ إذا قَعَدَ في بَيْتِهِ فَهو في الحالِ قَعَدَ في بَيْتِهِ مَذْمُومًا، مَنسُوبًا إلى الجُبْنِ والفَشَلِ وضَعْفِ القَلْبِ والقَناعَةِ بِالأُمُورِ الخَسِيسَةِ مِنَ الدُّنْيا، عَلى وجْهٍ يُشارِكُهُ فِيها النِّسْوانُ والصِّبْيانُ والعاجِزُونَ مِنَ النِّساءِ، ثُمَّ يَكُونُونَ أبَدًا خائِفِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ إنْ ماتُوا فَقَدِ انْتَقَلُوا إلى العَذابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وإنْ أذِنَ اللَّهُ في قَتْلِهِمْ وقَعُوا في القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وانْتَقَلُوا مِنَ الدُّنْيا إلى عَذابِ النّارِ، فالمُنافِقُ لا يَتَرَبَّصُ بِالمُؤْمِنِ إلّا إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والشَّرَفِ، والمُسْلِمُ يَتَرَبَّصُ بِالمُنافِقِ إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أعْنِي البَقاءَ في الدُّنْيا مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ والهَوانِ، ثُمَّ الِانْتِقالَ إلى عَذابِ القِيامَةِ، والوُقُوعُ في القَتْلِ والنَّهْبِ مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ في غايَةِ الخَساسَةِ والدَّناءَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بِنا إحْدى الحالَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ وُقُوعَكم في إحْدى الحالَتَيْنِ الخَسِيسَتَيْنِ النّازِلَتَيْنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِفُلانٍ الدَّوائِرَ، إذا كانَ يَنْتَظِرُ وُقُوعَ مَكْرُوهٍ بِهِ، وهَذا قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: التَّرَبُّصُ: التَّمَسُّكُ بِما يُنْتَظَرُ بِهِ مَجِيءُ حِينِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِالطَّعامِ إذا تَمَسَّكَ بِهِ إلى حِينِ زِيادَةِ سِعْرِهِ. والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ قِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ: بِعَذابٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ بِأيْدِينا بِأنْ يَأْذَنَ لَنا في قَتْلِكم. وقِيلَ: بِعَذابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَناوَلُ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ بِأيْدِينا القَتْلُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَحِلُّ قَتْلُهم مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ، فَكَيْفَ يَقُولُ تَعالى ذَلِكَ ؟
قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِأيْدِينا إنْ ظَهَرَ نِفاقُكم؛ لِأنَّ نِفاقَهم إذا ظَهَرَ كانُوا كَسائِرِ المُشْرِكِينَ في كَوْنِهِمْ حَرْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وإنْ كانَ بِصِيغَةِ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . واللَّهُ أعْلَمُ.
9:53Page 195
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .
صفحة ٧١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي العَذابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم وإنْ أتَوْا بِشَيْءٍ مِن أعْمالِ البِرِّ فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أسْبابَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُجْتَمِعَةٌ في حَقِّهِمْ، وأنَّ أسْبابَ الرّاحَةِ والخَيْرِ زائِلَةٌ عَنْهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ هَهُنا، وفي النِّساءِ والأحْقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ مِنَ المَشَقَّةِ، وفي النِّساءِ والتَّوْبَةِ بِالفَتْحِ مِنَ الإكْراهِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الكافِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ ما أُكْرِهْتَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، وهَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا إلّا أنَّ الحُكَمَ عامٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ أمْرٍ، إلّا أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ. والمَعْنى: سَواءٌ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنكم.
واعْلَمْ أنَّ الخَبَرَ والأمْرَ يَتَقارَبانِ، فَيَحْسُنُ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ. أمّا إقامَةُ الأمْرِ مَقامَ الخَبَرِ فَكَما هَهُنا، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] . وأمّا إقامَةُ الخَبَرِ مَقامَ الأمْرِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٨٨] . وقالَ كُثَيِّرٌ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وقَوْلُهُ: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يُرِيدُ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ. وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مُكْرَهِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وسَمّى الإلْزامَ إكْراهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَكانَ إلْزامُ اللَّهِ إيّاهُمُ الإنْفاقَ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم؛ لِأنَّ رُؤَساءَ أهْلِ النِّفاقِ كانُوا يَحْمِلُونَ الِاتِّباعَ عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ أوْ مُكْرَهِينَ مِن جِهَتِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَتَقَبَّلُ تِلْكَ الأمْوالَ مِنهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ نَفَقَتَهم لا تُقْبَلُ البَتَّةَ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، ومَعْنى التَّقَبُّلِ هو الثَّوابُ والمَدْحُ، وإذا لَمْ يُتَقَبَّلْ ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثَوابَ ولا مَدْحَ، فَلَمّا عَلَّلَ ذَلِكَ بِالفِسْقِ دَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ الجُبّائِيَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِمُ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا.
واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَذْكُرَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بَعْدَما أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى بِصَرِيحِ هَذا اللَّفْظِ أنَّهُ
صفحة ٧٢
لا مُؤَثِّرَ في مَنعِ قَبُولِ هَذِهِ الأعْمالِ إلّا الكُفْرُ، وعِنْدَ هَذا يَصِيرُ هَذا الكَلامُ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَكَأنَّهُ سَألَ سائِلٌ وقالَ: هَذا الحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعُمُومِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ فِسْقًا، أوْ بِخُصُوصِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ الفِسْقِ. فَبَيَّنَ تَعالى بِهِ ما أزالَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وهو أنَّ عَدَمَ القَبُولِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ، وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقِ كُفْرًا. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ باطِلٌ.
9:54Page 195
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْفِسْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِسْقٌ في هَذا المَنعِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ عَلى ما لَخَّصْناهُ وبَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنعَ القَبُولِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَدَمُ الإتْيانِ بِالصَّلاةِ إلّا عَلى وجْهِ الكَسَلِ، والإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ الكَراهِيَةِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكُفْرُ بِاللَّهِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في المَنعِ مِنَ القَبُولِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إسْنادُ هَذا الحُكَمِ إلى السَّبَبَيْنِ الباقِيَيْنِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، أمّا عِنْدَنا فَإنَّ شَيْئًا مِنَ الأفْعالِ لا يُوجِبُ ثَوابًا ولا عِقابًا البَتَّةَ، وإنَّما هي مُعَرِّفاتٌ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مُحالٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ في هَذِهِ الأحْكامِ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في حَقِّهِمْ، فَلَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُوجِبًا تامًّا لِهَذا الحُكْمِ، لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ أسْبابٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ المَعْلُولَ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَيَلْزَمُ افْتِقارُهُ إلَيْها بِأسْرِها حالَ اسْتِغْنائِهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ هَذِهِ الأفْعالِ مُؤَثِّرَةً في هَذِهِ الأحْكامِ يُفْضِي إلى هَذا المُحالِ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
قُلْنا: وجَبَ أنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ إلى تَأْثِيرِهِ في تَخْفِيفِ العِقابِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لازِمَةٌ لِلْكافِرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِعْلِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ.
صفحة ٧٣
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُوجِبُ لِلذَّمِّ لَيْسَ هو تَرْكَ الصَّلاةِ ؟ بَلِ المُوجِبُ لِلذَّمِّ هو الإتْيانُ بِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ جارِيًا مَجْرى سائِرِ تَصَرُّفاتِها مِن قِيامٍ وقُعُودٍ، وكَما لا يَكُونُ قُعُودُهم عَلى وجْهِ الكَسَلِ مانِعًا مِن تَقَبُّلِ طاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ كانَ يَجِبُ في صَلاتِهِمْ لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَضى تَفْسِيرُ الكُسالى في سُورَةِ النِّساءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”كُسالى“ بِالضَّمِّ والفَتْحِ جَمْعُ الكَسْلانِ؛ نَحْوُ سُكارى وحَيارى في سَكْرانَ وحَيْرانَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الكَسَلُ مَعْناهُ أنَّهُ إنْ كانَ في جَماعَةٍ صَلّى، وإنْ كانَ وحْدَهُ لَمْ يُصَلِّ. قالَ المُصَنِّفُ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما أثَّرَ في مَنعِ قَبُولِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُصَلِّي طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ، وإنَّما يُصَلِّي خَوْفًا مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ. أمّا لَمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِالكُفْرِ، دَلَّ عَلى أنَّ الكَسَلَ إنَّما كانَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ الإنْفاقَ مَغْرَمًا وضَيْعَةً بَيْنَهم، وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ طَيِّبَةً عِنْدَ أداءِ الزَّكاةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ المُنافِقِينَ بِكَراهَتِهِمُ الإنْفاقَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أدُّوا زَكاةَ أمْوالِكم طَيِّبَةً بِها نُفُوسُكم» “؛ فَإنْ أدّاها وهو كارِهٌ لِذَلِكَ كانَ مِن عَلاماتِ الكُفْرِ والنِّفاقِ. قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاصِلُ هَذِهِ المَباحِثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ الطّاعاتِ الإتْيانُ بِها لِغَرَضِ العُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ في الطّاعَةِ، فَإنْ لَمْ يُؤْتَ بِها لِهَذا الغَرَضِ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما صارَتْ وبالًا عَلى صاحِبِها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أنْ يُقْبَلَ“ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ. وجْهُ الأوَّلَيْنِ: أنَّ النَّفَقاتِ في مَعْنى الإنْفاقِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّأْنِيثِ: أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”نَفَقاتُهم“ و”نَفَقَتُهم“ عَلى الجَمْعِ والتَّوْحِيدِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”أنْ يَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences