Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:44–50
9:44–46Page 194
لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤
Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.
إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥
Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.
۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦
And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1
قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ
صفحة ٦٢
الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ إذا كانَ اسْتِدْلالِيًّا كانَ وُقُوعُ الشَّكِّ في الدَّلِيلِ يُوجِبُ وُقُوعَ الشَّكِّ في المَدْلُولِ، ووُقُوعُ الشَّكِّ في مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ مِن مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ يَكْفِي في حُصُولِ الشَّكِّ في صِحَّةِ الدَّلِيلِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ إذا وقَعَ لَهُ سُؤالٌ وإشْكالٌ في مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ دَلِيلِهِ أنْ يَصِيرَ شاكًّا في المَدْلُولِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُؤْمِنُ عَنْ إيمانِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، بِسَبَبِ أنَّهُ خَطَرَ بِبالِهِ سُؤالٌ وإشْكالٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ بِناءَ الإيمانِ لَيْسَ عَلى الدَّلِيلِ، بَلْ عَلى التَّقْلِيدِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في الإيمانِ هو التَّقْلِيدُ مِن هَذا الوَجْهِ.
والجَوابُ: أنَّ المُسْلِمَ وإنَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ بَعْضِ مُقَدِّماتِ دَلِيلٍ واحِدٍ إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ سَلِيمَةٌ عِنْدَهُ مِنَ الطَّعْنِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ بَقِيَ إيمانُهُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أصْحابَكم يَقُولُونَ: إنّا نُؤْمِنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الشَّكِّ ؟
والجَوابُ: أنّا اسْتَقْصَيْنا في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْفالِ، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: الإيمانُ هو مُجَرَّدُ الإقْرارِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الرَّيْبِ هو القَلْبُ فَقَطْ، ومَتى كانَ مَحَلُّ الرَّيْبِ هو القَلْبَ كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والإيمانِ أيْضًا هو القَلْبَ؛ لِأنَّ مَحَلَّ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو مَحَلًّا لِلضِّدِّ الآخَرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وإذا كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والكُفْرِ القَلْبَ، كانَ المُثابُ والمُعاقَبُ في الحَقِيقَةِ هو القَلْبَ والبَواقِي تَكُونُ تَبَعًا لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ يَبْقى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّفْيِ
صفحة ٦٣
والإثْباتِ، غَيْرَ حاكِمٍ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ ولا جازِمٍ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الِاعْتِقادَ إمّا أنْ يَكُونَ جازِمًا أوْ لا يَكُونَ، فالجازِمُ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ فَهو الجَهْلُ، وإنْ كانَ مُطابِقًا فَإنْ كانَ عَنْ يَقِينٍ فَهو العِلْمُ، وإلّا فَهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ. وإنْ كانَ غَيْرَ جازِمٍ فَإنْ كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ راجِحًا فالرّاجِحُ هو الظَّنُّ، والمَرْجُوحُ هو الوَهْمُ، وإنِ اعْتَدَلَ الطَّرَفانِ فَهو الرَّيْبُ والشَّكُّ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الإنْسانُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ قُرِئَ: ”عُدَّتَهُ“، وقُرِئَ أيْضًا: ”عِدَّةً“ بِكَسْرِ العَيْنِ بِغَيْرِ إضافَةٍ وبِإضافَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ وفي زَمانٍ شَدِيدٍ، وتَرْكَهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مَياسِيرَ قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ والعُدَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ في الأمْرِ، يُقالُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ فانْبَعَثَ، وبَعَثْتُهُ لِأمْرِ كَذا فانْبَعَثَ، وبَعَثَهُ لِأمْرِ كَذا أيْ: نَفَّذَهُ فِيهِ. والتَّثْبِيطُ: رَدُّ الإنْسانِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هَمَّ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَرِهَ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَصَرَفَهم عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في إذْنِهِ إيّاهم في القُعُودِ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم وخُرُوجَهم ؟
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ما كانَ مَصْلَحَةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وشَرَحَ تِلْكَ المَفاسِدَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا كانَ الأصْوَبُ الأصْلَحُ أنْ لا يَخْرُجُوا، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في الإذْنِ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ حَكَيْنا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: لِمَ أذِنْتَ لَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَدْ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوهُ في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَسْقُطُ السُّؤالُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ العِتابِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مَعَهُ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِسائِرِ الآياتِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] . ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ فَهَذا دَفْعُ هَذا السُّؤالِ عَلى طَرِيقَةِ أبِي مُسْلِمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ العِتابَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنَّما تَوَجَّهَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ العِتابُ ما كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ القُعُودَ كانَ مَفْسَدَةً، بَلْ لِأجْلِ أنَّ إذْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ القُعُودِ كانَ مَفْسَدَةً، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ قَبْلَ إتْمامِ التَّفَحُّصِ، وإكْمالِ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ .
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْذَنُ لَهم في القُعُودِ؛ فَهم كانُوا يَقْعُدُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ القُعُودُ عَلامَةً عَلى نِفاقِهِمْ، وإذا ظَهَرَ نِفاقُهُمُ احْتَرَزَ المُسْلِمُونَ مِنهم ولَمْ
صفحة ٦٤
يَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ الرَّسُولُ في القُعُودِ بَقِيَ نِفاقُهم مَخْفِيًّا، وفاتَتْ تِلْكَ المَصالِحُ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ، كَما حَكاهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُمُ اغْتَنَمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وقالُوا: قَدْ أذِنَ لَنا؛ فَقالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَ ذَكَرْتَ عِنْدَهم هَذا اللَّفْظَ الَّذِي أمْكَنَهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الِاجْتِهادُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: إنَّهُ إنَّما أذِنَ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهم لَمّا تَمَكَّنُوا مِنَ الوَحْيِ وكانَ الإقْدامُ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَحْيِ جارِيًا مَجْرى الإقْدامِ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ، فَكَما أنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا ذاكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ المُرِيدِيَّةِ هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ الكارِهِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْنى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أرادَ عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ. قالَتِ البَصْرِيَّةُ: العَدَمُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإرادَةَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ، والعَدَمُ: نَفْيٌ مَحْضٌ، وأيْضًا فالعَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا تَعَلُّقَ لِلْإرادَةِ بِالعَدَمِ بِهِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وجَعْلَ العَدَمِ عَدَمًا مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالعَدَمِ مُحالٌ، فامْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَراهَةِ إرادَةُ العَدَمِ.
أجابَ أصْحابُنا بِأنّا نُفَسِّرُ الكَراهَةَ في حَقِّ اللَّهِ بِإرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى أرادَ مِنهُمُ السُّكُونَ، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ الإرادَةِ بِكَوْنِهِ تَعالى كارِهًا لِخُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: فَكَسَّلَهم، وضَعَّفَ رَغْبَتَهم في الِانْبِعاثِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا إذا صَرَّحْنا بِالحَقِّ، وهو أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي إلَيْهِ، فَإذا صارَتِ الدّاعِيَةُ فاتِرَةً مَرْجُوحَةً امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ صَيْرُورَةَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ جازِمَةٌ أوْ فاتِرَةٌ، إنْ كانَتْ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ لَزِمَ المَقْصُودُ؛ لِأنَّ تَقْوِيَةَ الدّاعِيَةِ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ حُصُولُ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ذَمِّهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والعاجِزِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القَوْلَ مِمَّنْ كانَ ؟ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ هو الشَّيْطانُ عَلى سَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قالَ ذَلِكَ لِبَعْضٍ لَمّا أرادُوا الِاجْتِماعَ عَلى التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ مَن يَتَوَلّى الفَسادَ يُحِبُّ التَّكَثُّرَ بِأشْكالِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الرَّسُولَ ﷺ لَمّا أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ فَعاتَبَهُ اللَّهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ كَرِهَ خُرُوجَهم لِلْإفْسادِ، وكانَ المُرادُ إذا كُنْتُمْ مُفْسِدِينَ فَقَدْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَكم عَلى هَذا الوَجْهِ فَأمَرَكم بِالقُعُودِ عَنْ هَذا الخُرُوجِ المَخْصُوصِ.
9:47Page 194
لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ مِن خُرُوجِهِمْ، وهي ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخَبالُ: الشَّرُّ والفَسادُ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُسَمّى العَتَهُ بِالخَبَلِ، والمَعْتُوهُ بِالمَخْبُولِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: إلّا شَرًّا، وقالَ يَمانٌ: إلّا مَكْرًا، وقِيلَ: إلّا غَيًّا، وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا غَدْرًا، وقِيلَ: الخَبالُ: الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، وذَلِكَ بِتَزْيِينِ أمْرٍ لِقَوْمٍ وتَقْبِيحِهِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ لِيَخْتَلِفُوا وتَفْتَرِقَ كَلِمَتُهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا خَبالًا﴾ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو أنْ لا يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، كَقَوْلِكَ: ما زادُوكم خَيْرًا إلّا خَبالًا، وهَهُنا المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الأعَمِّ، والعامُّ هو الشَّيْءُ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والتَّقْدِيرُ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما كَرِهَ ذَلِكَ الِانْبِعاثَ؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى هَذا الخَبالِ والشَّرِّ والفِتْنَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْرَهُ الشَّرَّ والفِتْنَةَ والفَسادَ عَلى الإطْلاقِ، ولا يَرْضى إلّا بِالخَيْرِ، ولا يُرِيدُ إلّا الطّاعَةَ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن خُرُوجِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ وفي الإيضاعِ قَوْلانِ نَقَلَهُما الواحِدِيُّ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، أنَّ الإيضاعَ حَمْلُ البَعِيرِ عَلى العَدْوِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا. يُقالُ: وضَعَ البَعِيرُ إذا عَدا، وأوْضَعَهُ الرّاكِبُ إذا حَمَلَهُ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: وضَعَتِ النّاقَةُ، وأوْضَعَ الرّاكِبُ، ورُبَّما قالُوا لِلرّاكِبِ: وضَعَ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، وأبِي عُبَيْدٍ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا مِن غَيْرِ أنْ يُرادَ أنَّهُ وضَعَ ناقَتَهُ، رَوى أبُو عُبَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفاضَ مِن عَرَفَةَ وعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وأوْضَعَ في وادِي مُحَسِّرٍ» . وقالَ لَبِيدٌ:
أُرانا مُوضِعِينَ لِحُكْمِ غَيْبٍ ونَسْخُو بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أرادَ مُسْرِعِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيدُ مُوضِعِينَ الإبِلَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ السَّيْرَ في الطَّرِيقِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
تَبالَهْنَ بِالعُدْوانِ لَمّا عَرَفْنَنِي ∗∗∗ وقُلْنَ امْرُؤٌ باغٍ أكَلَّ وأوْضَعا
قالَ الواحِدِيُّ: والآيَةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ.
صفحة ٦٦
واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ السَّعْيُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالتَّضْرِيبِ والنَّمائِمِ، فَإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الأوَّلَ كانَ المَعْنى: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكم، والمُرادُ الإسْراعُ بِالنَّمائِمِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي، وإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الثّانِيَ كانَ المُرادُ أنَّهم يُسْرِعُونَ في هَذا التَّضْرِيبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ: ”ولَأوْقَصُوا“ مِن وقَصَتِ النّاقَةُ وقْصًا إذا أسْرَعَتْ، وأوْقَصْتُها. وقُرِئَ: ”ولَأرْفَضُوا“ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُتِبَ في المُصْحَفِ: ”ولاأوْضَعُوا“ بِزِيادَةِ الألِفِ ؟
أجابَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ، والخَطُّ العَرَبِيُّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَقِيَ مِن ذَلِكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ، فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَتَها ألِفًا أُخْرى، ونَحْوُهُ: ”أوْ لاأذْبَحَنَّهُ“ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خِلالَكُمْ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] . وأصْلُهُ مِنَ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وجَمْعُهُ خِلالٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] . وقُرِئَ ”مِن خَلَلِهِ“ وهي مَخارِجُ مَصَبِّ القَطْرِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ إذا دَخَلْتَ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ. ويُقالُ: جَلَسْنا خِلالَ بُيُوتِ الحَيِّ، وخِلالَ دُورِهِمْ أيْ: جَلَسْنا بَيْنَ البُيُوتِ، ووَسَطَ الدُّورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أيْ: بِالنَّمِيمَةِ والإفْسادِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ: يَبْغُونَ لَكم، وقالَ الأصْمَعِيُّ: ابْغِنِي كَذا أيْ: اطْلُبْهُ لِي، ومَعْنى ابْغِنِي وابْغِ لِي سَواءٌ، وإذا قالَ: ابْغِنِي، فَمَعْناهُ: أعِنِّي عَلى ما بَغَيْتُهُ. ومَعْنى ”الفِتْنَةِ“ هَهُنا افْتِراقُ الكَلِمَةِ وظُهُورُ التَّشْوِيشِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ هو أنَّهم لَوْ خَرَجُوا فِيهِمْ ما زادُوهم إلّا خَبالًا، والخَبالُ: هو الإفْسادُ الَّذِي يُوجِبُ اخْتِلافَ الرَّأْيِ، وهو مِن أعْظَمِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْها في الحُرُوبِ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في الرَّأْيِ يَحْصُلُ الِانْهِزامُ والِانْكِسارُ عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَمْشُونَ بَيْنَ الأكابِرِ بِالنَّمِيمَةِ، فَيَكُونُ الإفْسادُ أكْثَرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ: فِيكم عُيُونٌ لَهم يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ ما يَسْمَعُونَ مِنكم، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: فِيكم مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويَقْبَلُ قَوْلَهم، فَإذا ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ المُوجِبَةِ لِضَعْفِ القَلْبِ قَبِلُوها، وفَتَرُوا بِسَبَبِها عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الجِهادِ كَما يَنْبَغِي.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ قُوَّةِ دِينِهِمْ ونِيَّتِهِمْ في الجِهادِ ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ فِيمَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ أنْ يُؤَثِّرَ قَوْلُ المُنافِقِينَ فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ النّاسِ مَجْبُولِينَ عَلى الجُبْنِ والفَشَلِ وضَعْفِ القَلْبِ، فَيُؤَثِّرُ قَوْلُهم فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ مِن أقارِبِ رُؤَساءِ المُنافِقِينَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُؤَثِّرُ قَوْلُ هَؤُلاءِ الأكابِرِ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يُقالَ: المُنافِقُونَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يَقْتَصِرُ عَلى النِّفاقِ ولا يَسْعى في الأرْضِ بِالفَسادِ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَ الثّانِيَ مِنَ المُنافِقِينَ يَحْمِلُونَهم عَلى السَّعْيِ بِالفَسادِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ والأراجِيفِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٦٧
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، وظَلَمُوا غَيْرَهم بِسَبَبِ أنَّهم سَعَوْا في إلْقاءِ غَيْرِهِمْ في وُجُوهِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
9:48–50Page 195
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠
If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.
والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.
والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ
صفحة ٦٨
فاتْرُكْنِي. وقُرِئَ: ”ولا تُفْتِنِّي“ مِن أفْتَنَهُ.﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنِ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهم في الحالِ ما وقَعُوا إلّا في الفِتْنَةِ، فَإنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ التَّكْلِيفِ. وأيْضًا فَهم يَبْقَوْنَ خالِفِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، خائِفِينَ مِن أنْ يَفْضَحَهُمُ اللَّهُ، ويُنْزِلَ آياتٍ في شَرْحِ نِفاقِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”سَقَطَ“؛ لِأنَّ لَفْظَ مَن مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى. قالَ أهْلُ المَعانِي: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ لِغَرَضٍ ما، فَإنَّهُ تَعالى يَبْطُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا القُعُودَ؛ لِئَلّا يَقَعُوا في الفِتْنَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم في عَيْنِ الفِتْنَةِ واقِعُونَ ساقِطُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قِيلَ: إنَّها تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ أسْبابَ تِلْكَ الإحاطَةِ حاصِلَةٌ في الحالِ، فَكَأنَّهم في وسَطِها. وقالَ الحُكَماءُ الإسْلامِيَّةُ: إنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ مِن نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَمالًا وسَعادَةً سِوى الدُّنْيا وما فِيها مِنَ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بَيْنَ النّاسِ بِالنِّفاقِ والطَّعْنِ في الدِّينِ، وقَصْدِ الرَّسُولِ بِكُلِّ سُوءٍ، وكانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ الإسْلامِ أبَدًا في التَّرَقِّي والِاسْتِعْلاءِ والتَّزايُدِ، وكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ؛ والحاصِلُ أنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ عَنْ كُلِّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ، بِسَبَبِ الأحْوالِ العاجِلَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مَعَ الجَهْلِ الشَّدِيدِ أعْظَمُ أنْواعِ العُقُوباتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences