Абу ХайянХуд · 11:84–90

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Худ 11:84–90

11:84–86Страница 231

۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤

Мы отправили к мадьянитам их брата Шуейба. Он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас иного божества, кроме Него. Не обмеривайте и не обвешивайте. Я вижу, как вы благоденствуете, и боюсь, что вас постигнут мучения в Объемлющий день.

وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥

О мой народ! Наполняйте меру и весы по справедливости, не придерживайте имущество людей и не творите на земле зла, распространяя нечестие.

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦

Оставленное вам Аллахом лучше для вас, если только вы веруете, и я не являюсь вашим хранителем».

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (p-٢٥١)الرَّهْطُ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَماعَةُ الرَّجُلِ، وقِيلَ: الرَّهْطُ والرّاهِطُ: اسْمٌ لِما دُونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ الرَّهْطُ والعُصْبَةُ والنَّفَرُ إلّا عَلى الرِّجالِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ. وقِيلَ: إلى التِّسْعَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْهُطٍ، ويَجْمَعُ أرْهُطٌ عَلى أراهِطَ، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ. قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُ الرَّهْطِ: الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ: شِدَّةُ الأكْلِ، والرّاهِطُ: اسْمٌ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبِّأُ فِيهِ ولَدَهُ.

الوِرْدُ؛ قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هو وُرُودُ القَوْمِ الماءَ، والوِرْدُ: الإبِلُ الوارِدَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى: الوُرُودُ، واسْمَ مَفْعُولٍ في المَعْنى كالطَّحْنِ بِمَعْنى: المَطْحُونِ.

رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدا: أعْطاهُ وأعانَهُ، مِن رَفَدَ الحائِطَ: دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: الرَّفْدُ بِالفَتْحِ: القَدْحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ: ما في القَدَحِ مِنَ الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ: العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ يُقالُ رَفَدَهُ يَرْفِدُهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ: الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ: المَصْدَرُ. التَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ، تَبَّ: خَسِرَ، وتَبَّهُ: خَسِرَهُ. وقالَ لَبِيدٌ:

؎ولَقَدْ بُلِيتُ وكُلُّ صاحِبِ جِدَّةٍ يَبْلى بِعُودٍ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ

الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ: زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ. وقالَ رُؤْبَةُ:

؎حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا وشَهِقَ ∗∗∗ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ: رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرَ: إخْراجُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الجَرْيِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وهو: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ. وقالَ الشَّمّاخُ:

؎بَعِيدٌ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ

والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ. وقالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ: أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ويُخْرِجَهُ، والشَّهِيقُ: أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ.

الشَّقاءُ: نَكَدُ العَيْشِ وسُوءُهُ. يُقالُ مِنهُ: شَقى يَشْقى شَقاءً وشِقْوَةً وشَقاوَةً، والسَّعادَةُ ضِدُّهُ، يُقالُ مِنهُ: سَعِدَ يَسْعَدُ، ويُعَدَّيانِ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ: أشْقاهُ اللَّهُ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ. وقَدْ قُرِئَ ﴿شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦] و﴿سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] بِضَمِّ الشِّينِ والسِّينِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما قَدْ يَتَعَدَّيانِ. ومِنهُ قَوْلُهم: مَسْعُودٌ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ، مِثْلَ سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ.

وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ فَهو مُسْعَدٌ.

الجَذُّ: القَطْعُ بِالمُعْجَمَةِ والمُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَذَذْتُ وجَدَدْتُ، وهو بِالذّالِ أكْثَرُ. قالَ النّابِغَةُ:

؎تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾: (p-٢٥٢)كانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَبْدَةَ أوْثانٍ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. وبِالكُفْرِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ، ولَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أُمَّةً عَذابَ اسْتِئْصالٍ إلّا بِالكُفْرِ، وإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِخَيْرٍ، أيْ: في رُخْصِ الأسْعارِ.

وعَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ، هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَّأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:«ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ» ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْوَفاءِ لا لِلنَّقْصِ. وقالَ غَيْرُهُ: بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ التَّطْفِيفِ، أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ حَقُّها أنْ تَقابَلَ بِغَيْرِ ما تَفْعَلُونَ، أوْ أراكم بِخَيْرٍ فَلا تُزِيلُوهُ عَنْكم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.

﴿يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أيْ: مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وهو العَذابُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرِهِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ، فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ، كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ.

ونُهُوا أوَّلًا: عَنِ القَبِيحِ الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ، وفي التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ نَعْيٌ عَلى المَنهِيِّ وتَعْيِيرٌ لَهُ. وأُمِرُوا ثانِيًا: بِإيفائِهِما مُصَرَّحًا بِلَفْظِهِما تَرْغِيبًا في الإيفاءِ وبَعْثًا عَلَيْهِ. وجِيءَ بِالقِسْطِ لِيَكُونَ الإيفاءُ عَلى جِهَةِ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ وهو الواجِبُ، لِأنَّ ما جاوَزَ العَدْلَ فَضْلٌ وأمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ.

ونُهُوا ثالِثًا: عَنْ نَقْصِ النّاسِ أشْياءَهم، وهو عامٌّ في النّاسِ، وفِيما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأشْياءِ: كانَتْ مِمّا تُكالُ وتُوزَنُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ونُهُوا رابِعًا: عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ نَقْصًا أوْ غَيْرَهُ، فَبَدَأهم أوَّلًا بِالمَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى عامٍّ، ثُمَّ إلى أعَمَّ مِنهُ وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في النُّصْحِ لَهم ولُطْفٌ في اسْتِدْراجِهِمْ إلى طاعَةِ اللَّهِ.

وتَفْسِيرُ مَعانِي هَذِهِ الجُمَلِ سَبَقَ في الأعْرافِ.

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ. وعَنْهُ: رِزْقُ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والزَّجّاجُ: طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَةُ اللَّهِ. وقالَ الرَّبِيعُ: وصِيَّةُ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وذَكَرَ الفَرّاءُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُ اللَّهِ. وقِيلَ: ما أبْقاهُ اللَّهُ حَلالًا لَكم ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْكم.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي: إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، شَرْطٌ في أنْ يَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهم، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ. وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مُتَقَدِّمٌ. والحَفِيظُ: المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ، والحَفِيظُ: المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ، انْتَهى.

ولَيْسَ جَوابُ الشَّرْطِ مُتَقَدِّمًا كَما ذُكِرَ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما خُوطِبُوا بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ والفَسادِ في الأرْضِ وهم كَفَرَةٌ بِشَرْطِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ما يَبْقى لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الطّاعاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافَةُ البَقِيَّةِ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ أنَّها رِزْقُهُ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، وأمّا الحَرامُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، ولا يُسَمّى رِزْقًا، انْتَهى.

عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في الرِّزْقِ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: (بَقِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فَعِلٍ نَحْوَ: سَجِيَتْ المَرْأةُ فَهي سَجِيَةٌ، فَإذا شَدَّدْتَ الياءَ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَقِيَّةُ بِالتّاءِ، وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي.

11:87–90Страница 231

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧

Они сказали: «О Шуейб! Неужели твой намаз повелевает нам отречься от того, чему поклонялись наши отцы, или распоряжаться нашим имуществом не так, как мы того хотим? Ведь ты же - выдержанный, благоразумный».

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨

Он сказал: «О мой народ! А что, если я опираюсь на доказательство от моего Господа, и Он даровал мне прекрасную долю? Я не хочу отличаться от вас и совершать то, что я запрещаю совершать вам, а хочу лишь исправить то, что в моих силах. Помогает мне только Аллах. На Него одного я уповаю, к Нему одному обращаюсь.

وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩

О мой народ! Пусть ваши разногласия со мной не обрекут вас на то, что постигло народ Нуха (Ноя), или народ Худа, или народ Салиха. Народ Лута (Лота) также недалек от вас.

وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠

Попросите прощения у своего Господа, а затем раскайтесь перед Ним. Воистину, мой Господь - Милосердный, Любящий (или Любимый)».

(p-٢٥٣)﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ لَمّا أمَرَهم شُعَيْبٌ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، وبِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، رَدُّوا عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والهُزْءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ﴾، وكانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ إذا صَلّى تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا.

﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وكَوْنُ الصَّلاةِ آمِرَةً هو عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما كانَتْ ناهِيَةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أوْ يُقالُ: إنَّها تَأْمُرُ بِالجَمِيلِ والمَعْرُوفِ، أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ.

إلّا أنَّهم ساقُوا الكَلامَ مَساقَ الطَّنْزِ، وجَعَلُوا الصَّلاةَ آمِرَةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِصَلاتِهِ. والمَعْنى: فَأمْرُكَ بِتَكْلِيفِنا أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ: الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ. وقِيلَ: أُرِيدُ قِراءَتُكَ. وقِيلَ: مَساجِدَكَ. وقِيلَ: دَعَواتَكَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: أصَلاتُكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ: نَفْعَلُ بِالنُّونِ ما نَشاءُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فِيهِما فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ)، أيْ: أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وفِعْلَنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ بِالنُّونِ فِيهِما فَمَعْطُوفٌ عَلى أنْ نَتْرُكَ، أيْ: تَأْمُرُكَ بِتَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وفِعْلِكِ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، أوْ وفِعْلِنا في أمْوالِنا ما تَشاءُ. وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: تَأْمُرُكَ مَرَّةً بِهَذا، ومَرَّةً بِهَذا. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في أمْوالِهِمْ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَرْضُهُمُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، وإجْراءُ ذَلِكَ مَعَ الصَّحِيحِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: قَطْعُ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.

وقِيلَ: تَبْدِيلُ السِّكَكِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ في نَشاءُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إيفاءُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: كانَ يَأْمُرُهم بِالزَّكاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَقِيقَةَ، أيْ: إنَّكَ لَلْمُتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَيْفَ وقَعْتَ في هَذا الأمْرِ مِن مُخالَفَتِكَ دِينَ آبائِنا وما كانُوا عَلَيْهِ، ومِثْلُكَ مَن يَمْنَعُهُ حِلْمُهُ ورُشْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.

أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: بِزَعْمِكَ إذْ تَأْمُرُنا بِما تَأْمُرُ بِهِ. أوْ يَحْتَمِلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، قالَهُ قَتادَةُ. والمُرادُ: نِسْبَتُهُ إلى الطَّيْشِ والعِيِّ كَما تَقُولُ لِلشَّحِيحِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ، وقالُوا: لِلْحَبَشِيِّ أبُو البَيْضاءِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ﴾ [هود: ٢٨]: (p-٢٥٤)هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَطِيفَةٌ واسْتِنْزالٌ حَسَنٌ، واسْتِدْعاءٌ رَقِيقٌ، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ عِنْدَ أرْبابِ عِلْمِ البَيانِ، وهو نَوْعٌ لَطِيفٌ غَرِيبُ المَغْزى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى بُلُوغِ الغَرَضِ، وقَدْ ورَدَ مِنهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ أرَأيْتُمْ ؟، ومالَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَما ثَبَتَ في قِصَّةِ نُوحٍ وصالِحٍ ؟ قُلْتُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ لِأنَّ إثْباتَهُ في الصِّفَتَيْنِ دَلَّ عَلى مَكانِهِ، ومَعْنى الكَلامِ: يُناوِي عَلَيْهِ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي، وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ ؟ انْتَهى.

وتَسْمِيَةُ هَذا جَوابًا لِأرَأيْتُمْ لَيْسَ بِالمُصْطَلَحِ، بَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَدَّرَها هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ أرَأيْتُمْ إذا ضُمِّنَتْ مَعْنى: أخْبِرْنِي، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، تَنْعَقِدُ مِنها ومِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في الأصْلِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما صَنَعَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْدِلْ عَنْ ما أنا عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ، أوْ أتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ، انْتَهى.

ولَيْسَ قَوْلُهُ: (أضِلُّ) جَوابًا لِلشَّرْطِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُثْبَتًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها.

والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ أنَّهُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَطْفِيفٍ أدْخَلْتُمُوهُ أمْوالَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: العِلْمُ.

﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ المَعْنى: لَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عَنْهُ، مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ وأسْتَأْثِرَ بِالمالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبُهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم في السِّرِّ إلى ما أنْهاكم عَنْهُ في العَلانِيَةِ. ويُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَتَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا.

والمَعْنى: أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لَأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِأُرِيدُ، أيْ: وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكم، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى: خَلَفَ نَحْوَ: جاوَزَ وجازَ، أيْ: وما أُرِيدُ أنْ أخْلُفَكم، أيْ: أكُونُ خَلَفًا مِنكم.

وتَتَعَلَّقُ إلى بِأُخالِفَكم أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: فِيهِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ إلى تَقْدِيرِهِ: وأمِيلُ إلى، أوْ يَبْقى ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنَ المُخالَفَةِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ بِأُرِيدُ، وتُقَدَّرُ: مائِلًا إلى، أوْ يَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾: مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وتَتَعَلَّقُ إلى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ﴾ بِمَعْنى: وما أقْصِدُ، أيْ: وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: وما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ.

والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ، وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُوا فِيهِ جُهْدًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (ما) وُجُوهًا أحَدُها: أنْ (p-٢٥٥)يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ، أيِ: المُقَدَّرُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، فَهَذانِ وجْهانِ في البَدَلِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ:

ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أيْ: ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكم، وهَذا الثّالِثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِألْ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَإعْمالُهُ عِنْدَهم فِيهِ قَلِيلٌ.

﴿وما تَوْفِيقِي﴾، أيْ: لِدُعائِكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ. أوْ: وما تَوْفِيقِي لِأنْ تَكُونَ أفْعالِي مُسَدَّدَةً مُوافِقَةً لِرِضا اللَّهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: لا عَلى غَيْرِهِ، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرْجِعُ في جَمِيعِ أقْوالِي وأفْعالِي. وفي هَذا طَلَبُ التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ يَنالُوهُ بِشَرٍّ.

ومَعْنى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي، أيْ: خِلافِي وعَداوَتِي. قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّهُ في شِقٍّ وهم في شِقٍّ. وقالَ الحَسَنُ: ضِرارِي جَعَلَهُ مِنَ المَشَقَّةِ.

وقِيلَ: فِراقِي. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمَ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ابْنِ كَثِيرٍ، وجَرَمَ في التَّعْدِيَةِ مِثْلُ كَسَبَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. جَرَمَ فُلانٌ الذَّنْبَ، وكَسَبَ زَيْدٌ المالَ، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جَرَّمْتُ زَيْدًا الذَّنْبَ، وكَسَّبْتُ زَيْدًا المالَ. وبِالألِفِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أيْضًا، أجْرَمَ زَيْدٌ عَمْرًا الذَّنْبَ، وأكْسَبْتُ زَيْدًا المالَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرَمَ في العُقُودِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: مِثْلَ بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فُتْحَةَ بِناءٍ، وهو فاعِلٌ كَحالِهِ حِينَ كانَ مَرْفُوعًا، ولَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ البِناءُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والثّانِي: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فَتْحَةَ إعْرابٍ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةً مِثْلَ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ.

والفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: أنْ يُصِيبَكم هو، أيِ: العَذابُ.

﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾: إمّا في الزَّمانِ لِقُرْبِ عَهْدِ هَلاكِهِمْ مِن عَهْدِكم، إذْ هم أقْرَبُ الهالِكِينَ، وإمّا في الكُفْرِ والمَعاصِي وما يُسْتَحَقُّ بِهِ الهَلاكُ. وأجْرى بَعِيدًا عَلى قَوْمٍ إمّا بِاعْتِبارِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ: بِزَمانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ.

أوْ بِاعْتِبارِ مَوْصُوفٍ غَيْرِهِما، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِاعْتِبارِ مُضافٍ إلى قَوْمٍ، أيْ: وما إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ. ويَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وبَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَما قالُوا: هو صَدِيقٌ، وهم صَدِيقٌ، وهي صَدِيقٌ، وهُنَّ صَدِيقٌ. و(ودُودٌ): بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن ودَّ الشَّيْءَ: أحَبَّهُ وآثَرَهُ، وهو عَلى فَعَلَ. وسَمِعَ الكِسائِيُّ: ودَدَتُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَصْدَرُ: ودَّ وِدادًا ووِدادَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ. ورَحْمَتُهُ لِعِبادِهِ، ومَحَبَّتُهُ لَهم سَبَبٌ في اسْتِغْفارِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وفَّقَهم إلى اسْتِغْفارِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ، فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ الوادِّ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English